عميد شاب … قائد صارم
خرج الحزب من سنة 1958 وحربها الأهلية صفر اليدين، بعد أن خاض المعارك بشجاعة أعضائه المعهودة، وبَذْلِ عدد لا بأس به منهم الدماء التي تجري في عروقه. هذه الخيبة جعلت توصيفات نتائج تلك المرحلة في أدبيات الذين خاضوها أو عاصروها من القيادات القومية متشابهة، وإن اختلفت في التعبير، بين قول بشير بأنها لم تؤد إلى أية نتيجة تخدم مصالح الأمة وقضيتها، ووصْف الأمين إنعام رعد لها بالنكسة المعنوية، وتقْرير الأمين منصور عازار بأنها فتنة… بينما اعتبر الأمين عبد الله سعادة بأنها وضعت الحزب في أزمة خانقة، مبرراً ذلك بما “نتج عنها من المضاعفات، وما خلفته من التناقضات بين الحزب والأوساط المحمدية، وتحفظات الأوساط المسيحية تجاهه. هذا الأمر شكل صدمة للقوميين الاجتماعيين الذين مارسوا البطولة المتميزة خلال تلك الأحداث. ورغما عن ذلك أقْصوا عن ميدان الفعل السياسي (…) مما أصاب القوميين بحالة أقرب ما تكون إلى اليأس.” 1
يذكر الأمين إنعام رعد أن ذلك حمل المحتجين من قيادات الحزب، على “التفكير في قلب السلطة في وقت مبكر، وعُرضت الفكرة على رئيس الحزب (أسد الأشقر)، فوجد من المناسب دعوة المجلس الأعلى وبعض العمد لاجتماع مشترك يضم نحو خمسة عشر شخصاً للتداول في مشروع كبير من هذا النوع، عقد الاجتماع (…) وانفض من دون قرار. وقد أبدى رئيس الحزب تهيباً من تدخل القوات الأميركية لقمع المحاولة، لاسيما وأن الإنزال الأميركي في لبنان كان قد وقع.” 2
ويرى رعد أن الحزب وصل إلى مفترق، “بعد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وبعد ظهور التسوية الناصرية – الأميركية،(…) وتشكيل حكومة جاء فيها رئيس حزب الكتائب، وأقصي الحزب القومي بسبب “فيتو” إقليمي عليه، فكان ذلك الثمرة المرة لأحداث 58(…). قدم الأمين أسد الأشقر استقالته بناء على اقتراح المجلس الأعلى، الذي انتخب الأمين عبد الله محسن رئيساً. حاول الرجل رأب الجسور المقطوعة مع جمال عبد الناصر، كما حاول التقرب من مختلف التيارات السياسية اللبنانية.” 3
شهد عهده عدم توافق بين الرئيس والمجلس الأعلى فآثر محسن تقديم استقالته بعد عام ونصف تقريباً، “وهنا قرر المجلس الأعلى استدعاء الأمين عبد الله سعادة من المملكة العربية السعودية، فكلف الأمين علي غندور بمهمة تبليغ سعادة بالقرار، وقد استجاب الأخير للأمر الحزبي. وانتخب رئيساً في 19 تموز 1960.” 4
“قبيل انتخابه استقصى سعادة الأوضاع الحزبية السائدة، واصطحب لهذه الغاية الأمين إنعام رعد (…) إلى فندق قاصوف في ظهور الشوير، حيث قضيا ليلة كاملة امتدت حتى الصباح وهو يستفسر من رعد عن أوضاع الحزب.” 5
معاينة سعادة لما كان سائداً لحظة توليه الرئاسة شكلت حافزاً لاختياره “أعضاء السلطة التنفيذية من جيل الشباب والإتيان بهم إلى مجلس العمد، للإفادة من حيويتهم، علَّه يتمكن بمساعدتهم من إعادة الثقة إلى النفوس التي آلمها الإبعاد والتهميش.” 6 كان بشير من بين الذين وقع عليهم اختياره فعين عميداً للدفاع.
شكل الموقع الجديد، ميداناً رحباً للقائد الشاب، الذي تابع عملية بناء القوميين عقائدياً وعسكرياً، بمتابعة وتعزيز ما كان قد بدأه من عملية الإعداد وبث روح الأمل في نفوسهم، من خلال العمل التنظيمي وإقامة المخيمات، كما أولى أمن مركز الحزب وحراسته عناية خاصة، فشدد على وجود قوميين متمرسين عقيدة وتدريباً، وعين الرفيق سليمان الصايغ ( الأمين فيما بعد) رئيساً للحرس، كما “حدد للمجموعة المولجة بحماية المركز موعداً أسبوعياً معه يزودهم بتوجيهاته، وينظم لهم الحلقات الإذاعية، كما كان يراقب تصرفاتهم أثناء الدوام، والويل لمن يتهاون في تنفيذ مهمته، أو يسهو عن موقعه، ما يعرضه لعقوبة شديدة من عميد حازم وقاس لا يسامح على الخطأ، وهو الذي أفهمهم أن مهمتهم خطيرة، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية جسيمة، وما يطال مركز الحزب يطال كل القوميين والأمة. كما أولى اهتماماً خاصاً بأمن الرئيس واختار مرافقيه من الحرس المركزي ومنهم سليمان الصايغ على أن يتبدل حرس الرئيس بشكل دوري”. 7
سعت قيادة الحزب مجتمعة لتجاوز حال الإحباط واليأس الذي ألم بالقوميين بعد حرب 1958، فأقيمت المهرجانات الحزبية في معظم المناطق اللبنانية، وشهدت مفذية المتن الشمالي عدة مهرجانات، وكان لبيت شباب نصيب منها، هي بلدة بشير الذي غرس المفاهيم النهضوية في نفوس معظم أبنائها.
جرأة العين تقاوم المخارز
بعد عنوانها العريض على الصفحة الأولى “بيت شباب تزحف مزغردة لاستقبال رئيس الحزب” وصفت جريدة “البناء” في عددها الصادر صباح يوم الاربعاء 26/10/1960 المهرجان الحاشد الذي أقيم في البلدة عصر يوم الأحد 23/10/1960، لاستقبال رئيس الحزب الأمين عبد الله سعادة وجاء في الخبر:
“هبت بيت شباب أول أمس بشيبها وشبانها وفتيانها، برجالها ونسائها وصباياها تستقبل رئيس الحزب القومي الاجتماعي لتعبّر بهذا الاستقبال عن عظيم تقديرها للنهضة، وعن عظيم الامال التي تعلقها عليها، وعلى نجاحها الكفيل بإعادة الحياة إلى بيت شباب، وإلى كل قرية في طول وطننا وعرضه لتصبح بيت شباب، جديدة ترتفع فيها مداخن المصانع تنتج الخير والبركة للامة بأسرها “.
وألقى بشير كلمة قال فيها: “هذا اليوم الأغر من تاريخ بلدتنا، يوم تشريف حضرة الرئيس عبدالله سعادة لهذه البلدة، في هذا اليوم، إذ تبتهج قلوبنا وتزهو نفوسنا وتغمرنا غبطة بلقاء الرئيس البطل القائد سعادة، نستقبله بكل جوارحنا وعواطفنا ومشاعرنا وعقولنا، وبدمائنا المتقدة دائما لتلبية النداء.”
تحدث في كلمته عن المغزى العميق لهذا الاستقبال الشعبي الرائع الذي أقامته بلدته “لرجل لا تربطه بها أية رابطة محلية، ولا أية رابطة مصلحية – بمفهوم المصلحية المعروفة في بلادنا- وهو المرشح الذي أسقطوه في الإنتخابات بألف وسيلة ووسيلة، وعن السر العميق الذي حقق الأعجوبة فإذا بأجراس بيت شباب المارونية تقرع ترحيباً بالأرثوذكسي ابن أميون… هذا السر الذي هو سر النهضة القومية الاجتماعية التي أيقظت الوعي القومي في الأمة، ودحرت تنين الطائفية من النفوس، فإذا الوعي يشمل لا القوميين الاجتماعيين فحسب، بل الألوف المؤلفة من أبناء الشعب الواعين المدركين الذين أيقظتهم النهضة برسالتها وبأعمالها وببطولاتها وبكفاحها المستمر.”
كما قال: “عبدالله سعادة الرئيس يعني لنا ولهذه الأمة رئيساً لهذه النهضة التي تجسد ماضينا السحيق، ماضي جبيل وصيدون وآشور ونينوى وبابل ودمشق والقدس، فتربط ماضينا بمستقبلنا العظيم الذي خطه لنا سعادة العظيم ابن المتن… إنّ رئيسنا يعني لنا هذه الإمكانية الضخمة للمسؤولية التي يتحملها بقدرته وقوته وطلاقته وإرادته وجبروته، فرئيسنا هذا الذي نحتفل اليوم بقدومه إلى هذه البلدة، هو هو الرجل الذي يقود النهضة لتحرير هذه الأمة.”
وأضاف: “عندما حنت صنوبرة خضراء من المتن، من الشوير، على زيتونة خضراء من الكورة تهمس في أذنها همسات الحق والكرامة والعزة فيشع الزيت المقدس من الكورة، وينطلق بخور الصنوبر من هيكل الجهاد المقدس، عند ذاك التقى سعادة بسعاده: فكان سعاده الزعيم وكان سعادة الرئيس.”
“وختم كلمته بتوجيه الشكر لأهالي بيت شباب على هذا التقدير وهذا التأييد للنهضة القومية الاجتماعية الذي عبروا عنه ويعبرون عنه في كل مناسبة.” 8
عُرِفَ بشير باتخاذه المواقف الجريئة، من دون أن يلتفت إلى ما يصدر عن أجهزة الدولة اللبنانية من قرارات قد تعيق المسيرة الحزبية، ومن ضمن المهرجانات التي أقيمت في تلك المرحلة، قررت قيادة الحزب أن تحيي ذكرى استشهاد الزعيم (8 تموز 1961) في ضهور الشوير بمهرجان مركزي، وأخذت تعد العدة لذلك. حصلت على ترخيص من وزارة الداخلية اللبنانية لهذه الغاية، لكن الأجهزة الأمنية عادت وأصدرت قبل نهار واحد من تاريخ المهرجان قراراً بمنعه، لكن الحزب واصل الاستعدادات.
و”تقرر أن يبيت المشاركون من قيادة الحزب مع الرئيس ليلة ما قبل الاحتفال في ضهور الشوير، وحجزت لهم الأماكن في فندق القاصوف. كثفت القوى الأمنية من إجراءاتها وأنزلت حواجز في كل الطرقات الموصلة إلى المتن الشمالي، للحيلولة دون وصول القوميين إلى ضهور الشوير، لكن عميد الدفاع اتخذ كل الاستعدادات القاضية بإقامة مهرجان حاشد، وأصدر قراراً كلف بموجبه مديريتي الأشرفية الأولى والثانية بالحفاظ على أمن المهرجان، كما طلب من جميع المنفذيات وجوب الحضور والوصول بشتى الوسائل الممكنة”. 9
“استيقظ أهإلى البلدة صبيحة المهرجان ليجدوا أن بلدتهم تحولت إلى ثكنة عسكرية، يتظلل كل صنوبرة فيها دركي بكامل سلاحه. حدد موعد المهرجان الساعة العاشرة صباحاً. لم يكن قد وصل أي قومي إلى المكان المحدد حتى العاشرة إلا ربعاً، وفجأة بدأ تدفق القوميين بصفوف نظامية غطت شوارع وساحات عاصمة النهضة، تسلقوا تلال المنطقة وأحراشها رجالاً ونساءً وشيباً وشباباً، جاؤوا من مختلف المناطق اللبنانية، حتى تجاوز الحضور العشرين ألفاً ولم يتجرأ أحد من القوى الأمنية الاقتراب من المهرجان.” 10
حرص بشير على أمن المهرجان، مشرفاً على كل شاردة وواردة فيه برزانته المعهودة وهدوئه وصمته. فكان العين التي لا تغمض عن أي حركة، “شعر بحال من الإرباك بين مجموعة من القوميين، فتحرك بسرعة ليكتشف أن هناك عنصراً مدسوساً بين الحضور، حاول الفرار عندما انكشف أمره، وحدث هرج ومرج، لكن سرعان ما ألقي القبض عليه، في هذه الأثناء اعتلى بشير المنصة الرئيسية ليعلن الخبر ويطالب الحضور بالهدوء ومتابعة وقائع الاحتفال.” 11
وفي خطابه أعلن عبد الله سعادة: “سنؤدي التحية للزعيم عند عرزاله ولن تتمكن قوة من منعنا، ونحن لا نتلقى الأوامر الصادرة من عبد إلى عبد إلى عبد، (قاصدا من جمال عبد الناصر إلى عبد الحميد السراج إلى عبد الله المشنوق وزير داخلية لبنان) (…). وبعد انتهاء الاحتفال الخطابي سار الجميع إلى العرزال وأدوا التحية، من دون أن يعير أحد التفاتاً للقوى الأمنية التي راقبت الوضع عن كثب ولم تأتِ بأي حركة.” 12
هدية رأس السنة انقلاب فاشل ( 1961 ـ1962)
تابع بشير مسؤوليته بجديته المعهودة، عملاً وتنظيراً، يحدد المفاهيم بدقة فالبطولة له ليست شجاعة وإقداماً وحسب، بل هي كما جاء في نداء وجهه إلى القوميين: “أيها الرفقاء، إن انتصار قضيتنا لا يكون إلا باعتماد البطولة العقائدية الحقة، والبطولة ليست قدرة على القتال فحسب، ولا هي شجاعة في خوض المعارك فحسب، بل هي قدرة في النفس، وشجاعة في القلب، وتمرس بالفضائل القومية الاجتماعية. البطولة مناقب تتدفق، وأخلاق تترفع، ومسلكية بعضها الكتمان والصدق والإيمان والشجاعة والحس المسؤول”. 13
وكأنه في هذا النداء يعدد الصفات التي تمتع بها طيلة حياته، ويحث القوميين على التمسك بهذه الصفات استعداداً للانقلاب الذي كان الحزب على أعتاب القيام به، وهم الذين، “كانوا منظمين ومتمرنين عسكرياً في مخيمات التدريب في العام 1958. مما جعل الحزب آنذاك حركة نظامية استطاعت أن تنال إعجاب المواطنين واحترامهم وأيضا ثقتهم به. وهذا أمر مهم في الحروب والثورات”. 14
أحاط بشير حركته بالسرية التامة، واختيار الأفراد المؤهلين للقيام بالمهام المطلوبة منهم، كما اتخذ قراراً بتغيير مرافقي رئيس الحزب كل ستة أشهر، والإتيان برفقاء موثوقين، وخصوصاً بعد أن حامت الشكوك حول أحدهم، لذا “استدعى الرفيق نبيل سيف (الأمين فيما بعد) ورفيق آخر من البترون، وزودهما برسالة خطية فيها تكليف رسمي من عميد الدفاع يقضي بمرافقتهما لرئيس الحزب، لكن الرئيس سعادة رفض ذلك، فكان رد الرفيقين أنهما سيبقيان معه تنفيذا لأوامر عميد الدفاع، لكنه تمسك بموقفه قائلاً أنا رئيس الحزب، وعليكما الالتزام بقراري، وليس بقرار عميد الدفاع.” 15
وتبين فيما بعد أن المرافق رياض درويش كان، بالفعل، عميلاً للمكتب الثاني، وهو الذي فضح أمر الانقلاب، كما روى الدكتور سعاده على مدى فصل خاص أورده في كتابه تحت عنوان خيانة رياض درويش. 16
شكل الحزب وحدة نظامية متميزة، كما يوضح بشير لاحقاً، وهو “وحده من استطاع سنة 58 أن يحقق ويجسد العلمنة فكان القدوة العلمانية المشرفة في بلد تجتاحه العصبيات الطائفية وتفعل فعلها! وكان يمتلك كوادر عسكرية على مستوى راق من الخبرة والمعرفة والتدريب لم تكن موجودة في أي فئة أخرى، وذلك نتيجة التدريبات المكثفة للقوميين، ولجوء عدد كبير من رفقائنا الشوام إلى لبنان. في ظل هذه الظروف الموضوعية والذاتية، باشرنا بالتهيئة (للانقلاب). فكانت مستترة، حكيمة، طويلة النفس بسبب تغلغل حكم المخابرات.
لقد اتخذ قرار الانقلاب بشكل مبدئي قبل 8 أشهر من تنفيذه، ونتج ذلك عن ظروف عربية ودولية ومحلية كانت سائدة. فبعد موقف الحزب سنة 1958، وفي ظل التسويات السياسية التي بدأت تحاك وقتئذ، أحس القوميون الاجتماعيون أن معركة الـعام 58 لم تؤد إلى أية نتيجة تخدم مصالح الأمة وقضيتها. وشاءت الصدف أن يسود الكيان اللبناني جو من الإرهاب والقمع. فقد تصاعد تسلط العسكر، وخنقت الحريات الفكرية والاجتماعية، كذلك ضيق على الأحزاب، وضرب الصحفيون بالأمواس، وكان رجال المخابرات يتدخلون في كل منطقة وقرية وحي، ولما أجريت الانتخابات النيابية رافقها قطعاً، صفقات البيع والشراء والرشوة والقمع.
من هنا فالجو الشعبي العام والحزبي الذي ساد نتيجة خيبة أمل الـ 58، ورفض حكم المخابرات، والتململ من التضييق على الأحزاب والصحافة والحريات العامة والتزوير في الانتخابات. هذا الجو دفع الكثيرين إلى التساؤل بشكل عفوي: لماذا لا يقفز الحزب القومي إلى السلطة وهو الحزب المؤهل والقادر؟! ففي هذه المرحلة كانت الموجات الانقلابية تتالى في العالم العربي وإن كان أكثرها عسكرية. ولم يكن في لبنان أنذاك حزباً آخر غير حزبنا يجمع كل الطوائف، ويمتلك الممارسات والمفاهيم الواضحة التي تمكنه من تأليب الدعم الشعبي حوله. أما على الصعيد العربي فكان الوضع متفسخاً، مخلخلاً خصوصاً بعد فشل الوحدة بين مصر والشام.
وبالطبع كان القوميون الاجتماعيون أكثر الناس تحسساً لهذه الظروف والانتكاسات، بحكم إيمانهم بعقيدة قومية واجتماعية، (…) تجعلهم ملتزمين بالقضايا القومية متنبهين للأخطار الصهيونية على المنطقة، من هنا كان جو الحزب مهيئاً ومعبئاً. وكان الانقلاب يعتبر عملية إنقاذ، وفي هذا الجو بدأ التفكير والتهيئة للانقلاب”. 17
خلال مرحلة الإعداد للانقلاب أخذ بشير يشرف على تنظيم الزمر، وعلى جمع الأسلحة التي كانت موزعة على القوميين خلال أحداث عام 58. لاقى جمع السلاح بعض المصاعب، خصوصاً وأن السرية اقتضت أن لا يعرف القوميون الغاية من جمعه. يذكر عبد الوهاب التركماني أن “عميد الدفاع طلب من منفذ الغرب والشوف سحب بعض الأسلحة من القوميين. الذين تمنعوا عن تسليمها، وكادت أن تنشب بينهم معركة، والشهيد بشير رحمه الله كان عنيفاً ولا يرحم أحداً، وكاد أن يقول شيئاً خطيراً (…) قلت لهم أرجو أن تقدروا ظروف عميد الدفاع، أريد منكم الأسلحة لمدة ثلاثة أيام، إذا لم أردها إليكم أعدكم بغيرها مضاعفاً.” 18
“في أواخر شهر كانون الأول من سنة 1961 زار بشير منزل صديقه وابن عمته مخايل السبعلي، وخلال تبادلهما الأحاديث وعده بهدية قيمة سيقدمها له بمناسبة العام الجديد، شكره الرجل على لطفه، مؤكدا أن لا داعي للهدايا بينهما، لكن بشير أصر على موقفه لأن هديته ستكون شديدة الأهمية، وتختلف عما اعتاد الناس على تبادلها في مثل هذه المناسبات.” 19
كانت الهدية الموعودة هي محاولة قلب نظام الحكم في لبنان، هذه المحاولة التي نفذ فيها بشير ما أوكل إليه، فصنف وفرز القوى المقاتلة: “وهذا أمر بديهي. لذلك عمدنا في الأشهر الأولى من بداية التفكير بالانقلاب، إلى فرز القوميين المقاتلين المدربين ودرس أوضاعهم العسكرية والنفسية والاجتماعية. وعمدنا إلى اختيار التشكيلات المتناسبة مع الخطة المعدّة. وعمليات الغربلة هذه استمرت اشهراً ليأتي التنفيذ مثل كبسة زر. وهكذا كان! (…) ماذا أقول عن هذه التلبية الأسطورية؟! كان القوميون قمة من قمم الايمان والإدراك الذي يعبر عنه بالاستعداد للاستشهاد في سبيل نصرة قضيتهم. فلا توجد كلمات كافية تعبر عن هذه النوعية النادرة من التلبية المنظمة والمنضبطة والمؤمنة، فالأصالة السورية والتهذيب النفسي والإيمان بأهداف الحزب وانتصاره التي كانوا يمتلكونها (…)، بالإضافة إلى الخبرة العسكرية التي تلقوها في التدريب النضالي الطويل جعلت من التلبية عملاً تنفيذياً رائعاً. وقد ذكر أحد الدارسين العسكريين في جريدة”Le Monde” بعد الانقلاب: أنّ الثورة الانقلابية التي قام بها القوميون الاجتماعيون في لبنان ظاهرة فريدة من نوعها. إنها المرة الأولى التي تتجرأ مجموعات مدنية على القيام بانقلاب عنيف ضدّ النظام في العالم الثالث، فالمعنويات والثقة والتنظيم التي كانت تمتلكها مكنتها من اقتحام بيوت الضباط الكبار واعتقالهم. والمعروف أنّ العسكريين يتهيبون عادة الإقدام على هكذا أمر نسبة لتربيتهم، ولا يجرؤ على ذلك إلاّ ضابط كبير يترأس مجموعة مدججة بالسلاح. وتابع هذا الباحث يقول إنَّ ذلك الحزب يستحق دراسة خاصة لنفسية أعضائه ونوعية إيمانهم وقوة عقيدتهم! وهذا أبلغ دليل يبين المستوى الذي وصل إليه الحزب آنذاك على الصعيدين المعنوي والعسكري، ففي الوقت المحدد وُزِّعت المهام التنفيذية على المجموعات. وكان لكل عملية من العمليات قائد مدني وأخر عسكري. الأول اختير من بين أعضاء مجلس العمد والرفقاء، ودوره أن يدل القائد العسكري ومجموعته على المكان المقصود ويؤمن وجود الشخص المطلوب للاعتقال. وكان القائد المدني يلعب دور ضابط الارتباط بين القيادة والمجموعة العسكرية حتى يحول دون حدوث أي عراقيل طارئة”. 20
كانت أولى المهام التي نفذت بنجاح إطلاق سراح النقيب شوقي خير الله المعتقل من قبل قيادة الجيش في ثكنة الفياضية، فقد كلف بشير، “مجموعة مؤلفة من ميشال خوري، أوغيست حاماتي، عادل إندراوس، ويوسف عقل الياس بمهمة إطلاق سراحه وإلحاقه بالنقيب فؤاد عوض في وزارة الدفاع، نفذت المهمة وأحضر شوقي مع حارسه، لكنه أصر على مقابلة عميد الدفاع أولاً. فطلب بشير منه الالتحاق بفؤاد في وزارة الدفاع. وطيب خاطر الحارس، الذي كان مصاباً بحال من الرعب.” 21
بينما أسند إلى النقيب فؤاد عوض مهمة احتلال وزارة الدفاع بواسطة الكتيبة التي يقودها، والتي توجه بها من مقره في مدينة صور إلى محيط الوزارة، ليصل “متأخراً عن الوقت المحدد، وبعد أن تمركزت قواته في محيط المبنى دخل عوض، غرفة “السنترال” وهو من النوع النصف أوتوماتيكي وفيه ما يقارب الأربعمائة مشترك – وجد “التابلوه” الذي يحتوي على لمبات صغيرة تضيء عندما يرفع المشترك السمّاعة – وجدها كلها منارة والكل يريد أن يتكلّم. وسمع العريف العامل على السنترال ينادي مشتركاً ويقول له: “بعرضك عجِّل”. علم رأساً أن الجماعة أصبحوا يقظين وانّ العملية أصبحت مفضوحة.” 22
تتبشر بالفرح….
“وصل النقيب خير الله إلى وزارة الدفاع، ووضع النقيب عوض بإمرته مجموعة من جنوده، في هذا الوقت أرسل خير الله برقية باسم قائد الجيش عادل شهاب إلى مرجعيون، يطلب فيها إرسال السَريَة الأولى من الفوج الأول التي كانت بإمرته إلى بيروت. جهّزت السَرية وتحرّكت باتّجاه بيروت ووصلت إلى النبطية، وعندما فشل الانقلاب أعطيت لها أوامر معاكسة أعادتها إلى مرجعيون. وبين هذا وذاك طُوّقت الكتيبة المطوًّقة، وما كان أمام النقيبين من خيار إلا مغادرة المكان.
كان قائد الجيش اللواء عادل شهاب في باريس لحظة وقوع الانقلاب، وحسب الخطة المرسومة اعتقل عدد من كبار ضباط الأركان (قائد الشرطة العسكرية المقدم لويس شهاب، الزعيم نوفل قائد الدرك، المقدّم فايز الراسي قائد فوج المدفعيّة الأول، المقدّم جلبوط مدير الأمن العام، رئيس الأركان الزعيم شميط، وقائد موقع بيروت عبد القادر شهاب.)” 23
“وأثناء نقل المعتقلين شميط وشهاب اصطدمت المجموعة (التي تنقلهم) بحاجز للفرقة 16 وتبادلت معه إطلاق النار، فأصيب ديب كردية بقدمه، لكنه ترجل من السيارة وطلب منهم وقف إطلاق النار لأن الزعيمين شميط وشهاب معهما، فتوقف الرصاص، أكملت السيارة التي تقل الأسيرين طريقها بينما اعتقل كردية، من قبل مقر الفرقة 16 التي تعذر احتلال مقرها، ووجد (كردية) عدداً من القوميين المعتقلين هناك، وما لبث أن أرسل النقيب عوض قوة احتلت الموقع، واطلقت سراح المعتقلين، ونُقِلَ كردية إلى مستشفى الجامعة الأميركية.” 24
ويروي عوض أنه بعد أن توقف إطلاق النار تقدمت الشرطة واعتقلت المدنيين، وأفرجت عن الضابطين شميط وشهاب اللذين تسلحا كل برشيشة واستقلا سيارة جيب للشرطة، واندفعا إلى مبنى وزارة الدفاع غير عالمين بما يجري هناك. “عندما وصلا أمام مبنى الوزارة اعتقلتهما مجدداً، (…) أما ديب كردية ورفاقه فقد اقتيدوا إلى مركز الفرقة 16 في السراي الكبير وأوقفوا هناك حتى مجيء مصفحتين من مصفحاتي فحررتهما وأخلت المركز من الشرطة”. 25
أرسل عوض الضابطين المعتقلين مخفورين إلى مقر عميد الدفاع، الذي “عاملهما بكل احترام وتقدير، وقدم لهما السجائر، آمراً المجموعة التي اقتادتهما، بعدم التعرض لهما ونقلهما إلى الديك المحدي.” 26
“كانت مهمة احتلال مبنى وزارة البرق والبريد والهاتف موكلة إلى زمرة بإمرة إميل رعد، الذي كان يتردد إلى مبنى الوزارة قبيل الانقلاب بمدة، وتعرف إلى كل مداخلها، وأقسامها، وأخذ خريطة تفصيلية للمبنى من الموظف هناك الرفيق محمود عبد الخالق.” 27
نفذت المهمة واحتل المبنى، “وقطعت الخطوط الهاتفية في المدينة، إنما بقيت بعضها من دون قطع، وعندما فشلت المحاولة وطوقت الشرطة المبنى فرّ قسم أعضاء الزمرة واعتقل القسم الآخر.
كما كُلِّف “الملازم علي الحاج حسن بقيادة المجموعة المولجة باعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، من منزله في جونية. قصد الحاج حسن حسب الخطة المرسومة منطقة أبو الأسود في جنوب لبنان، واستلم من االنقيب عوض سيارتيْ جيب مع سائقيهما وأربعة رشّاشات وانطلق بهما لتنفيذ مهمته، وتوجه بهما إلى انطلياس كي يلتقي المجموعة التي سيقودها (…)
نال تشكيل المجموعة المكلّفة باعتقال الرئيس (فؤاد شهاب) كل اهتمامنا. (كما يذكر عوض) وأشرف على (تحركات) تلك المجموعة، المكوّنة من خمسة وثلاثين رجلاً، رجل من أشدّاء رجال الحزب، هو السيد صبحي أبو عبيد أحد المسؤولين الكبار في الحزب. وكانت مهمته تأمين استكشاف الطريق ما بين تمركز المجموعة في انطلياس ومنزل الرئيس فؤاد شهاب في جونية، وإبلاغي نتيجة العملية في وزارة الدفاع كي أعرف كيف أتصرَّف.
انطلق الملازم علي الحاج حسن مع سيّارتَيْ الجيب إلى انطلياس كي يلتحق بهذه المجموعة ويقودها، وأخذ يفتّش عن مكان تمركزها (…) وأضاع نصف ساعة تقريباً حتى تمكّن في النهاية من العثور على مكانها. وإذا أردنا أن نضع اللوم على أحد في هذا التأخير، ومن المسؤول عنه، هو ولا شك صبحي أبو عبيد لأن مهمّته كانت تأمين الاتصال بين الفريقين، وإعطاء إشارة الانطلاق. أكملت هذه المجموعة مهمتها، ولم تلتفت إلى التأخير الذي حصل، واندفع أمامها صبحي أبو عبيد ليكشف لها الطريق مرّة ثانية. وهو الذي وصل (في المرة الأولى) إلى منزل الرئيس شهاب وعاد، (بعد أن وجد) الطريق خالية وحرس الرئيس في وضعه الطبيعي كأي يوم عادي، وأبلغ ذلك إلى المجموعة، فتابعت سيرها باتّجاه جونية. وعند وصولها أمام ثكنة صربا وُوجِهت بالمصفّحات تخرج من الثكنة وتقـفل الطريق، وبِتَرجُّل جنود المساندة من سيّارات الجيب لتفتيش السيارات المدنية. وقد أغاظ هذا الحادث الملازم علي الحاج حسن وعبدالله الجبيلي وأمرَا السائق بأن يقتحم الحاجز عن اليمين وأن لا يتوقّف عند إعطاء إشارة التوقّف. تابع السائق سيره، أشار الجنود له ببنادقهم للوقوف فلم يذعن واجتازهم، لم يطلقوا النار على السيارة. أما ما تبقّى من القافلة فلم يتابع عند مشاهدته المصفّحات، فمنهم من قفل راجعاً ومنهم مَن وقع في أيدي الجنود فأُسِروا واقتِيدوا إلى ثكنة صربا. (…) بعد أن اجتاز الملازم علي الحاج حسن المصفّحات، ووجد نفسه وحيداً اتّخذ طريق الجبل والتحق بالدكتور سعادة (رئيس الحزب) في منزل (الأمين) أسد الأشقر في ديك المحدي (وهناك) ارتدى بزّة مدنيّة وظلّ معهم حتى اعتُقِلوا.” 28
في اللحظة التي كان فيها بشير منهمكا بتوزيع المهام، “وصل صبحي أبو عبيد وأخبره أن مهمة اعتقال فؤاد شهاب قد فشلت، وبالتالي فشل الانقلاب فكان جوابه تتخبر بالفرح.” 29
استنفار عائلي لإبعاد مرارة الأسر
ضجت وسائل الإعلام بخبر فشل انقلاب القوميين، وتناهت أخباره إلى مسامع العائلة، التي فاجأها أمر الانقلاب وهزها نبأ فشله، وهي العارفة بموقع ابنها ومسؤوليته، فانتابها الإرباك، وحال من القلق الشديد، لكن الرفيقين أسعد وعفيفة أخذا المبادرة.
“قصدت عفيفة بيت أهلها ـــ وهي التي لم يمر أكثر من ثلاثة أيام على وضعها مولودها الجديد عوض ـــ وهناك جمعت على عجل كل محاضر الاجتماعات والوثائق الحزبية الموجودة بحوزة شقيقها، ووزعتها بين الحرق في مدفأة منزلها وإخفاء بعضها (المهم) في حديقة شقيق زوجها (الكتائبي)، كما عمدت إلى طمر بندقية بشير في تلك الحديقة، بدوره أحرق أسعد كل ما وقع تحت يديه من أوراق وصور احتفالات حزبية.” 30
أما بشير وبعد أن علم بفشل الانقلاب، قصد ساحة البرج في بيروت وتناول وجبة في أحد مطاعمها (الأوتوماتيك). 31
“ثم صعد إلى بلدته سيراً على قدميه، عَبَرَ التلال والطرق الزراعية، ليصل بيته فجراً، وقد هدّه التعب وكست ملابسه الوحول. كان قلقاً على المستندات الحزبية وصور الرفقاء التي بحوزته، خشية أن تقع في قبضة رجال المكتب الثاني، وتتسبب بإلقاء القبض على من هو غير معروف من قبلهم، وعندما اطمأن إلى اختفائها أو حرقها. بدأ البحث عن وسيلة للتخفي عن عيون عناصر الجيش والمكتب الثاني، وتقرر أن يختبئ في تبانة الجيران حتى يمكن إيجاد وسيلة لإخراجه من البلدة.
مع شروق شمس ذلك النهار تدفقت دبابات الجيش وشاحناته المحملة بعشرات الجنود إلى بيت شباب وطوقت مداخلها، ثم اقتحم الجنود منزل آل عبيد، قلبوا محتوياته، خربوا كل قطع الأثاث وحطموا كل ما وقع تحت أيديهم حتى ثلاجة الطعام، بحجة البحث عن وثائق ومستندات حزبية. نهبوا كل ما خف حمله وغلا ثمنه، واستولوا على ما وجدوه من أموال ومجوهرات وليرات ذهبية تخص ربة البيت، وعندما حاول زوجها الاحتجاج، لم يخجلوا من كبر سنه بل انهالوا عليه ضرباً ورموه في إحدى الشاحنات واقتادوه إلى المحكمة العسكرية، ليفرج عنه بعد يومين.
كما داهمت قوة من الجيش منزل عفيفة الزوجي، بناء على إخبار من أحد عملاء المكتب الثاني، الذي راقب تحركها في الليلة السابقة، وقدم إخباراً عما نقلته ليلاً من بيت أهلها. لم يراعِ الجنود حالها وهي تحمل رضيعها وتحاول تهدئة أطفالها، ولا حال والدتها المصابة بداء السكري، وقد نقلتها عفيفة، قبل وصول العسكر، إلى منزلها لتجنبها مشهد المداهمة المتوقعة، كما لم يُقِم عناصر القوة وزناً للرعب والهلع الذي ألمَّ بالأطفال الصغار.
انتهى التفتيش من دون العثور على شيء، وفشل مسؤول المجموعة بالعثور على جواب منها حول ما حملته من منزل ذويها، لذا قرر اعتقالها، وسط صراخ صغارها وعويلهم. مشت معهم وهي تحمل رضيعها عبر طريق بيتها الترابية حتى وصلوا إلى موقع الضابط المسؤول، وقفت أمامه بكل صلابة تحذره من مغبة اعتقالها، لأن زوجها لن يسكت، بل سيرفع دعوى ضدهم بحال أصابها وطفلها أي مكروه، وبعد أخذ ورد قرر الضابط إخلاء سبيلها.” 32
خلال التحقيق معه روى بشير “كيف وصل إلى البيت، وجلب خمسة آلاف ليرة وبعض الأوراق والتذكرة المزورة، وبعد تخفيه في الأحراش ذهب إلى قرنة شهوان، حيث طوق الجيش المنطقة مما اضطره للتخفي ثلاثة أيام، أصيب خلالها بنوع من التسمم.” 33
عن هذه الواقعة يقول شقيقه أسعد: “بعد أيام، وصل مرسال في الليل وأبلغني أن بشير تسمم، وهو موجود فوق فوار انطلياس وبحالة صحية سيئة. ولما وصلت اليه، وجدت الورم قد انتشر في كل انحاء جسمه. حملته إلى إحدى البيوت الصديقة. ثم أحضرت الدكتور سلهب (والد النائب سليم سلهب) دون أن أبوح باسم المريض. ولما رأى بشير، ذهل وتردد على أساس أنه كان صهر جميل لحود. التفت إليه بشير وخاطبه بصرامة ووضوح: أأنت طبيب أم سياسي؟! إن كنت تمارس الطب كرسالة، عالجني ولا تتردد، وإذا حدث لي أي مكروه فأخي شاهد على ذلك، سلوكك المتردد يجعلني أشك بإدراكك للرسالة التي تحملها. عندها عالجه ولما أنهى مهمته، أبقيته الليل كله معنا، وفي الصباح أوصلته إلى منزله شاكراً. أعطيت بشير هويتي واحتفظت بإخراج قيدي وانطلقنا في سيارتي. ولما وصلنا إلى منطقة الدورة، أوقفنا حاجز للجيش اللبناني، اقترب الرقيب من نافذة بشير طالبا هويته، ولما قرأها ضحك قائلاً: لو كان أسم بشير مكان أسم أسعد لقبضت 50 ألف ليرة من خزينة الدولة! فالتفت بشير إليه ساخراً وقال: ولو كان في الجيش رقيب ذكي لربح الـ 50 ألف ليرة، ولكن ماذا أستطيع أن أقول لك، ولدت فقيراً وستبقى فقيراً! أعاد الرقيب الهوية دون أن يفهم شيئاً. وتابعنا سيرنا. في هذا الوقت فقدت أعصابي وأشرفت على الانهيار، قلت له: “شو هالضرب يا بشير، شو جنيت، هيدا وقت المزح!” أجابني: يا أخي لمَ الجبن؟! أنت جبان وستبقى جباناً. قلت له: ربما، على كل حال، انزلني! فأجابني دون انفعال: الأفضل أن تنزل لأنك ستفضحني إذا تابعت الطريق معي! تركته وانصرفت.” 34
قصد بشير محلة جسر الباشا قاصداً ابن خاله مخايل السبعلي، الذي وُعِدَ بهدية قيمة ليلة رأس السنة، وبعد التباحث بشأن تخفيه، “اتفقوا على استئجار بستان له في محلة قناطر زبيدة، يبعد ما يقارب الكيلومتر ونصف عن بيت مخايل. هناك تنكر بشير بثياب مزارع وأطلق لحيته، وراح يتنقل متخفياً بين بيت ابن خاله والبستان. بشير الملتصق بالأرض ويحبها منذ الطفولة، لم يشعر بالغربة في ذلك المكان، وهذا ما سهَّل عليه التخفي، حتى اعتقد من كان يلتقيه من العمال وأصحاب الأراضي أنه ابن المصلحة، في هذه الأثناء رُسِمـتْ خطة لتهريبه إلى الأردن بواسطة شاحنات ينقل فيها مخايل وصهره ميلاد السبعلي مواسم التفاح من لبنان إلى الأردن. قبل العملية سافر مخايل مرتين إلى الأردن وبنى علاقات مع رجال الجمارك والأمن العام على الحدود لتسهيل تهريبه، خلال هذه الفترة وُجِدَ من أخبر المكتب الثاني عن مكان بشير.” 35
سبقت الوشاية فجر التفاح …. فأُسِرَ الصديق العميد!
زار ميلاد السبعلي عامل البستان بشير عدة مرات، فكان يغادر بلدته المياسة إلى مشارف الساحل، ويتنقل بين الدروب الداخلية بعيداً عن أعين مخبري المكتب الثاني، ليتفقد أحوال صديقه، وفي الزيارة الأخيرة قابله بوجود مخايل وأعلمه بتحضير شاحنة خاصة أُعِد فيها مكان بين صناديق التفاح يتسع لشخص واحد، واتفق المجتمعون على أدق التفاصيل، كما تقرر يوم التنفيذ. في صبيحة ذلك اليوم نزل ميلاد باكراً من بلدته المياسة إلى منطقة البرج في وسط بيروت لإحضار الشاحنة والتفاح، فإذا به يفاجأ بباعة الجرائد ينادون: اعتقال عميد الدفاع بشير عبيد. 36
يوم اعتقاله “جاءت طائرات الهليكوبتر وبدأت تحوم بين البيت والبستان، وبعد ساعات قليلة أعلنت وسائل الإعلام عن اعتقال عميد الدفاع في الحزب القومي بشير عبيد.” 37
صدرت جريدة النهار في اليوم التالي وعلى صفحتها الأولى صورة بشير بترويسة تقول: ألف جندي يعتقلون عميد الدفاع، كما جاء في سياق الخبر أنه “صباح الخميس طوق ألف جندي منطقة المكلّس ــ المنصورية (المتن) بينما كانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق المنطقة، وعند الساعة الثامنة والنصف دخلت قوة أحد البساتين واعتقلت فيه شاباً ممتلئ الجسم وسيم الوجه. وقد زعم الشاب أن في الأمر التباساً وأنه من آل جدايل، ولكن القوة واجهته بصوره، ونقلته إلى بيروت في طائرة. وهكذا انضم إلى كبار المعتقلين بتهمة التآمر بشير عبيد عميد الدفاع في الحزب القومي المنحل”. 38
فاجأ الخبر كل من عرف ذلك البستاني الشاب عند كشف حقيقته، حتى أن الحلاق الذي كان يقصده قال لجوزف السبعلي لاحقاً أنه “صدم لحظة شاهد صورة بشير في الصحف، ولم يصدق أن ذلك العامل البسيط الذي اعتاد أن يشذب لحيته ويحلق شعره عنده هو ذاته عميد الدفاع! وطالما احتار في أمره، لأنه كان يشمئز كلما دخل عليه ذلك الفلاح، وعندما يرفع اللثام عن رأسه ووجهه، تفاجئه وسامته ونعومة رقبته وبشرته، ويسأل نفسه من أين لهذا العامل القدرة على استعمال عطر ثمين تملأ رائحته المكان؟ يعلق قريبه مخايل على حديث الحلاق بأن بشير مغامر شجاع.” 39
“نزل خبر اعتقال بشير كالصاعقة على رؤوس أفراد أسرته، وهي التي كانت على ثقة من خطة تسفيره إلى الأردن، معللة آمال الوالدة زينة بسلامة ابنها من الوقوع في قبضة رجال المكتب الثاني، خصوصاً بعد ما تسرب من أخبار الفظائع التي ترتكب بحق رفقائه المعتقلين. يوم سمعت زينة باعتقال الرفيق صبحي أبو عبيد صرخت ضاع بشير، لكنهم طمأنوها أن بشير بخير وسيسافر قريباً. في صبيحة اليوم المشؤوم حمل حفيدها الصغير غازي الجريدة ليخبرها أن خاله اعتقل، فأصيبت بنوبة إغماء نقلت على أثرها إلى المستشفى وما لبثت أن فارقت الحياة.” 40
إذن ألقي القبض على بشير، ونقل بطوافة عسكرية إلى ثكنة الأمير بشير. ترأس المجموعة التي اعتقلته المقدم معلوف من الجيش اللبناني، بادره المقدم بالقول “ضيعانك يا بشير”، وهو المعجب بشخصيته لما جمعهما من معرفة أيام أحداث شملان 1958. وعندما سمع معلوف بخبر وفاة أمه جاء ليقول له لقد تسببت بموت والدتك. 41
تقصت العائلة أخبار ابنها، محاولة أن تعرف شيئا عن مصيره، وأين سجن وكيف يعامل. مرت الأيام طويلة قاسية إلى أن اهتدت الي مكان اعتقاله. سعت شقيقته الرفيقة عفيفة، على الفور، “للحصول على إذن لمقابلة أخيها، وكان من يسمح بذلك هو رئيس المحكمة العسكرية، حيث يُسلَّم الإذن للعائلات بواسطة موظف من آل الهبر، حاول الأخير ابتزاز العائلة وإذلالها، فعمدت عفيفة إلى رشوته، متكئة بذلك على المثل القائل “إطعم الفم تستحي العين”، وسهلت بذلك الطريق للقاء أخيها.
كان شاقاً ومؤلماً، فما إن واجه شقيقته حتى بكى بشير كما لم يبك يوماً في حياته، وهمس بصوت متهدج حَمَّلَهُ كل ما في فؤاده المكلوم من حزن لفقده حضن أمه الدافئ: “لقد تسببت بموت والدتنا، لقد قتلتها!” تماسكت عفيفة وردت التهمة عن أخيها مرددة: “هي كانت مريضة وخلص عمرها، شو علاقتك بموتها، الله يرحمها المهم سلامتك.”
الرفيقة عفيفة أخت الرجال تصون شقيقها وأسرار الحزب
أخذت عفيفة موقع الأم الحنون، ودأبت على زيارة شقيقها وتزويده بكل ما يمكنها إيصاله له من مأكل وملبس وحاجيات خاصة، تسمح بها إدارة السجن، وتحاول تهريب تلك التي لا تسمح بها بشتى الوسائل.
مع بدء المحاكمات تقرر تعيين محامين للدفاع عن القوميين، حاولت عفيفة الاشتراك مع جميع العائلات في محاولة لتوكيل محام للجميع، ولم تلق آذاناً صاغية، فقررت أن تجد محامياً لامعاً يتولى مهمة الدفاع عن أخيها، وقصدت مكتب محام مشهور يدعى موسى برنس، الذي رحب بها ترحيباً حاراً، وأبدى استعداده للمساعدة، ولما سمع اسم بشير عبيد تملص منها بأسلوب لبق، واعتذر عن تقبل المهمة، خرجت من مكتبه حائرة في أمرها، وبينما هي هائمة على وجهها في شارع المعرض، تحدث نفسها وتسأل نفسها كيف ستتصرف، وهي الملاحقة من قبل مخبري المكتب الثاني كيفما سارت، التقت وجهاً لوجه برجلين أحدهما ملتح، بعد أن استوقفاها، وقد عرفا أنها شقيقة بشير عرفها بنفسيهما، وكانا قبلان عيسى الخوري والأب سمعان دويهي من زغرتا، وسألاها عن أحوال أخيها وهل وجدت محامياً يدافع عنه؟ وعندما أخبرتهما عما حدث معها قبل دقائق، قالا اتبعينا، فسارت خلفهما باتجاه مبنى العازرية، وهناك أرشداها إلى مكتب المحامي بدوي أبو ديب، فصعدت إلى مكتبه على الفور وشرحت له الأمر، وكان جوابه أنه لن يباشر الدفاع عن بشير حتى يلتقيه ويأخذ منه توكيلاً.
وفي اليوم التالي قصدته لتعرف موقفه، فأكد لها أنه سيدافع عن بشير من تلقاء نفسه ومن دون أن يكلفه أحد وسيتعامل مع القضية وكأنه يدافع عن ابنه، وعندما سألته عن التكاليف أجاب أنه سيدافع عنه من دون أن يتقاضى أي بدل أتعاب.
بعد ذلك وأثناء زيارتها لشقيقها اعترض بشير على تسمية هذا المحامي، وقال أن أسئلته التي وجهها إليه غريبة وعجيبة، فأخبرته بما حدث بينها وبين بعض العائلات، وأنه لا بد من إيجاد محام خاص، ولم يكن أمامها سوى هذا الخيار، وأخبرته أن الرجل أبدى استعداده وحماسه للدفاع عنه من دون مقابل.
هانت الأمور على عائلات القوميين أيام المحاكمات العلنية، وقد تسنى لأهل بشير، كما جميع الأهل، حضور الجلسات، ولم يمنع ذلك عفيفة من متابعة زياراتها اليومية إلى السجن تحمل لأخيها الطعام والحلويات، وتؤمن له كل ما يطلبه من حاجيات شخصية علناً أو بوساطة التهريب، وذات يوم نقل إلى زنزانة تقع في آخر نفق طويل معتم، فكان ما إن يسمع وقع خطى شقيقته قادمة حتى يبدأ بالغناء:” يا حنيّنة يا حنّينة” وكانت عفيفة تشتم رائحة أنفاسه وتشعر بها قبل أن تسمع صوته الجهوري المفعم بالحنان.” 42
بدأت حفلات الاستجواب المقترنة بشتى أنواع الجلد والتعذيب، لكن بشير أظهر من الشجاعة والصبر والاحتمال ما جعله قدوة لآلاف المعتقلين، فهو لم يهن أو يضعف لحظة واحدة، حتى بات أسطورة يتناقل السجناء والقوميون في الخارج أخبارها. وذكر ذلك الأمين إنعام رعد في كتاباته وهو يوصف حال الأسرى: “… وقد تميز بالموقف البطولي الشهيد بشير عبيد عميد الدفاع، إذ دافع فيه عن رفقائه وكسب مودة رئيس المحكمة (جميل) الحسامي. فبشير كان مرتاحاً في إفادته، وقوياً وشجاعاً، ولكن رئيس المحكمة أصدر حكم الإعدام بالنتيجة.” 43
مع بدء المحاكمات أبلى بشير بلاء حسناً جعله نجم الجلسات الطويلة، وقد أعلن بكل شجاعة مسؤوليته الكاملة عن كل ما قام به، “كما أوعز لكل رفيق سأله عن ما عليه أن يجيب به في استجواب المحكمة، بأن يقول بشير عبيد كلفني وهو المسؤول، وقد سأله الرفيق السجين ميشال خوري (الأمين فيما بعد) عن سر هذا الإيعاز ولماذا يحمل نفسه المسؤولية كلها! رد عليه ضاحكا: حسابي كبير، كبر حسابات البنك السوري فلن يضيرني اعتراف من هنا أو هناك، وفي كل الأحوال ذاهب إلى الإعدام.” 44
في السجن كما في خارجه كان همُّ بشير الحزب وضرورة صلابة مواقف القوميين، لم يخش السجانين ولا القضاة، ما حمله على إطلاق المواقف الفكاهية أحياناً من دون حذر أو وجل. يذكر الأمين رضا كبريت أنه “في واحدة من جلسات المحاكمة، وبعد أن أنهى أحد القضاة حديثه، قال له بشير: لقد تعرضت في سجنكم لكل أنواع الاضطهاد والتعذيب، ومع ذلك لم أبكِ مرة واحدة، أما حديثك الآن فقد أحزنني إلى حد البكاء.” ولما سأله القاضي عن ما جعله يذرف الدموع، أجاب بشير: “أبكاني وجودك على هذه المنصة، وفي بلد فيه قضاة من أمثالك لا بد أن يقوم فيه كل يوم انقلاب.” زمجر القاضي وصاح به: “ولاه! وإنت سجين هيك عم تحكي، كيف لو كنت برا؟” أجاب بشير: عندها لا لزوم للكلام بل للفعل.” 45
وأثناء استجواب العميد الحسامي رئيس المحكمة العسكرية الأولى للزمرة التي كانت مسؤولة عن إطلاق سراح شوقي خيرالله من سجنه في ثكنة الفياضية، سأل عن رقم الزمرة ولِأَيِّ منفذية تابعة ومن هو آمرها، ولم يلق جواباً، من أفراد المجموعة.
“نظر إلى الأوراق وعجب من أمر هذه الزمرة التي كانت مشكلة من: عادل إندراوس ابن المتن ــ لبنان، أوغيست حاماتي القادم من الإسكندرون، ميشال خوري الفلسطيني الجنسية، ويوسف عقل الياس الشامي الجنسية، فازداد تعجبه وصياحه، واستدعى عميد الدفاع بشير عبيد إلى مذياع القفص، وسأله عن الزمرة ومنفذيتها، فأجابه بشير: سيدي الرئيس، هذة الزمرة ليس لها رقم، ولا انتماء عضوي إلى مديرية أو منفذية، لأني جمعت أعضائها في تلك الليلة بمحض الصدفة، لكي يستنقذوا النقيب شوقي خير الله من مكان توقيفه في ثكنة الفياضية. فتألفت الزمرة للحال وعلى عجل واختارت هي رئيسها وانطلقت إلى مهمتها. فسمّها إذا شئت زمرة سوريا الطبيعية لأن كل واحد منها قادم من كيان مختلف، وليس ينقصهم إلا رفيق عراقي. سمّها زمرة سوريا الطبيعية! فكتب الحسامي التسمية وقد ارتاح من تنسيبها، فتنبه المدعي العام إلى عاقبة التسمية معترضاً، فأبى الحسامي إلا تسميتها كما أراد بشير. وهكذا كانت هذه اللمعة نكتة الجلسة.” 46
ويروي الأمين محمود عبد الخالق: “اعتاد القوميون إبان المحاكمات أن يجيبوا على سؤال من كلفهم بالمهمة، كلفنا عميد الدفاع بشير عبيد، وذات مرة وصل الدور إلى إدغار عبود، وهو طويل القامة، وبعد أن قدم إفادته وتحدث عن المهمة التي كانت موكلة إليه، سأله القاضي الحسامي من كلفك بذلك؟ فأجاب عميد الدفاع، عندها قال الحسامي: أنت الشاب الفارع تخضع لأمر هذا الشاب المربوع القامة؟ والتفت باتجاه بشير وسأله هل تتحمل مسؤولية هذا الكلام؟ فقال له سجل واحد بالزائد أو بالناقص لن يضيرني. وبعد أن أنهى القاضي استجواب بشير سأله ماذا يطلب، (بين الإعدام والمؤبد) فأجابه الحكم العادل، وأضاف على كل حال دبرها بمعرفتك ريس.” 47
تابع عبد الخالق: “أيام السجن عرف القوميون بشير عبيد أكثر، خصوصاً بعد بدء المحاكمات وما أبداه من بطولة ورجولة في تحمل المسؤولية من جهة، ومن جهة ثانية تميز الرجل بسلوكه الملتزم والشجاع أيام السجن.
وضعت إدارة السجن نظاماً يخرج بموجبه المعتقلون بالعشرات من الزنازين لقضاء حاجاتهم مرتين أو ثلاثة خلال النهار، ويتزامن ذلك أحياناً مع خروج بعض قياديي الحزب من سجنهم الانفرادي، وما إن يمر عبد الله سعادة أو بشير عبيد أمام الرفقاء حتى يرفع أحدهما يمينه بالتحية، فينتظم القوميون صفاً ويؤدون التحية، ويسير أحدهما منتصبا أمامهم، وكأنه يستعرض الصف الحزبي في مهرجان، لقد ساهم هذا السلوك في رفع معنويات القوميين الأسرى، بعد ما شهدوه من انهيار بعض المسؤولين وضعفهم وتخاذلهم.
ذات يوم حضر محام من آل الشمالي (والد الشهيد فؤاد الشمالي)، وطلب مقابلة عبد الله سعادة قبل صدور الأحكام بيوم واحد، وفجأة فتح رقيب من آل أبي صعب جميع الزنازين، على غير عادة، فتزاحم الجميع باتجاه الحمامات، وأمام المغاسل اجتمع العشرات من المسؤولين، وبحكم جيرة المستوصف من زنزاناتهم، حيث كنت موقوفاً بسبب التهابات أصابت قدمي، أتيح لي أن أرى وأسمع كل ما حدث وقيل، في تلك اللحظة تقدم بشير من سعادة وسأله: يا حضرة الرئيس ماذا أخبرك الأستاذ الشمالي؟ عندها انتصب عبد الله وجال بنظره على كل الوجوه وقال: بلغوا الجميع، عليكم التماسك، ممنوع الخوف، أو اصفرار السحنة، أو تغير اللون، كلنا سنستقبل الحكم بابتسامة، كتلك التي استقبل فيها سعاده حكم الإعدام، هناك ما يقارب السبعين أو الثمانين إعداماً، بلغوا الجميع أيضاً أن عبد الله سعادة لن يموت وحيداً، بل ستكون رجله “معقيلة” لثلاثة آلاف “عكروت” من هذا البلد، عندها توجه بشير إلى الأسرى بكلام واثق يحملهم على التصرف بصلابة وشجاعة، لأنه خشي من الانهيارات الجماعية ساعة صدور الأحكام.” 48
ترك عميد الدفاع أثراً إيجابياً كبيراً في نفوس الأسرى القوميين، بما زرعه من المحبة في روح كل واحد منهم، “فلم يتعب أو يَكِلَّ ذلك المقاوم اللبق، الذي تحمل المسؤولية بكل ما لديه من قدرة، وبقي صارماً حاسماً واجه القضاة بصوته وتقبل حكم الإعدام بكل شجاعة.” 49
حرٌّ في أسره يشد العزائم والأخلاق شعار
لم تقتصر عملية رفع المعنويات على المواقف البطولية التي اعتاد بشير وقوفها، بل حرص على “كتابة رسائل يوجهها لرفقائه الأسرى في المناسبات والأعياد الحزبية، يحثهم فيها على الصمود والصبر، والاحتمال والتحلي بالقوة والشجاعة في مواجهة قهر السجانين وزبانية المكتب الثاني، كانت هذه الرسائل الموقعة باسم الرفيق بشير عبيد (وليس عميد الدفاع) تتلى في القواويش كما يتلى البريد الحزبي، فتثلج صدور سامعيها، خصوصاً وأنها موجهة من محكوم بالإعدام، يصر على متابعة المسيرة النهضوية.” 50
لم تحل مآسي السجن وحفلات التعذيب ومن ثُمَّ حكم الإعدام، بين بشير وتفكيره بمستقبل بلده، وطموحه للتغيير ولو بعد حين، وهو الذي طالما راهن على الجيل الجديد من الشباب الواعد، وخلال زيارات جوزف السبعلي له في السجن كان “يسمعه كلاماً متفائلاً بالمستقبل، فينصحه بضرورة التفوق في الدراسة، وأن يلتحق بالمدرسة الحربية بعد أن إنهاء دراسته الثانوية، لاعتقاده أنه من خلال الجيش المتزود بالمعرفة يمكننا بناء وطن جديد. لم يكن جوزف راغباً في الحياة العسكرية، وهذا ما استشفه بشير، لذا سأله بعد نيله الشهادة الثانوية، عن نوع الاختصاص الذي اختاره لدراسته الجامعية، فأخبره عن رغبته بدراسة علم الاجتماع أو القانون لدخول سلك المحامين، عندها نصحه بشير بدراسة المحاماة، والتزم الشاب بهذه النصيحة. ما فوَّت بشير فرصة إلا وشدد فيها على ضرورة الالتزام بالعمل الحزبي، والتمسك بالنهضة، لقناعته التامة أن الحزب هو أداة انتصارنا وبه ستنتصر أمتنا.” 51
انهمك بشير بنشر الوعي والتشديد على أهمية الأخلاق والتمسك بالمثل العليا عند كل من زاره في سجنه، وهي قيم نشأ عليها منذ نعومة أظافره، حتى أنه، وهو في العشرينات من عمره، مثَّلَ لسعيد تقي الدين ضميراً يؤنبه بتعامله مع فتاة نرويجية في مغتربه الكولومبي، حيث يقول سعيد: “… وكالعادة إذ أستشعر بشذوذ عن الصراط المستقيم راح الضمير يطاردني، والضمير عادة يتجسد بوجه صديق أو قريب حبيب، وهذه المرة رأيته بوجه بشير عبيد، فم قاس صامت، ووجه أسمر حانق، وعينان تتفرسان ولا تتكلمان، تصفعني تلك العينان، ولكن أَمِنَ الرجولة، أم من الفروسية أن أتخلى عن فتاة غريبة معدمة ضائعة، وأن أفجعها بأمالها بي، ما عليّ إن طربت، ولعبت خلال حياة أكثرها كفاح وشقاء، انصرف يا وجه يا عينان، ولكن الأستاذ بشير عبيد لم ينصرف.” 52
ذات يوم نودي على بشير لمقابلة زائرة، جال السجين بعينيه فلم يجد أحداً يعرفه، عندها قال أنا بشير عبيد من يريد زيارتي، فتقدمت نحو القضبان صبية جميلة خفرة، تروي لاحقاً: “شعرت بالرهبة أمام شخصية ذلك السجين الصلب المتماسك، والعينين الثاقبتين، والنظرات الحادة، سألني إن كنت أعرفه من قبل؟ قلت شاهدتك على شاشة التلفاز بعد اعتقالك قبل عدة سنوات، ثم عرفته بنفسي، هالة خلف سكرتيرة أخيك أسعد، وبصوت منخفض أعلمته أني أحمل له رسالة من شقيقه، تأملني طويلا وسألني: هل أنت سعيدة بالعمل مع أخي؟ أجبته هو إنسان محترم ويحبني كثيرا، عندها قال: “إن شاء الله!” وكأنه يشكك بسلوك أخيه، المعروف بتعدد علاقاته النسوية، وبعد أن سلمته الرسالة بيد مرتجفة وحذر وترقب بعيداً عن أعين الحراس، شكرني وأوصاني بالانتباه لنفسي.
زرته مرة ثانية حاملة له بعض المال، وفي هذه المرة طال الحديث بيننا عن الخاص والعام. شرح لي ضرورة التمسك بالقيم الجميلة التي توفرها النهضة القومية الاجتماعية، وحدثني عن أهمية فكر سعاده في حياة الفرد والأمة، مشدداً أن ليس المهم أن نعرف هذا الفكر وحسب، بل علينا أن نجسده في سلوكنا اليومي، وهذا ما يحصن حياتنا ويجعلنا نذلل كل المصاعب التي تواجهنا.” 53
طالما تفاءل بشير بقيمة الخير في شعبه وراهن على أصالته، ولعل هذا ما جعله يسأل شقيقته عما إذا كان أشقاء زوجها الكتائبيين، لا زالوا يترددون إلى الأردن، ليحملهم رسالة من قيادة الحزب في السجن إلى القيادة الموقتة هناك. أخذت عفيفة الرسالة، وقد قررت أن توصلها بنفسها، فروت ما حدث قائلة: “أخبرت زوجي (جوزف بجاني) برغبتي، فوافق على سفري، وقرر أن يرافقني، بعد أن استعنت بإحدى صديقاتي التي أعارتني هوية أختها، لأتمكن بواسطتها من عبور الحدود من دون مساءلة، وكان علي أن أصل إلى فندق سميراميس، وما إن دخلت صالة الفندق حتى نادى علي موظف الاستقبال، الذي على ما يبدو عرفني، وطلب مني الصعود فوراً إلى الطابق الثاني، حيث اتصلت هاتفياً، من الغرفة التي كانت معدة لنا، بالمسؤولين الحزبيين هناك، وبعد الاتصال جاء الأمين يوسف الأشقر، الذي تمكن ليلة الانقلاب من الفرار إلى الأردن، مع إميل رعد وكامل أبو كامل وعدد آخر من القوميين، وعندما جاء يوسف تفاجأ بوجودي وكأنه ينتظر شخصاً آخر، ثم طلب مني أن أرافقه للقاء القيادة فتبعته، كما أشار علي، بالسير على رصيف مقابل للرصيف الذي يسير عليه، ووصلنا إلى منزل وجدت فيه العديد من الرفقاء وسلمت الرسالة، التي بالطبع، لم أكن أعرف محتواها، وبعد أن اطلعوا على مضمونها، سلموني مغلفاً كبيراً لأوصله إلى المساجين، وبعد أن موهت سفري بالتجوال في أسواق عمان مع زوجي عدنا إلى بيروت.
قصدت المحكمة العسكرية للحصول على إذن زيارة، فباغتني الموظف بسؤاله: أين كنت؟ لقد تخلفت عن الزيارة ثلاثة أيام على غير عادتك! أجبته كان ابني مريضاً، عندها فتح مغلفاً كان يقلبه بين يديه، وقال مؤنباً: أنت أم ومسؤولة عن عائلة، لماذا سافرت إلى الأردن لقد لاحقناك إلى هناك؟ عندها قدمت له سيجارة أردنية وقلت له ذهبت وها أنا رجعت بالسلامة!!! فطلب مني ألّا أعيد هذا التصرف مرة أخرى، ومزق المغلف الذي كان بحوزته، وفيه تقرير من مخبري المكتب الثاني الذين كانوا مكلفين بملاحقتي.
انتهيت من تحقيق المسؤول الأمني وقصدت بشير، كان علي أن أوصل جواب الرسالة إلى السجن، ولكنه مغلف كبير لا يمكن إخفاءه بين ثنايا ملابسي، لذا انتزعت قعر حقيبة الثياب ووضعتها فيها وأعدت تثبيت القعر، ورتبت الثياب فوقها، وأثناء الدخول إلى السجن تبرع أحد الشباب بحمل الحقيبة، التي اهتزت طويلاً بين يديه فانقلب محتواها، وصار المغلف الذي يحوي الرسالة فوق الثياب، حضر بشير إلى المقابلة، وكان العسكري قد فتح الحقيبة وبدا المغلف، ولاحظ بشير أن المغلف صار بيد العسكري، فقال لي: “عفيفة استعملي الحكمة”، فركضت باتجاه الضابط وطلبت منه استعادة المغلف، بحجة أنه رسالة من صديق لي وزوجي يقف إلى جانبي، ولا أرغب بإحداث فضيحة، فاسترجعته بطريقة سريعة قبل أن أسمح له بالتفكير، ووضعته تحت أبطي داخل سترة كنت أرتديها، وأكملت حديثي مع بشير الذي خطف لونه، بينما كنت أرتجف كورقة في مهب الريح، ولم أعدم وسيلة بتسليم المغلف له، ثم أخبرته أني لم أسلم الرسالة إلى أحد بل نقلتها بنفسي إلى الأردن، وكانت ردة فعله الاستهجان والتأنيب، وردد الكلمات عينها التي قالها رجل الأمن: أنت ربة منزل ومسؤولة عن عائلة لماذا تعرضين نفسك للخطر، وهل تعرفين خطورة الأمر الذي قمت به؟! لم أجبه وانتقلت بخفة إلى الحديث بأمر آخر.
في اليوم التالي سألني الضابط إن كان زوجي برفقتي، فأجبت بالنفي، قال بسخرية مبطنة: وهل أحضرت رسالة صديقك معك؟ أدركت عندها أنه لاحظ الخدعة وغض النظر.” 54
وضع بشير حكم الإعدام الصادر بحقه في سلة النسيان، وجاء بعده حكم المؤبد، ومع ذلك “بقي صبوراً صامداً يتصرف بروية وتعقل، فساهم في تخفيف أعباء السجن عن الرفقاء، خصوصاً عبر مشاركته في تقديم الحلقات الإذاعية، التي نظمتها منفذية السجن.” 55 وتصرف وكأنه مقبل على الحياة من جديد، فلم يضيع وقته بالتسلية، بل استفاد من كل دقيقة، يقرأ ويكتب ويعلم الأميّين من رفقائه، وقد تحدثت عفيفة عن عشرات الكتب التي كانت تحضرها له بناء على طلب مسبق، وخلال مدة سجنه كتب بشير العديد من المقالات الأدبية والرسائل النقدية والأبحاث الفكرية نشر البعض منها في ملحق النهار وجريدة الشمس.
وحتى ساعات اللهو كانت تقوم على “تنظيم رحلات خيالية في أرجاء سورية الطبيعية، يضع خلالها بشير رواية عن موقف بطولي، وتبدأ الرحلة باستعراض الأماكن والمواقف ووقفات العز التاريخية، ويتشارك مع رفقاء الزنزانة (شوقي خيرالله ومحمد بعلبكي وذيب كردية) بالاقتراحات والتصحيح والتقييم والنقد حتى تستقيم الصورة.” 56
“وصفت هذه المجموعة من قبل السجانين بالخيانة والعند لأنها كانت تتلهى عن الجوع والعطش، بابتداع رحلات صيد وشواء، إلى المناطق السورية جميعاً.” 57
… مدافعا عن نفسه يتحمل مسؤولية الانقلاب
في محكمة التمييز، كما في كل مواقفه منذ أُسر إلى أن غادر السجن واجه بشير الجلادين والقضاة بكل تماسك ورباطة جأش، وفي كلامه أمام محكمة التمييز لم يدافع عن شخصه بل كان جل همّه الدفاع عن الحزب، وها هو يخاطب القضاة بقوله: “أقف لأشرح لكم الأعمال المادية التي قمت بها والدوافع التي حملتني على ذلك، ولا أتوخى من وراء هذا دفاعاً عن نفسي بل عن القومية الاجتماعية. أنا لم أمثل أمامكم ولم أشترك بالمحاولة بصفتي الشخصية، بل بمسؤوليتي عميداً للدفاع ولا ازدواجية في شخصي. إذ ليس لي من وجود إلا الوجود القومي الاجتماعي، فشرف الحزب شرفي وإيمانه إيماني وكرامته كرامتي وأنا قومي اجتماعي أولاً وآخِراً.
أنا عميد الدفاع أوكل إليّ أمر تنفيذ الانقلاب، وقد قمت به إرضاء لوجداني القومي، وتعبيراً عن إرادة الألوف من رفقائنا وأنصارنا، الذين باسمهم أسندت إليّ قيادة الحزب هذه المهمة.
نعم لقد وافقت على تنفيذ خطة الانقلاب، وها أنا أتحمل المسؤولية إيماناً مني بعقيدة هي كل إيماني وحفاظاً على رجولة تجسد هذه العقيدة، وقد جهدت طيلة شبابي عاملاً لتجسيدها في نفسي ونفوس رفقائي، وأني لأقف اليوم مدركا خطورة الموقف شاعراً بعظم المسؤولية منسجماً مع القيم التي بها آمنت.” 58
وتابع بشير كلمته مفندا قرار الاتهام شارحاً وجهة نظره من كل نقطة وردت فيه، ثم تحدث عن عمدة الدفاع قائلاً: “هي العمدة المسؤولة عن تسليح القوميين بالمناقب والبطولة إلى جانب المعرفة والإيمان، ليدافعوا عن سلامة الوطن وكرامته كلما ادلهمت الخطوب. ولهذا سُمِّيَتْ سابقاً بعمدة الرياضة وعمدة التدريب وقد مارستها بالفعل. وأنه من الأمر الهين أن يتقن الإنسان حمل السلاح وكيفية استعماله، ولكن الصعوبة كل الصعوبة هي في صقل المواهب والمناقب وتَعهُّد النظام والانضباط، إذ ليست القدرة في حمل السلاح بل في الإيمان والإخلاص الذي يوجه هذا السلاح، ونحن ما حملناه مرة إلا مخلصين في خدمة بلادنا وقضيتها.
فالحزب لم يكتفِ بتعليم أعضائه محبة بلادهم مجرد حب نظري أناني بل حباً ناتجاً عن معرفة وإيمان مسؤوليْن .فبلادنا ليست في نظرنا مقبرة أجداد ولا جسر عبور للفاتحين. كما أنها ليست مجرد أرض ننعم بخيراتها ومواردها فحسب، إنها بأرضها وشعبها بما تختزن من جوهر وتراث وتاريخ. وبما يمكن أن تكون عليه من تقدّم وخير وعزّ. إنها بماضيها ومستقبلها تمثّل لنا كل مرامينا الخَيِّرَة ومقاصدنا العليا في الحياة، لذا نبذل الدماء رخيصة للدفاع عنها والذود عن حريتها. نحن منها أتينا ولأجلها نحيا وفي سبيل عزّها نموت.
من هنا كان ولاؤنا لمجتمعنا بكامله لا لطائفة ولا لعائلة ولا لعشيرة دون أخرى. وانطلاقا من النظرة الفلسفية ومن الإيمان القومي والولاء الاجتماعي وعبر مسؤوليتي كعميد للدفاع تعرفت وتحسّست آلام الشعب، كل فئات الشعب، من فقر ومرض وجهل وخوف، من استبداد إقطاعي وتحاقد طائفي.
لقد ندبنا أنفسنا أيها السادة للعمل في صميم الشعب، في تنظيمه ورفع مستواه، ونحن نعتقد مخلصين أن كل ظلم وكل تقهقر وكل فوضى تصيب بلادنا إنما نحن المسؤولون قبل غيرنا عن دفعها وزحزحة كابوسها.” 59
ثم تحدث عن لبنان الذي يريده الحزب: “إنه لبنان الثقة والتحرر، لبنان فخر الدين الذي ثار على استعمار الأتراك متحدياً طغيان السلاطين وجحافل الإنكشارية واثقاً بنفسه منفتحاً على محيطه وعلى العالم.” 60
وختم قائلا: “وإذا كانت مقدمة قرار الاتهام ترى “أن اللبنانيين ارتضوا لبلدهم هذه الأوضاع” (التي كانت قائمة) فنحن ومن نمثل من اللبنانيين ما ارتضينا هذه الأوضاع بل ارتضينا لبنان.
وكان لا بد في سبيل تحقيق هذه الغاية من التوسل بمنع السلطات من ممارسة وظائفها ومشاركة العسكريين في العمل لإقامة قيادة جديدة مستعدة لإعادة حقوق الشعب وحريته إليه.
هذا هو جوهر العمل الذي أقدمنا عليه وكل تهمة ألصقها بنا قرار الاتهام من تهم أخرى، لا أساس لها من الصحة، ولم يقم عليها أي دليل لا من حيث النية ولا من حيث الوقائع.” 61
وبدوره أبلى محامي بشير بدوي أبو ديب بلاء حسنا بالدفاع عن موكله، ومع ذلك لم يتمكن من رفع عقوبة الإعدام عنه، لكن عفيفة لم ترضَ بهذا الحكم وسألت أبو ديب البحث عن أي وسيلة لتخفيف هذه العقوبة، فأشار عليها الاستعانة بالمحامي الفرنسي موريس غارسون، عندها كلفته التواصل معه، وبذلك سافر بو ديب إلى فرنسا وعرض القضية على غارسون الذي قبل بالمهمة، عندها عرضت عفيفة الموضوع على عائلات الموقوفين، اتفق الجميع على الاشتراك بدفع تكاليف إحضار هذا المحامي. 62
“حضر غارسون إلى لبنان، وقبل بالمهمة من دون أي مقابل تقريباً باستثناء نفقات السفر والإقامة ومبلغ زهيد جداً لم يتعد الخمسة آلاف ليرة لبنانية، دفعت لمكتبه في باريس. قابل غارسون السلطات القضائية (…) ووضع دفاعاً خطياً عن المعتقلين وأرسله إلى السلطات المعنية. (…) وبعد بضعة أشهر بعث برسالة إلى الأستاذ بدوي أبوديب يستفهم عمَّ حلّ بالقضية، وعندما أخبره أن حكم الإعدام سارٍ تعجب لهذه المخالفة للقانون والإنسانية”. 63
وقد حاول الحكم الشهابي التقرب من القوميين بشكل غير مباشر في أواخر الستينات، لمواجهة الخصوم الانتخابيين. وفي هذا السياق يروي النقيب عوض: “فيما نحن نتألّم ونعاني الأمرين من تصرّفات السلطة جاء بعض المرشّحين للمقاعد النيابية ليتاجروا بآلامنا. وقد حالوا دون اتّصالنا بأحد من الخارج سوى ذوينا وتحت المراقبة الشديدة. ولم يُسْمَحْ لأحد بزيارتنا زيارة خاصة، ولكن المكتب الثاني رخّص للمرشح الأرثوذكسي عن دائرة المتن الشمالي السيد ميشال المر بأن يقابل زميلنا بشير عبيد ابن بيت شباب مقابلة خاصة من دون حضور أي مراقب. ولقد جاء حضرة المرشح الساعي وراء الوجاهة يطلب من بشير أن يوعز لذويه وللحزب القومي بالاقتراع له، وأنه هو صديق المكتب الثاني، وسيتدبر أمر إبدال حكم الإعدام عنا. وأضاف قائلاً بأن السيف لا يزال فوق رؤوسنا وعلينا إظهار بادرة حسنة تجاه الجماعة عبر الاقتراع له. لكن بشير خذله وطلب منه، إذا كان بالفعل صاحب نفوذ لديهم فعليه أولاً أن يسعى لإبدال الحكم، وبعدها نقترع لمرشحي السلطة. وبالطبع لم تبدل السلطة أي حكم ففشل مرشحها في دائرة المتن.” 64
أبكاه … عفو الخروج إلى الحرية وترك العسكر
خلال شهر شباط من العام 1969 صدر العفو العام عن القوميين الاجتماعيين واستثني العسكريون منهم، وكان هذا العفو قد أخذ الكثير من النقاش بين القيادتين المدنية والعسكرية. ويذكر الأمين عبد الله سعادة أنهم “اجتمعوا إلى العسكريين وطرحوا عليهم السؤال التالي: “هل تفضلون يا رفقاءنا العسكريين أن نرفض العفو العام، ونبقى معكم في الأسر لنحصل على عفو شامل، أم نخرج من الأسر ونعمل من أجل الحصول على عفو عنكم؟” تردد عوض وخير الله في الجواب كثيراً وانبرى علي الحاج حسن يقول: “إن هذا السؤال لا يجوز طرحه علينا، فنحن لسنا أفراداً نتسابق على العفو العام، بل نحن حزب قومي اجتماعي موحد جامع، واجب العضو فيه أن يناضل ويضحي لمصلحة الحزب وليس العكس، إن في خروجكم من الأسر مصلحة حزبية كبيرة، فواجبكم أن تقبلوا لتستأنفوا النضال والعمل، لأن الحزب بحاجة ماسة إليكم، أما نحن فإذا نجحتم في الحصول على العفو عنا كان خيراً، وإن لم تنجحوا كان خيراً.” ولاقى موقف الرفيق الحاج حسن تجاوباً واضحاً عند العسكريين، وانتهت المشكلة عند هذا الحد.” 65
بينما تحدث الأمين إنعام رعد عن عفو خاص ومفاده “أن يشمل أربعة من قياديي الحزب، ومن تبريرات القابلين به أنه يمهد للعفو العام، فبخروج القياديين الأربعة من السجن يمكن إعادة تنظيم الحزب، وبقوة الحزب، يمكن إخراج مئة وخمسين أسيراً، تصدينا لهذا المشروع، وكان في طليعة المتصدين بشير عبيد وإنعام رعد، ومصطفى عز الدين (….) وجاء موضوع العفو العام (ولم يشمل الرفقاء العسكريين) والالتباس الذي حصل حول هذه المسألة أن الحزب كان إزاء خيارين إما رفض المشروع، (…) أو القبول به كما هو، على أمل أن خروج المدنيين من الأسر يمكن أن يسهم في إخراج العسكريين الذين استثنوا من العفو العام.” 66
ويصف الأمين فؤاد عوض لحظة خروج القوميين المدنيين من السجن بقوله: “وقفت وودّعتهم فردًا فردًا وكان إلى جانبي المرحوم علي الحاج حسن. أما الزميل شوقي خيرالله فقد اعتصم في غرفته وقاطع كبار المسؤولين الحزبيّين ولم يغفر لهم قبولهم بالخروج دوننا وبقاءنا في السجن. كنت من رأيه ولكن ما العمل وليس في اليد حيلة. كما أنه قد لان موقفي لخروجهم من دوننا، لأني كنت أعرف حالات البؤس والشقاء في صفوف أعضاء الحزب الصغار. كنت أقول في نفسي هل يجوز أن أطلب إبقاء مئة سجين كي أخرج أنا؟ روح الإنسانية تشدني من جهة والمصلحة السياسية العامة من جهة ثانية، كان قلبي مع خروج الأعضاء الصغار وعقلي ضدّه. التضحيات في الحركات السياسية ضرورية ولكن لم يكن باستطاعتي تقريرها والتخطيط لها.” 67
ويؤكد الأمين شوقي خير الله، على انزعاجه من تصرف قيادة الحزب في السجن ويقول: “يوم العفو ودَّعني الرفقاء الأسرى الخارجون واحداً واحداً وودعتهم بألف دعاء، أما عصبة الأسخريوطي فلم أودع أحداً منهم، ولا قبلت أن يقترب أحدهم من باب الانفراد. وحده بشير عبيد رحت إليه بنفسي، ودعوت له وهو يبكي. تذكروا كيف مات لوحده بدون نجدة أو إسعاف.” 68
بشير الذي لم يضعفه طغيان جلاديه ولا حكم الإعدام، تحمل مرارة الأسر وجور الانفراد، لم يهن يوماً أو يحزن، ولكن لحظة القبول بالعفو عن المدنيين وإبقاء العسكريين من رفقائه قيد الأسر أحزنته، بل أبكته، ولم يقصدهم ليودعهم، بل قصدوه كما يذكر خير الله، وكأنه هو الأسير وهم الأحرار.
خرج بشير من الأسر، “وكانت بيت شباب ومعظم أهالي القرى المجاورة حاضرون لاستقباله، لكنه يمَّم وجهه فوراً شطر مدافن العائلة حيث زار ضريح والدته، من دون أن يسمح لأحد بمرافقته في هذه الزيارة، ثم توجه إلى بيته حيث كانت الحشود تنتظره، فوقف بينهم خطيباً، شاكراً للحضور عاطفتهم النبيلة، وقد قوطعت كلمته بالتصفيق الحاد أكثر من مرة، واستمرت مراسم الاستقبال وتوافد الحشود إلى منزله ما يزيد على أسبوع.” 69
رثى علياً فانتثرت كلماته منارات
عميد الدفاع السابق الذي أبلى بلاء حسناً على كل الأصعدة، نأى بنفسه عن مواقع المسؤولية، التزاماً منه بقرار ضمني اتخذ في سنوات السجن، يقضي بعدم تسلم أي موقع قيادي قبل تقييم المحاولة الانقلابية.
لكن بشير “الفارس والخلوق”، كما يصفه الأمين بهيج أبو غانم “كان يسكنه القلق على الوضع الحزبي، ويبحث عن سبل إصلاح الخلل”، ويتابع أبو غانم: “كنا نلتقي دائما في اجتماعات غير نظامية، يوم كان المجلس الأعلى برئاسة الأمين عصام المحايري، نتباحث في الأوضاع القائمة، وقد التقينا على رؤية مشتركة بالنسبة لسياسية الحزب، وكان بشير ذلك المراقب الجريء في التحليل والنقد وفي الوقت عينه، يتمسك بمؤسسات الحزب، وهي المعادلة التي طالما رفض الإخلال بها.” 70
راهن بشير على أهمية الطلبة الذين رأى فيهم سعاده “نقطة ارتكاز العمل القومي” فكان: “قائداً واعداً يحرص على مسيرة الحزب عموماً، وعلى سلامة الجسم الطلابي خصوصاً. في تلك المرحلة، التي شهدت العديد من التحركات والنشاطات والمظاهرات في الجامعات والثانويات، لاحق بشير قضايا الطلبة بدقة، وقد قال لهم في إحدى المرات: ليس مسموحا ً لهذا الحزب أن يترهل، أو يصل إلى مرحلة الشيخوخة، لذا علينا أن نحرص على جيل الشباب وخصوصاً على الجسم الطلابي فيه. وكان يحث الطلبة على التمسك بالعمل النهضوي والحرص على متابعة تحصيلهم العلمي، ويحرص على أن لا تنكسر شوكتهم.” 71
تابع بشير نشاطه التعبوي الذي لم يعد مقتصراً على منطقة المتن الشمالي، بل انتشر على مدى الوطن، مما جعله قدوة لشباب تلك المرحلة، ففي احتفال تشييع الشهيد علي الحاج حسن، عرَّف بشير المهرجان الخطابي الحاشد، “بصوته الجهوري وجمل تعريفاته الحبلى بالمفاهيم النهضوية والحث على اتخاذ الصلب من المواقف، والرثاء الجميل لرفيق الزمن الصعب، فكانت كلماته تلك تقيم الجمهور ولا تقعده.” كما يذكر الأمين وليد زيتوني. 72
بينما يصف الدكتور علي حمية ذلك اليوم بقوله: “شاهدته وسمعته، لأول مرة، في شمسطار، في غربي بعلبك، كنت يومها مواطناً صديقاً، لم أَنْتَمِ بعد إلى الحزب. حدث ذلك في أواخر نيسان 1970، كانت حشود القوميين الاجتماعيين، ولم يمضِ على خروجهم من الأسر قرابة السنة، تزحف إلى بلدة شمسطار لوداع ابنها وأبن الحزب الملازم الشهيد علي الحاج حسن، الذي شارك في ما دعيت لاحقاً ب “المحاولة الإنقلابية الفاشلة” التي كان بشير، بصفته عميداً للدفاع، أحد قادتها الميدانيين.
كان نهاراً مشمساً، ساطعاً، طويلاً. فجأة، يعتلي المنبر شاب أسمر، في الأربعين من عمره، يقف منتصباً كالرمح، عيناه تلمعان عن بعد، صوته يهدر كعصف البحر في ليل مطير، سألت أحد الحاضرين: من يكون هذا الرجل؟ فأجابني مستغرباً سؤالي: ولو! إنه بشير عبيد، عميد الدفاع. (…)
المنفذيات الحزبية بالعشرات تتقدّم، بانتظام عزّ نظيره، إلى الساحة/الميدان لتأخذ أمكنتها المخصصة لها، أكثر ما لفت انتباه الحضور وفد منفذية الطلبة، كان يضمّ آلافاً من الصبايا والشباب، يحثون الخطى في صفوف رباعية بديعة النظام. (…) وفيما الموكب الجامعي يشق طريقه وسط الحشود، يصل، فجأة، موكب صبري حماده وكان رئيساً للمجلس النيابي في لبنان، ينزل مرافقوه من سياراتهم ليشقوا له الطريق فاعترضتهم عناصر من الانضباط القومي، وكاد يحصل شجار ما لبث أن طوِّق بسرعة، ويتسمّر موكب حماده في مكانه، لدقائق، حتى يؤذن له بالتوجه إلى حيث المقاعد المخصصة للرسميين، في أثناء المشادة الكلامية بين الحرس القومي ومرافقي حماده، يطلع صوت بشير عبيد شاقاً عنان السماء: “يا علي! لقد كنت حرباً على الإقطاع والإقطاعيين. يا علي! وصل الآن معزياً صبري بك حماده”! 73
افتتح بشير المهرجان الخطابي بكلمة تأبينية جاء فيها: ” أيها العلي: ما اجتمعنا اليوم، أهلك ومحبوك ورفقاؤك لنبكيك، فالبكاء حرام في عرس البطولة، ما اجتمعنا اليوم لنندب موتك فأنت لست ميتاً، أنت حيّ في قلوب عشرات الألوف من مواطنيك الذين آمنت بهم، فآمنوا بأنك واحد منهم لا تموت، بل تبقى خالداً ما خلدوا باستمرار أجيالهم (…). سَهْلٌ على المؤمن يا علي أن يموت موت فداء قضية مثلى، يعتبرها أقدس من حياته كفرد. لأنها قضية حياة شعبه وقومه، أرضه، ووطنه. لكنه ليس من السهل أبداً أن يعاشر الموت سنوات كما عاشرتَ في السراديب والظلمات وفي السجون وعلى أسرة الاستطباب.
وياما تذاكرنا في تلك الليالي السود، سنوصي بك الربيع كل ربيع، سنوصي بك الشتاء كل شتاء، سنوصي بك الفصول في أرضنا. نوصيك يا علي من هنا من أرضنا، جحافلنا من هنا مرت من منطقة البقاع.
ومن هنا مرّ الأشوريون والبابليون وغسلوا أقدام انتصاراتهم في البحر، ومن هنا مرت معارك اليرموك لتطرد البيزنطيين إلى الخارج، ومن هنا كرّ صلاح الدين إلى فلسطين.
وغداً يا علي، عندما تزحف الجحافل إلى فلسطين، إلى الأرض الذبيح الجريح رفقاً يا علي بالشهداء الأبطال أوصهم شُدَّ عزائمهم كن لهم منارة ومصباحاً.” 74
خطاب العاصي وعُصاتِهْ مدرسة أجيال…
كان بشير منهمكاً بالهم الحزبي، طامحاً للتغيير ضمن المؤسسة: “في مؤتمر ملكارت كان واحدا من الشباب الذين لديهم ميل للتغير في العمل الحزبي. خطيب بارع، يمتلك قدرة الإقناع، وهو المؤمن بالنهضة حريص على إيصال آرائه بسلاسة. رأى ومعه فئة من الشباب من أمثال جمال فاخوري، داوود باز، رضى خطار، وعارف فياض، أن العمل داخل المؤسسة هو الذي يصلحها، وهو من القيادات ذات الرمزية الخاصة نظرا لشجاعته التي أبداها خلال المحاكمات وطوال فترة السجن.” 75
“تمخض مؤتمر ملكارت عن توصيات منها إلغاء رتبة الأمانة، ووجوب انبثاق السلطة الحزبية ـ في حال قيامهاـ من القاعدة انبثاقاً ديمقراطيا، وتعديل الدستور لتشريع هذا الأمر. كما شددت التوصيات على مجابهة الخطرين الصهيوني والاستعماري، وعلى وجوب توضيح واستكمال نظرة النهضة القومية الاجتماعية في الميدان الفلسفي وخصوصا النظرة المدرحية والإنسان ـــ المجتمع (…) والنقد الذاتي… وشُرِحَتْ هذه العناوين بالتفصيل من قبل لجان متخصصة، جَهدت لوضعها خلال أعمال المؤتمر.
انتخب بناء على نتائج المؤتمر مجلس أعلى ضم مجموعة من الكوادر الشابة. وانتخب المجلس الجديد عبد الله سعادة رئيساً، وما لبث أن طُعن بشرعية انتخابه لقصر الفترة الزمنية التي ينص عليها الدستور. فعاد المجلس وانتخب الأمين يوسف الأشقر.” 76
“سنة 1971 نظمت منفذية الغرب رحلة إلى البقاع، واقترح الأمين محمود عبد الخالق (منفذ عام الغرب في تلك السنة) أن يكون في عدادها كل من عميد الإذاعة أنعام رعد، ورئيس المكتب السياسي عبد الله سعادة، وبشير عبيد.” 77
لم يكن لبشير أي مسؤولية مركزية سوى حضوره البهي وقدرته الخطابية التعبوية المتميزة، فها هو يخاطب القوميين على إحدى ضفتي العاصي بقوله: “أيها العصاة المجتمعون على العاصي، أيها العصاة الثائرون المجتمعون هنا على العاصي الثائر، ما أشبه هذا العاصي بذياك العاصي سعاده، وما أشبهكم أنتم بالعصاة الثائرين المجتمعين على العاصي الثائر الأكبر، وحقاً ما أشبه هذا العاصي بذاك العاصي الكبير. كل الأنهر تسير من الشمال إلى الجنوب إلا هذا العاصي عصى نواميس الطبيعة، كل الزعماء في بلادنا كلهم روح الغرب، روح الجنوب، روح الخارج إلا هذا النهر يختزن ما في جبالنا من تراث الرياح والأمطار والرعود والبروق وكل ما في أساطيرنا هنا في هذه الأرض المخصاب ليدفق بها ويروي هذه السهول التي تمتد حتى انطاكيا. (…)
العاصي سيبقى العاصي، سيبقى يربط لبنان بالشام حتى الاسكندرون، حتى انطاكية، ويدلل بذلك كما دلل العاصي الثائر سعاده: إننا شعب واحد وأرض واحدة وسماء واحدة وسنبقى كذلك لا تعيقنا الحدود والسدود وكل الكيانات المتناقضة. وكما استجمع هذا العاصي كل تراث أرضنا وسمائنا، أساطيرنا وتقاليدنا، قصائدنا وليالي الغزل تحت أشجارنا. كذلك جمع سعاده تراث أمتنا وفجره في النهضة: يناعاً وقوة ووجداناً! وسيبقى سعاده وستبقون أنتم، أنتم العصاة تلامذة العاصي الكبير وستبقون أنتم تخصبون هذا الشعب ولو كابر المكابرون. ما أشبهكم بهذا العاصي: تصوروا لو أنّ مياه العاصي تفرقت آلاف ومئات الآلاف من النقاط لتبعثرت لتشتتت لتبخرت في الشمس ولما أعطت ثماراً طيبة هنية شهية، وتصوروا، تصوروا القوميين الاجتماعيين كل واحد منهم نقطة ماء يجتمعون كلهم في جدول، في نهر في ينبوع أزلي من الإيمان والخصب والدفق وينطلقون ويزرعون الأرض، يحطمون السدود لا يهابون الشمس لا يخافون الرعود لا يخافون السجون، ينطلقون قوميون اجتماعيون بعصمات مشدودة إلى بعضها بعضاً، بانسجام وإيمان وزخم وقوة، ليرووا شعبنا بالخصب وأرضنا باليناع الا بورك العاصي الكبير، الثائر سعاده، وبورك هذا العاصي الطبيعي الكبير الثائر دائماً، وبوركتم أنتم العصاة تلامذة سعاده الكبير وأبناء هذا العصر.” (…)
وأنهى خطابه بالقول: ” نحن ثوار ونحن عصاة، نحن تلامذة هذا العاصي وذاك العاصي وسنبقى نثور وسنبقى ندفق وسنبقى نعطي إلى أن تخصّب هذه الأرض، من هنا إلى آخر حدودنا ويخصّب هذا الشعب ويستفيق حتى آخر مواطن من مواطنينا، وعند ذاك سيدفق العاصي خيراً خصباً كريماً إلى آخر الحدود وسيباركنا العاصي الثائر الكبير سعاده، ويقول لنا بوركتم بوركت أرضكم ومياهكم وبوركت سماؤكم ولكم المجد ولكم العزة .” 78
قرأ الدكتور علي حمية في وقفة بشير وصداها فقال: “أنهى كلامه فارتفعت عاصفة من الهتافات والتصفيق الحاد، أهذا الكلام(…) كلام أديب أم كلام عميد الدفاع؟ من يوقع مقالاته باسم “صنين” هو كاتب أم مقلعجي، يكتب بالقلم أم بالسكين ومداد قلمه أسود أم دم أحمر؟” 79
“شكلت رحلة البقاع مفترقاً، واعتبرت المشاركة المركزية فيها “نوعاً من التفرد من قبل جزء من مجلس العمد، وكأن الرحلة نظمت من دون علم السلطة. في مرحلة شهدت السلطة الحزبية تجاذبات عديدة، وصلت (…) إلى حدِّ صدور قرار عن رئيس الحزب يوسف الأشقر بإقالة عدد من أعضاء مجلس العمد، وأعد الأشقر مطالعة ضمنها نقداً لنهج معين، ليلقيها في اجتماع هيئات المنفذيات (…) بحضور رئيس المجلس الأعلى الأمين عصام المحايري، وقد أعلن الأخير في ذلك الاجتماع أن المجلس الأعلى أقال رئيس الحزب. (…) وهكذا دخل الحزب إلى كهف الأزمات الحزبية الواضحة. (…) وبدأت حركة احتجاج داخلي عرفت ب “التنظيم السري” التي كان رئيسها ومرشدها الدكتور عبد الله سعادة.” 80
“تداعى الرفقاء الملتزمون بخط مقررات مؤتمر “ملكارت” إلى لقاءات عديدة (…) وتزايد عدد المتحاورين حتى شمل نسبة كبيرة من الذين مارسوا سلطات قيادية في الحزب، ومن قيادات الفروع.” 81
البعيد عن “المحاور” رئيساً للمجلس الأعلى
“نأى بشير بنفسه عن هذه الحركة وهو صاحب الدور المتميز في مؤتمر ملكارت وبقي على تمسكه بمؤسسات الحزب، ومع ذلك بقي على وفاق مع الدكتور سعادة.” 82
في هذا الوقت جرت انتخابات المجلس القومي، وانتخب عارف فياض رئيساً له وفؤاد كبول ناموساً، ثم عقد المؤتمر الحزبي في فندق برنتانيا، وخلال المؤتمر سمى ياسين عبد الرحيم، المناوئ لأركان التنظيم السري، لائحة لانتخابات المجلس الأعلى ومن ضمنها كان بشير عبيد وعارف فياض وعصام المحايري، ورامز صباغ وعاصم الداعوق وداوود باز ورضا خطار… وسواهم، وفازت تلك اللائحة، التي بدورها انتخبت بشير رئيساً للمجلس الأعلى.” 83
انتخب ذلك المجلس الأمين أسد الأشقر رئيساً للحزب، “لكن الأمور لم تستقم بل استمرت التجاذبات التي أدت بالرئيس أسد إلى تقديم استقالته، لينتخب بعده الأمين يوسف رئيساً الذي لم تتجاوز فترة رئاسته الثلاثة أشهر، فقد قدم استقالته، ثم حاول العودة عنها لكن المجلس الأعلى حزم أمره وقبل الاستقالة. وانتخب الدكتور عبد الله سعادة رئيساً، سبق ذلك قيام ما عُرِفَ بحركة المنفذين العامين، وكان شرط وقف التحرك استقالة سعادة وتشكيل لجنة رئاسية ثلاثية. “رفع سعادة استقالته إلى المجلس الأعلى فوافق عليها، وعلى الحل القاضي بتشكيل لجنة رئاسية قوامها الرفقاء: مصطفى عز الدين، الياس جرجي، وحافظ سليم لقيادة الحزب وتأمين وحدته، على أن تكون قراراتها بالإجماع، ولكن هذه اللجنة لم تعمر طويلاً، (…) وحصل الانقسام حيث شكل الفريق المتمرد مؤسساته الحزبية كاملة، فيما انتخب المجلس الأعلى الرفيق إنعام رعد رئيسا للحزب”. 84
“عاصر بشير أكثر من رئيس للحزب ومنهم عبد الله سعادة وإنعام رعد، وفي كل المراحل التي وجد فيها كان بشير المحرك والدينامو للإدارة الحزبية، وطموحه الحزب أن ينتشر في مختلف المناطق، كما يؤكد الأمين حافظ الصايغ، وهو شكل بالفعل حالة حزبية متميزة ومتقدمة في منطقة المتن بشكل خاص، فكان اسماً ومناضلاً، نشر وعياً قومياً اجتماعياً في منطقة المتن الشمالي، متحديا الظروف القاسية التي كان يمر بها لبنان، والتي كانت تحاول بث النزعة الطائفية والمذهبية، فهذا الماروني من منطقة الجبل، حمل مشعل أنطون سعاده وشكل رافعة للنهضة في منطقة الجبل، والعديد العديد من أبناء المتن الشمالي الذين انتسبوا للحركة انتسبوا بسبب الألق الذي خلقه بشير عبيد في منطقتهم. لم يحاول بشير يوماً أن يخلق لنفسه محوراً خاصاً داخل الحزب مع أنه لو فعل لوجد حوله الكثيرين ممن أُخذوا بشخصيته القيادية، فهو من المؤمنين بأهمية المؤسسات، وكان متمسكاً بها تمسكه بإيمانه العقائدي.
عندما مرَّ الحزب بالعديد من الأزمات الداخلية وخصوصاً عند انتشار حال الفئوية والمحاور، تحاشى بشير خوض غمار هذه السياسة، لأنه رأى أن الفئوية في الحزب قاتلة والانقسامات مميتة، وأن انحيازه إلى جهة معينة داخل الحزب، في ظل الصراعات التي كانت قائمة يسيء إليه، وإلى صلابة موقفه الإيماني، ومع أن هناك من صنَّف بشير في خانة فريق عبد الله سعادة، فقد رفض فكرة التنظيم السري، حرصاً منه على المؤسسات الحزبية، فلا تنظيم سري ولا سواه تَمكن من حرف بشير عن أهمية الالتزام. لقد شكل عبد الله سعادة حالة اعتراضية في الحزب، لكن هذه الحالة شلت العمل من دون أن تنشئ حالة أخرى، وحركة الأفراد الكوادر الذين مشوا في هذا المسار لم تستمر طويلاً، بل عاد جميعهم إلى الحزب وتولى بعضهم المسؤوليات العليا فيه.” 85
المراجع
1ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ط أولى، 1987 ص: 71
2ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، مؤسسة إنعام رعد الفكرية، ط أولى، 2002، ص 89
3 ـ المصدر السابق ص: 91 و98
4 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 64 و65
5 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة ص: 105
6 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 72
7 ـ من مقابلة الأمين سليمان الصايغ، ت: 01/05/2017
8 ـ جريدة البناء العدد 680، ت: 26/10/1960، كما تخلل ذلك المهرجان كلمة باسم أهالي البلدة ألقاها هنري غالب الأشقر، وألقى كل من الرفيقين طانيوس فرحات بجاني وأسعد عبدالله صوما قصيدة شعر قومية. واختتم المهرجان بخطاب رئيس الحزب عبد الله سعادة.
9 ـ من مقابلتي الرفيقين أنطون أكزم ت: 22/02/2017، ومقابلة وهيب بو صعب ت: 30/02/2017
10 ـ المصدر السابق
11 ـ المصدر السابق
12 ـ المصدر السابق
13 ـ النشرة الحزبية الرسمية تشرين أول 1961
14 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخير ـ البناء العدد 229 ت: 5/1/1980
15 ـ من مقابلتي الأمين أسعد خباز ت: 22/3/2017، والأمين سليمان الصايغ ت: 1/5/2017
16ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، (خيانة رياض درويش) ص: 106و107و108
17 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخيرـ البناء
18 ـ عبد الوهاب التركماني، رحلة العمر، الطبعة الأولى، 2007، ص: 137و 138
19 ـ من مقابلة الأمين جوزيف سبعلي
20 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخيرـ البناء، العدد 229
21 ـ من مقابلة الأمين ميشال خوري ت: 01/12/2016
22 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ط أولى 1973، ص: 189
23 ـ المصدر السابق، ص: 189
24 ـ المصدر السابق، ص: 193 و197
25 ـ المصدر السابق ص: 206 و ديب كردية، قسمي وصيتي، ط الأولى 2007 ص: 62
26 ـ بشير عبيد، مقالات ومواقف، ص: 249
27 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق
28 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ص: 208 وص: 199و 200و201
29 ـ من ملفات المحكمة العسكرية
30 ـ من مقابلة عفيفة عبيد وحديث أسعد عبيد مع مجلة صباح الخير
31 ـ من ملفات المحكمة العسكرية
32 ـ من مقابلة عفيفة عبيد
33 ـ من ملفات المحكمة العسكرية
34 ـ حديث أسعد عبيد مع مجلة صباح الخير
35 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي
36 ـ من مشاركة الدكتور ميلاد سبعلي بندوة “جمعية حق وخير وجمال”
37 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي
38 ـ جريدة النهار، 16 شباط 1962
39 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي
40 ـ من مقابلة عفيفة عبيد
41 ـ المصدر السابق
42 ـ المصدر السابق
43 ـ إنعام رعد الكلمات الأخيرة، ص: 129
44 ـ من مقابلة الأمين ميشال خوري
45 ـ من مقابلة الأمين رضا كبريت، ت: 24/12/2016
46 ـ شوقي خير الله، سراديب النور ص: 236 و237
47 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق، ت: 10/12/2016
48 ـ المصدر السابق
59 ـ فايز حلاوي، يوميات مناضل، دار ومكتبة التراث الأدبي،2010، ص: 69 و70
50 ـ من مقابلة سليمان الصايغ
51 ـ من مقابلة جوزف سبعلي
52 ـ سعيد تقي الدين، أنا والتنين يوميات في كولومبيا، دار النهار للنشر، 1970، ص: 19
53 ـ من مقابلة هالة خلف عبيد، 15/01/2017
54 ـ من مقابلة عفيفة عبيد
55 ـ من مقالة الأمين جبران جريج “بطاقة حزبية”
56 ـ مذكرات شوقي خير الله، دار الجديد، 1990، ط: أولى ص: 613
57 ـ شوقي خير الله، قصة الحزب، 2008، ط: أولى، ص: 181
58 ـ من ملفات المحكمة العسكرية، أيضا بشيرعبيد، أراء ومواقف ص:248 وحتى 257 نشرت مرافعته كاملة
59 ـ المصدر السابق
60 ـ المصدر السابق
61 ـ المصدر السابق
62 ـ من مقابلة عفيفة عبيد
63 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة ص: 290
64 ـ المصدر السابق 288
65 ـ عبدالله سعادة، أوراق قومية، ص: 213
66 ـ انعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 143
67 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ص: 294
68 ـ مذكرات شوقي خير الله عن دار الجديد سنة 1990، ص: 642
69 ـ من مقابلة عفيفة عبيد ومقابلة يوسف غصوب
70 ـ من مقابلة الأمين بهيج أبو غانم، ت: 01/03/2017
71 ـ من مقابلة الرفيق غسان أبو حمد، ت: 04/02/2017
72 ـ من مقابلة الأمين وليد زيتوني، ت:19/03/2017
73 ـ من مشاركة الدكتور علي حمية في “ندوة جمعية حق وخير وجمال” ت: 23/3/2017
74ـ خطاب بشير عبيد المنشور في جريدة برمانا، 21 نيسان 1970
75 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق
76 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 234 حتى 241 توصيات مؤتمر ملكارت
77 ـ المصدر السابق، ص: 167 و168 و169
78 ـ من خطاب بشير عبيد في رحلة 4 نيسان 1971 إلى البقاع، نشرت في 17 نيسان في مجلة البناء، ص: 12 و13
79 ـ من مشاركة الدكتور علي حمية في “ندوة جمعية حق وخير وجمال”
80 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص 169 و170
81 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص:229
82 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق
83 ـ من مقابلة الأمين عارف فياض، ت: 18/12/2016
84 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص:262
85 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ، ت: 27/02/201