تحية واهداء

 

لازمتني فكرة تأليف كتاب عن الشهيد بشير عبيد ومسيرته في الحزب لعقدين من الزمن. فنحن نشأنا على تقدير عالٍ للشهيد بشير، بسبب قرب والدي الرفيق فارس منه، حيث كانت قصص نضاله ومواقفه وفروسيته ومبدئيته واستشهاده تتكرر عند كل مفصل كنموذج لما يجب أن يكون عليه رجال النهضة الحقيقيين.

فاتحت عدد كبير من المشتغلين في مجال التأليف والتأريخ من أبناء النهضة، فكانوا يستهيبون المهمة، في ظل ندرة المصادر والمعلومات، وغياب معظم معاصريه، خاصة وأن القيمين على كتابة تاريخ الحزب لم يجدوا ما يكتبوه عنه. الى أن تعرفت منذ سنة على الرفيقة زهرة حمود، التي عاصرت بشير في مرحلة السبعينات، وهي مثلي ومثل الكثير من القوميين تعتبر أن الشهيد بشير لم يعطَ حقه، الى درجة أن الجيل الجديد في النهضة بالكاد يعرف شيئاً عنه. فمنذ صارحتها بالفكرة، اقتحمت المضمار بتصميم وعزم نادرين، وقامت بمجهودات جبارة لمطاردة كل معلومة وكل شخص عرف بشير أو عرف شيئاً عنه، وقامت بصبر وتؤدة وحكمة بالعديد من المقابلات والأبحاث، بشغف الباحثين وحماس المناضلين وتألق المبدعين، الى أن أنجزت هذا العمل الرائع. وقد كان التواصل معها سواء مباشرة من خلال لقاءات متعددة في بيروت أو من خلال التواصل الالكتروني والهاتفي اليومي على مدى سنة كاملة، تجربة محيية تبعث على تعميق الإيمان وتجدده بعظمة هذه النهضة وبالقيم التي زرعتها في أبنائها الصالحين. فلها مني ومن عائلة الشهيد بشير وأبناء النهضة ألف تحية.

وكان للرفيقة عفيفة بجاني، شقيقة الشهيد بشير ووالدة الشهيدة ناهية، الدور الأكبر في تحفيز القائمين على هذا العمل وفي تقديم الكثير من الدعم المعنوي والتوجيه والمحبة. فكانت بحق، نموذجاً للرفيقة والمرشدة وأخت الرجال والأم الحنون. فلها ايضاً كل التقدير والمحبة والاحترام…

هذا الكتاب يعيد طرح سيرة الشهيد بشير بشكل مكثف وشيق، ويضعها بين أيدي أجيالنا الجديدة، كنموذج لتلامذة سعادة القادة، الذين لم يساوموا على المبادئ والقيم والعقلية الأخلاقية النظامية المبدعة… لذلك لا بد أن نهديه الى هذه الأجيال التي هي أمل ومستقبل النهضة والأمة.

كما نهديه الى روح بشير وكمال وناهية، والى كل شهداء النهضة الأبرار…

وأخيراً، تحية الى روح زعيمنا الخالد، الذي أسس هذه المدرسة العظيمة، وعهد لنا منه أن لا نألو جهداً لتوحيد الحزب وإعادته الى دوره الرائد والمؤثر في تقرير مستقبل شعبنا وأمتنا وقيادته نحو الوحدة والنهوض، برغم المآسي والصعوبات… مرددين مع بشير: عز السواقي أنها تقنى فدى النهر العميق!

الدكتور ميلاد السبعلي

 

تمهيد وشكر

Image may contain: Zahra Hammoud                   

يوم كلفني الدكتور ميلاد السبعلي بجمع معلومات عن الشهيد بشير عبيد، والبحث عن كتابات له ليست موجودة في ذلك الكتاب الذي وُضِع بعد استشهاده، تحت عنوان ” بشير عبيد مقالات ومواقف 1975ـ 1980″ أبديت حماسة منقطعة النظير؛ أولا لمعرفتي الشخصية بالرجل ومحبتي له، ولحضوره البهي في أزمنة الظلمة، ولقناعتي به قائداً نهضوياً متميزاً، أعطى كل ما يملك للأمة حتى الدماء التي تجري في عروقه.

وثانياً لأنه قدوة أجيال لم يأخذ حقه حتى من أقرب المقربين، وخلال بحثي في مؤلفات من كتب من فعاليات الحزب لم أجد ما يشفي غليلي، بل لعله غاب عن خاطر العديد ممن عاصروه.

في بداية الأمر أحسست بعبء المسؤولية، وراودتني الخشية من صعوبة البحث عن ما يتعلق بمن استُشْهِد منذ سبعة وثلاثين عاماً.

لكن لا بأس من السعي، بدأت بإجراء المقابلات مع شقيقته وأقربائه ورفقائه ومن عاصره من وطنيين لبنانيين وفلسطينيين.

سألت عن أصدقاء الطفولة، وجدت بعضهم، وجلُّهم رحل عن هذه الدنيا.

رحت أقلب صحف زمانه في أرشيفيْ مكتبة الجامعة الأميركية، وجريدة النهار، وعلى الرغم من أهمية ما وجدته من مقالات وأبحاث كتبها بشير أيام السجن، فقد نقصني الكثير.

واصلت البحث عن أي معلومة مهما كانت بعيدة المنال، حتى وصَّف  الدكتور السبعلي عملي: “كمن يبحث عن إبرة في كومة قش”. لكن حظيت بأرشيف حزبي غني يخصّ أصحاب مؤسسة الفرات للنشر والتوزيع، وتفرَّغ معي الرفيق مروان أبو جودة، وبشكل شبه يومي ما يزيد على الشهرين، نبحث في ما توفر لديه، أو في ما تمكن من الحصول عليه من رفقائه ومعارفه، فوجدنا القصة القصيرة، والخطاب المنسي، أو ذلك الذي ما زالت الأجيال تتذاكره. لذا أتقدم بعميق الشكر من الرفيق مروان أبو جودة على جهوده الصادقة، كما أشكر الرفيقين مي الأعور ونضال أبو كامل على مساعدتهما بالطباعة تصوير المستندات ولكل من مدّ لي يد المساعدة، وهم كثر، من رفقاء وأصدقاء وصديقات.

جمعت المادة وحررتها، قرأها الدكتور السبعلي فصلاً فصلاً، ثم النص الكامل مثنى وثلاثاً… شدد على ضرورة الالتزام بالموضوعية، كَبَحَ جِماح تدفق عاطفتي الشخصية تجاه بشير، حرص على دقة التوثيق، وشدد على اختيار المصطلحات، فأفضى على عملي جمالية وعمقاً.

لا يسعني أمام كل جهوده إلا أن أتقدم منه بخالص الشكر والامتنان، لتبنيه هذا العمل، وإشرافه على أدق تفاصيله، وتحمله لأعباء لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

وهكذا أبصر هذا الكتاب النور ليكون زاداً لأجيال ولدت وأخرى لم تولد بعد.

زهرة حمود

الفصل الأول: النشأة، الالتزام.. تحمل المسؤوليات

ولادة ورعاية  

أقبل على الحياة في منزل متواضع من منازل بيت شباب الحجرية المتوجة بالقرميد، والمحروسة بعدد لا يستهان به من الكنائس تترافق دقات أجراسها مع زقزقة البلابل والعصافر المستوطنة أشجار الصنوبر والشربين المتناثرة فوق تلالها الليِّنة في مواجهة صرامة هيبة صنين المطل عليها بشموخ يكاد يقبل صفحة السماء.

مع انبلاج فجر الخامس من شهر أيار عام 1933، انتهى مخاض زينة سبعلي بسماع صرخة جنينها الأولى، وابتسم زوجها خليل في الخارج وهو يسمع “الداية” تعلن جنس المولود، الابن الثالث للعائلة، بعد أن سبقه أسعد وعفيفة، وتلته سعاد آخر العنقود.

 هو بشير الذي “حظي منذ لحظات حياته الأولى بمكانة مميزة لدى أفراد العائلة، فوالدته التي تعلقت به ما توانت قط عن تلبية طلباته كلها، وشقيقته عفيفة أولته جلّ اهتمامها.

نشأ الصبي على محبة أبويه وإخوته واحترامهم، إلا أنه كان يحفظ لأمه منزلة خاصة ويكنّ لها حبًّا جمًّا، وهي بدورها بادلته الحب وبذلت في رعايته طاقتها، بحيث كادت فرادة مكانته عندها توحي كما لو أنها لم تنجب سواه.

توسمت فيه أخته عفيفة علامات النباهة التي ظهرت في سن مبكرة جدًّا؛ من سرعة استيعابٍ وفهمٍ لما يجري من حوله، إلى نطقه السليم للكلمات، وسهولة تركيبه لجمل صحيحة، الأمر الذي شجع أبويه ليلحقاه بمدرسة النهضة للصبيان وهو بعد في الثالثة من العمر تقريباً.

في المدرسة، أُعجِب أساتذته بذكائه وحسن سلوكه وتهذيبه، فأولوه كل اهتمام، وهو الذي نشأ على تربية بيتية صارمة وإن كانت مفعمة بالمحبة والحنان؛ الأم ترعى العائلة، والأب يذهب إلى أعماله باكراً، ويعود بعد أن يخلد أولاده إلى النوم.”1

“منذ بداية عهده بالمدرسة هو من الأوائل في صفه، وإذا شعر بأنه قد تراجع في إحدى المواد المقرّرة، ينتابه الحزن والقهر، فينأى بنفسه عن الناس وينعزل محاولاً التغلب على قهره وتجاوز الفشل، الذي لطالما استقبحه ورفضه.” 2

 وبذلك ما انفك يبلي بلاءً حسناً في المدرسة ويتفوق على زملائه. “شجع ذكاؤه الملفت إدارة المدرسة لترفيعه صفّاً، حدث ذلك مرتين في سنة دراسية واحدة، وهذا ألقى على عاتقه مسؤولية مضاعفة، خصوصاً أن شخصيته اتسمت منذ طفولته بالسعي نحو التميز والقيادة.

عاد يوماً إلى البيت، وهو في العاشرة من عمره، أنهى دروسه وتناول طعام العشاء، جلس ينتظر عودة والده من العمل، طلبت منه أمه أن يذهب إلى سريره، لكنه أصر على انتظار عودة أبيه، وحالما وصل احتضنه بشير وقبله وطلب منه خروفاً صغيراً، وبعد جدل طويل وأخذ ورد رضخت العائلة لطلب ابنها، بشراء خروف من قطيع البلدة.

حضَّر الأب للحمل الصغير مكاناً دافئاً في زاوية مدخل الدار، وتحول الركن محجة بشير اليومية، بعد أن ينهي واجباته المدرسية.

ذات يوم وبينما كان الصبي في المدرسة، أخرجت أمه الخروف من حظيرته الصغيرة ليرعى العشب، لكنه ذهب بعيداً، وظن أهل البيت أنه شرد ولن يعود.

ثم ما لبث أن تبين أن الخروف يمّم مدرسة بشير ودخل الصف، محدثاً هرجاً ومرجاً بين التلاميذ، وإذ أبدى المعلم استياءه، تصرّف بشير بحنكة خفّفت من حدة الموقف، وألانت قلب المعلم، فالخروف تبعه من تلقاء نفسه، والحادثة لا تستحق أن تثير الغضب. ثم قاد الحمل إلى جوار مقعده، وأشار له بالجلوس أرضاً، فقبع المسكين منزوياً بين المقعد والجدار لا يأتي بحركة حتى نهاية الدوام، وسط دهشة الجميع، لكن دهشة الأهل كانت أعظم عندما عاد بشير مصطحباً معه الخروف.

مرّٓت الأيام وغدا الحمل كبشاً، عندئذ قررت العائلة التخلص منه. حزن الصبي حزناً شديداً، وبكى بكاءً مراً عندما شاهد صديقه بين يدي الجزار، ورفض أن يشارك العائلة في تناول لحمه.

نشأ والطبيعة على إلفة تامة، فترعرعا معا، حبا على أرضها رضيعاً، أحبها وأحبته، تبادلا العشق، باتت ملعب طفولته وصباه المبكر، عرفته شوارع وأزقة وأحراش بيت شباب، تسلق الأشجار المعمّرة، قصدها في الفرص المدرسية مع الأصدقاء، تسلقوا الأشجار، لعبوا “الاستغماية” أو “الغميضة” تخفى عن أترابه، خلف جذوعها وبين أوراق أغصانها الوارفة، مارس هواية الصيد بالنقيفة صغيراً، وببندقية أم حبة ومن ثمَّ بندقية خرطوش شاباً، أغرم بشير بطبيعة المتن الشمالي، وعشق أحراشه وأشجاره المُعمرة.

أولع الصغير بلعبتي “البلبل (الخدروف) والكلل (الكرات البلورية)”، حيث يعود مساءً وجيوبه ملآى بالبلورات الصغيرة، ليؤكد لأمه الحريصة على أمانته، أنه ربحها أثناء اللعب.

كما تمرس بصنع قوافل السيارات، من علب السردين وأغطية القناني الفارغة والخيطان، فنظم الأسفار إلى البلاد البعيدة، مقتدياً بوالده الذي يمتلك شركة نقل فيها عدد من السيارات الصغيرة والكبيرة، تنقل المواطنين إلى العاصمة وبلدات الجوار. كان بشير وأخوته ينتظرون عودة السائقين في المساء لتسليم غلة النهار إلى الوالد، فيوزع عليهم مصروفهم الذي يبددونه بالطبع على ملاذ طفولتهم. أما بشير فكان يخبئ قروشه في قجة، يفتحها لشراء ما يستهويه من الكتب حيناً، وأحياناً يتركها للمناسبات والأعياد لِيشتري بها الهدايا والحلوى ويوزعها على أخوته.” 3

وعلى قدر ما سمح تفتح الوعي المبكر لديه، عاش الصبي المرهف الأحاسيس، يفكر كيف يستطيع التخفيف من معاناة المعوزين من أترابه. “فيطلب من والدته أحياناً تحضير العديد من السندويشات ليتقاسمها مع بعض أصدقائه في المدرسة، وأحياناً أخرى يقدم حذاءً لزميل، أو بعضاً من ملابسه لزملاء آخرين، ويحرص على احترام مشاعرهم، متحاشياً التعاطي مع أولئك الذين يتعالون بما يمتلكونه من مقدرات وثراء. فكانت هذه الخصال رفيقته على مدى عمره القصير.

إضافة إلى سلوكه الدافئ الذي جعله محبوبا من كل من عرفه، تمتع بشير بصوت جميل وأذن موسيقية حساسة، فوقف في التاسعة من عمره على مذبح الكنيسة يرتل التسابيح والصلوات، مما حمل كاهن البلدة، الذي أحبه وأعجب برخامة صوته وقدرته على الخدمة الإيمانية، على اصطحابه اليومي إلى القداس في الصباح الباكر. وما إن يدق الكاهن بنقرات خفيفة على بوابة الدار، حتى يهب بشير من توِّه واقفاً، ملبياً وجاهزاً للذهاب معه إلى الكنيسة.” 4

 

وطن النجوم أنا هنا…

لم تكن شوارع وأزقة وأحراش بيت شباب ملعب طفولة بشير وصباه فقط؛ بل اتسع ليصل إلى مطارح قرية والدته، “المياسة التي كانت نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي قرية صغيرة، ومن النادر أن تجد فيها من يقرأ ويكتب، إلا أن خال بشير يوسف مخايل السبعلي كان من أولئك النادرين، ينتظره أهل القرية في الأماسي ليغرفوا من بحر معرفته، سِيَر الأبطال وحكايا انتصاراتهم، ويطّلعون على تاريخ عوائل البلدة والمنطقة، فالسهرة لا تعمر إلا بوجود يوسف مخايل. كان بشير يستمتع بحكايا يوسف ويصغي لها بكل انتباه. لذا كان يسعد برفقة والدته في زياراتها إلى بيت جده، يقطع برفقتها الدروب الزراعية، يتأمل الأشجار العتيقة يستمتع بجمال الطبيعة البكر، وصوت خرير مياه الينابيع، تنساب سَلِسَة لتروي جنى عمر الفلاحين، فيتحد صوتها بحفيف الأغصان وزقزقة العصافير سمفونية كأنه يقول: “وطن النجوم أنا هنا…” ، فيحمله بساط الدهشة متلهفاً للوصول إلى دار الجد، ليشارك زوار البيت في الاستماع إلى ما يرويه الخال ، يتابع أدق التفاصيل، ويستوقف الراوي بسؤال هنا، واستيضاح هناك، وفي اللحظة الحرجة، كان الخال، متّبعاً اُسلوب الحكواتي، يترك البطل في مأزق ويتوقف عن الكلام، واعداً المتابعة في اللقاء المقبل.” 5

“أولى الخال يوسف ابن أخته اليافع اهتماماً خاصاً، عندما أكتشف فيه نباهة وحساً أدبياً متميزاً، فعمل على تنمية مواهبه، فكان يطلب منه اعتلاء طاولة مركونة في زاوية الدار، كانت فيما مضى جذع شجرة تين جافة، ويستمع إليه بحرص شديد وهو يتلو ما حفظه من قصائد شعرية في المدرسة، مردداً: أخطب يا بشير أخطب، وما إن ينتهي الفتى من تلاوة القصيدة أو المقطع الأدبي الذي يحفظه، حتى يبدي خاله كل الإعجاب، مستحسناً ومشجعاً له بالتصفيق والثناء على حسن الإلقاء.” 6

في زمن لم ينفَح طِيبُ نعمة التطور بلدات المنطقة، ولا عُرفت فيها بعد رفاهية الكهرباء، لم تكن طفولة بشير خالية من متاعب الحياة، وكان عليه أن يكافح مع أخيه أسعد من أجل المساهمة في تسيير شؤون العائلة، وهو بالكاد يبلغ الثانية عشرة من عمره، “فيقطع المنحدرات سيراً على الأقدام مع أخيه، ويقضي الساعات يُجمِّع الحطب اللازم لخبز البيت وتدفئته، وعلى الرغم من عوده الطري، كان يحمل رزمة منه تساوي رزمة أخيه الذي يكبره 8 سنوات”. 7

إضافة إلى نباهته ووعيه تمتع الصبي بشعور إنساني مرهف، وحس عامر بالمحبة والتسامح، وهذا ما حمله على تجاوز أخطاء الآخرين ومساعدتهم، في حال ضعفهم. ففي واحدة من رحلاته لجمع الحطب بصحبة شقيقه أسعد، وفي طريق عودتهما إلى البيت، بعد أن جمعا ما يمكنهما حمله، “صادفا رجلاً عجوزاً بينه وبين العائلة خلاف قديم. كان هذا الرجل جالساً يسند ظهره إلى جذع شجرة، وقد بدت على وجهه علامات الاعياء والتعب، تابع أسعد طريقه من دون أن يلتفت لحال العجوز المتعب، بينما استمهله بشير قائلاً: تعال نساعد (فلاناً…)، لا يجوز أن نتركه على هذه الحالة، غير أن أسعد واصل السير ولم يجب، فتقدم بشير من الرجل وأعانه على النهوض والسير إلى أن أوصله إلى عين ماء تدعى عين السقيلة، وبعد أن ساعده في غسل وجهه واطمأن إلى استقرار حاله، عاد إلى الحقل وأحضر رزمة حطبه ورزمة حطب العجوز.

بسخط وغضب أخبر أسعد أمه أن بشير ارتكب خطأ بمد يد المعونة إلى خصم العائلة، لكن الصبي تأمله بهدوء وقال: “عيب عليك يا أسعد، ما عندك إنسانية؟ عقليتك لهالدرجة رجعية ومتحجرة؟!” 7

إن هذه الحادثة تدل على ما تمتع به بشير من حس إنساني، حمله على مساعدة الضعيف حتى ولو كان خصماً للعائلة.

وبقدر حرصه على مساعدة الضعفاء، كان عنيفاً إزاء أي شكل من أشكال القهر، لذلك فُطِرَ على مقاومة الاحتلال ورفض أي نوع من أنواع الاستعمار، وقد آلمه أن يشغل الفرنسيون منزلاً تملكه العائلة في إنطلياس، حولوه إلى صيدلية عسكرية، فراح يلح على وجوب طردهم، ويجادل والده بشكل يومي حتى وصل به الأمر إلى اقتراح تفجير البيت فوق رؤوسهم! وكان يعلل اقتراحه هذا بالقول: “لا يجوز حماية وإيواء جيش أجنبي ينتدبنا ويستعبد حريتنا!” 8

 

كاهن… في كنيسة أو في رحاب النهضة

واظب بشير على الخدمة الكنيسة، ولامست روحه نسائم الإيمان الديني، حتى أنه فكر في دخول سلك الكهنوت، تزامن ذلك مع بداية  إلمامه  بالدعوة القومية الاجتماعية، تحدثه شقيقته الرفيقة عفيفة عن المعاني النهضوية التي جاءت بها تلك الدعوة، “متخذاً السرية وسيلة يتحاشي بها ممانعة والدته لهذا الأمر، فقد شغف الفتى بالاطلاع والمعرفة، وراح يقرأ كل ما يقع بيده من كتب ومنشورات بكل تأنٍ. وهكذا تفتحت في براعم وعيه مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي، منذ ذلك الوقت المبكر، ومثلت له أخته المرشدة والقدوة، والتي رأت فيه ذلك المتمرد الصّلب، الذي يرفض حتى الاعتذار لأم كانت الأثيرة على فؤاده، لأن قصاصها له على خطأ ارتكبه، وهو في الثامنة من عمره،  كان إجباره على الركوع ووجهه إلى الحائط، وقد آلمه هذا النوع من القصاص، ورأى فيه انتقاصاً لكرامته، حاول أسعد وعفيفة التوسط لدى الوالدة لتفرج عنه، فكان شرطها أن يعتذر، لكنه أصر بشدة، وفضل المكوث حيث هو، إلى أن عاد والده مساء، وعمل على تبديد سوء الفهم بين الولد وأمه. وتَرُدُّ عفيفة هذا الموقف لقوة شخصية بشير، واعتزازه بكرامته.” 9

تابع قراءة ما توفر له من كتابات عن الحزب، لكنه بقي مواظباً على الذهاب إلى الكنيسة، وممارسة الطقوس الدينية، وراوح وعيه بين العقيدة الدينية والقومية، حتى أنه فكر بالالتزام الديني ــ كما مرَّ سابقاًــ.

“كان في الخامسة عشرة من عمره، يوم سمع بشير أن أنطون سعاده موجود في بيت جورج مصروعة، عندها هرب من المدرسة مع بعض زملائه ليروا الزعيم، الرجل الذي كان بعض تلامذته في القرية يتحدثون عنه كأنما هو نبي أكثر منه قائد حزب سياسي، وهو، أي بشير، سيروي فيما بعد للأمين عبدالله قبرصي أنه كان مأخوذاً بالإيمان الديني، يعد نفسه للكهنوت دون أن يتخذ قراراً حاسماً في الأمر، ها هو وجهاً لوجه مع أنطون سعاده. تهيب لكنه أقدم: “أريد حضرة الزعيم أن أطرح عليك سؤالاً، ما رأيك بالله، بالدين؟” شرح سعاده بكل بساطة وأبوية نظرته. أما بشير فقد كان مضطرباً. سمع ولم يفهم كثيراً.” 10

ويروي بشير هذه الحادثة فيما بعد بقوله: ” أنا شاب من بيت شباب، كنت أقرأ لأنطون سعاده ثم تعرفت إليه وكنت رجلاً دينياً واعداً نفسي أن أصبح كاهناً، وناقشت الزعيم سعاده في الناحية الدينية من عقيدة الحزب فأقنعني بأن الفراغ الروحي هو المدمّر للإنسان.” 11

المسيحي المؤمن أصغر فتيان الحزب في بيت شباب، راح بعد لقائه سعاده يتعمق أكثر في البحث عن المعرفة، يقرأ ما يتوفر له من كتابات حول الفكر القومي، ويتابع منشورات الحزب، “يقتصد من مصروفه الشخصي لشراء الكتب، ويطالب أهله بشراء المزيد منها، وعندما يعز الشراء يقصد بيت دكتور من البلدة لديه مكتبة غنية بمحتواها.. يطلب منه استعارة بعضها، وبذلك تسنى له قراءة معظم ما حوته تلك المكتبة العامرة، وتنوعت بوساطتها مصادر المعرفة عنده.” 12

لكن الاهتمام الحزبي والمطالعة لم يشغلاه عن التفوق في دراسته، بل على العكس أعطياه دفعا أكبر للاهتمام بها، فأنهى المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، ونال الشهادة الرسمية فيهما. “وقد حاز احتراماً وتقديراً كبيرين في المدرسة بين الأساتذة والطلاب، وإذا قال كلمة يقول الجميع قال بشير، كان “فلتة زمانه”، على حد قول وصف زملاء الدراسة، لا يعلى عليه في مختلف المواد وخصوصاً في اللغة العربية التي أحبها، وأتقن استعمالها.” 13

في نهاية المرحلة الثانوية، كان من أكثر الطلاب حرصاً على النجاح، فتقدم إلى الامتحان الرسمي، ويوم إعلان النتيجة “ذهب برفقة أربعة من زملائه إلى الأونيسكو للإطلاع عليها، ولما دخل الليل ولم تظهر النتيجة، قرر الزملاء العودة إلى بيت شباب، لكنه بقي وحده ينتظرها؛ (ولم يكن يعلم أنه سيكون له صولات وجولات في ساحات هذا المكان يوم سيواجه قضاة المحكمة العسكرية، بعد المحاولة الانقلابية). وهكذا، كان الفائز الوحيد من بين زملائه، عندما ظهرت النتائج بعيد منتصف الليل.

طار على متن فرحته بسيارة أجرة أوصلته إلى ساحة انطلياس. هناك تعذر عليه إيجاد وسيلة نقل ثانية في هذا الوقت المتأخر؛ فامتطى نجاحه وصعد التلال إلى بيت شباب سيراً على الأقدام؛ كان منهكاً، بالطبع، حين وصوله مع طلوع الفجر، ليجد جميع أفراد العائلة بانتظاره وقد انتابهم القلق الشديد، فأطلعهم على النتيجة وأوصاهم بالتكتم وعدم إعلان خبر نجاحه، إلى ان يعرف زملاؤه نتائجهم، وذلك حرصاً على مشاعرهم.” 14

 

ابن النهضة المنهمك بالحياة

تزامن نيل بشير للشهادة الثانوية مع إعلان أنطون سعاده قيام الثورة السورية القومية الاجتماعية الأولى، فراح يتابع الأخبار بلهفة وقلق. ويوم سمع باستشهاد الزعيم تلقى الخبر بحزن كبير، فانزوى عن الأهل معتصماً بصمت طويل، وعزل نفسه لأيام وأعاد قراءة ما توفر له من كتابات المعلم، وقرر نتيجة ذلك الالتزام بالعمل الحزبي انتصاراً لدم سعاده. 15

ويروي بشير فيما بعد وأثناء محاكمته إثر المحاولة الانقلابية هذه الحقيقة، رداً على سؤال المحقق في جلسة استجوابه بتاريخ 20/3/1963: “عام 1949 كنت ذاهباً إلى بيروت لأخذ نتيجة شهادتي وكان وقتها مصرع الزعيم، فهزني مصرعه، وكنت أقرأ مبادئ الحزب فاعتنقت المبدأ القومي الاجتماعي”. 16

عرفت النهضة القومية الاجتماعية طريقها إلى العديد من أبناء بيت شباب قبل بشير، “منهم ميشال فضول وجورج مصروعة، ولكن بشير كان أكثرهم نشاطاً وحيوية في متابعة العمل النهضوي”، كما يذكر جاره ورفيق طفولته المحامي اللامع إميل بجاني، الذي أكد أن “بشير الشاب والإنسان صاحب الروح الجميلة والحيوي النشيط، انغمس في العمل الحزبي باندفاع وحماس منقطعَيْ النظير، حتى أنه نشر العقيدة بين أبناء جيله، فهو من أقنع معظم شباب البلدة بفكر سعاده ودفعهم للانتماء إلى الحزب، وعلى الرغم من وجود قوميين في البلدة انتموا قبل بشير لكنهم لم يتمتعوا بالحيوية والاندفاع مثل بشير، تواصل مع كل شاب على حدة يحاوره بأسلوب مقنع، وهو المتمكن من العقيدة والمتعمق في فهمها ونشرها، لقد كان الشاب مُبَشِّرا بكل ما في الكلمة من معنى”. 17

ويتحدث مختار بيت شباب الرفيق أسعد غصوب عن تلك المرحلة بقوله: “كنا صغاراً، وقد وعينا على طلعة بشير الصاروخية كان “قبضاي”، محبوباً صاحب حضور متميز، نشطاً في العمل الحزبي الإذاعي، حضر معظم أبناء بيت شباب الحلقات التي قدمها، وكانت الحلقة الواحدة تضم العشرات من الشباب، يحدثهم بأسلوبه السهل العميق، وكلامه المقنع، لقد تشرّب العقيدة القومية في وقت مبكر من عمره، وعلى يده انتمى معظم من تابع عمله الإذاعي وأنا منهم، وفي إحدى الفترات عُيِّنتُ مديراً لمديرية بيت شباب.” 18

“قرر بشير أن يكمل دراسته الجامعية في مجال الأدب العربي، لكن الظروف لم تكن لصالحه حيث بدأ يتعثر عمل والده، ما اضطره للبحث عن فرصة تمكنه من المساعدة في إعالة الأسرة، وهكذا دخل سلك التعليم وعين أستاذاً في مدرسة راهبات قرية عين الخروبة، (وهي مجاورة لقرية والدته المياسة)، استأجر غرفة صغيرة تأويه خلال أيام التدريس، وفي العطل يتنقل بين بلدته ومقر عمله سيراً على الأقدام، لا تتعبه حقيبة ملابسه، ولا أواني زوادة الطعام. لم تعقه مشقة العيش عن التزود بالمعرفة، والعمل على نشر مبادئ العقيدة بين طلابه، غير عابئ بالمضايقات التي حاصرت عمل القوميين بعد استشهاد سعاده، وصدور قرار بحل الحزب عام 1949.”

شبَّ الفتى وازادت مسؤولياته العائلية والحزبية، ومع ذلك حرص على أن يجد الوقت للتمتع بزيارة الأهل والأقارب في قرية أمه، والتي اعتمد أهلها، زمن بساطة العيش، على خيرات أرضهم، من زراعة الحبوب والخضار وأشجار الفاكهة إلى تربية الدواجن. يتفقد بشير سكان بيوتها القليلة المتواضعة، يصغي إلى من يشتكي له هموم الحياة وأعبائها، وصعوبة تأمين حاجات الأولاد، فيعمد إلى التخفيف عنه وينصحه بأن “لا يعبأ بثياب أولاده المرقعة ولا بأحذيتهم القديمة، بل عليه أن يحافظ على صحتهم وإطعامهم وتعليمهم، ويشدد على أهمية التعليم، فالعلم عنده سلاح المستقبل الجيد.” 19

لم تستهوِ مهنة التعليم بشير طويلاً، فتركها بعد عامين، وحاول متابعة تحصيله العلمي، ولكن الظروف عاكسته مرة أخرى، والتحق بوظيفة في وزارة البريد بوساطة من المحامي إميل لحود الذي كان صديقاً للعائلة. 20

 انطلق بشير في نضاله داخل صفوف الحزب. “يتثقف خلال مطالعاته ومناقشاته مع الآخرين، ويثقف الشباب في الحلقات الإذاعية، هو بركان عمل وإنتاج يمشي ليلاً كاملاً مسافات طويلة يذوق فيها كل أنواع القهر والتعب المضني. يقطع الفصول، الصيف والشتاء، في العواصف وعلى الثلج، كل ذلك من أجل حلقة إذاعية أو محاورة مجموعة من الشباب. كان يسير على قدميه من صنين إلى بيت شباب إلى أنطلياس ويعود فجراً لينام ساعات قليلة قبل أن يعاود نشاطه في اليوم التالي.” 21

ترافقت تلك المرحلة مع تولي بشير للمسؤوليات الحزبية، فقد تدرج فيها من مذيع لمديرية بيت شباب إلى مدير لتلك المديرية، ولعل إخلاصه وجهده المتواصل أهّلاه إلى تحمل مسؤوليات على نطاق أوسع، إذ عُيِّن ناظرا للتدريب في منفذية المتن منتصف الخمسينات، مع المنفذ العام إميل رعد، ثم منفذاً عاماً أواخر الـعام 1957، وقد تنكب مهامه بكل جدية وكفاءة، حيث قام في العامين 1956 و1957 بدور كبير في تنظيم المخيمات التي أقيمت للقوميين القادمين من الشام، وقد أولى هذه المخيمات اهتماماً خاصاً، “حيث كان مركز المنفذية في بيت شباب مسؤولاً عن تموين المخيمات، وفيه مطبخ يقوم بإعداد الطعام لعناصره.” 22

“حرص على تنظيم المخيمات وتوحيد ملابس الموجودين فيها، فكلف شقيقته الرفيقة عفيفة بحياكة كنزات صوفية رصاصية اللون يعتلي صدرها علم الزوبعة.” 23

 

قدوة الأجيال … يقتدي بالرجال

“كان بشير في تلك الفترة معجباً وقريباً، من عميد الدفاع الشهيد غسان جْديدْ وعميد الإذاعة الرفيق سعيد تقي الدين، اللذين طالما أمضيا أياماً في منزله في بيت شباب أيام مطاردة أجهزة عبد الحميد السراج لهما. ويوم قتل عدنان المالكي في دمشق سنة 1955، لجأت قيادة الحزب إلى بيروت، واتخذ رئيسه جورج عبد المسيح من المتن مقراً سرياً له وبالتحديد في منزل الأمين أسد الأشقر في ديك المحدي، فرتب هذا المقر على بشير موجبات جديدة هي المحافظة على سلامة رئيس الحزب ومقره والقيادة الحزبية التي كانت على اتصال شبه يومي به، ولم تقتصر هذه الإقامة على أشهر بل امتدت إلى أكثر من سنة، على ما ذكر الأمين جبران جريج، الذي يخاطب بشير بعد استشهاده واصفاً حضوره في تلك المرحلة بالقول: “كنت مثالاً وقدوة في الانضباط والحس بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقك، في السهر الدؤوب ليل نهار، غير سائل عن راحة النوم في الليل، أو عن انتظام النهار، فكان النهار والليل متصلين، لا فرق عندك بينهما، فالمسؤولية مسؤولية وعليك أداءها على أكمل ما يرام.” هذا الحضور اليومي بالقرب من عبد المسيح أكسب بشير طباع التصلب والقسوة، على حد قول الأمين شوقي خيرالله. (فيما بعد ويوم اعتقل بشير بعد المحاولة الانقلابية، اتصل عبد المسيح بعفيفة وأعرب عن استعداده لتقديم أي مساعدة لبشير والعائلة).” 24

التزم بشير بالعمل الحزبي وتمسك بنظام المؤسسات، وبينما هو في قمة نشاطه يعمل على التوعية ونشر العقيدة، شهد الحزب بداية الخلافات الداخلية، وعن مخاض تلك المرحلة يروي أياد موصللي:” مرة جاءنا خبر يقول أن الأمين عبدالله قبرصي قال إن الزعيم في المحكمة قبيل إعدامه أنكر صلته بثورة الحزب عام 1949.. وهذا أمر لا ينطبق على مواقف سعاده ولا إلى الحقيقة كلياً. فغضبت وقلت لمن كان موجوداً وأذكر منهم سهيل مسابكي وحسن مخلوف وبشير عبيد وعادل جمال: سأذهب إلى مكتب الأمين عبدالله قبرصي وأواجهه… فقال بشير سأذهب معك. وكذلك فعل الآخرون. قصدنا مكتبه الكائن في شارع بشارة الخوري، ولما دخلنا استقبلنا بابتسامته المعهودة مرحباً، ومستغرباً زيارتنا الجماعية.. تقدم بشير عبيد أمامي ووضع يده على المكتب ووجه الكلام للأمين عبدالله قائلاً: هل صحيح أنك قلت أن الزعيم أنكر ثورة الحزب وعلاقته بها اثناء المحاكمة؟.. ورد الأمين عبدالله فوراً: هذا قول لا أقبل أن يقال على لساني، وشجاعة الزعيم لا تمس، ثم انتصب واقفا وقد تملكه الغضب، وهنا صاح بشير: يحيا سعاده.. وصافحنا الامين عبدالله وقبلناه وخرجنا.” 25

التزم الشاب المؤمن بتنفيذ قرارات السلطة الحزبية العليا من دون اعتراض، وكان عضوا في المجموعة التي نفذت قرارات الحزب العليا، فقد اتخذ المجلس الأعلى قراراً بطرد جورج عبد المسيح، “طلب رئيس المجلس الاعلى عبد الله قبرصي من رئيس الحزب أسد الأشقر أن يبلغ عبد المسيح بالقرار، فكلف الأشقر منفذية المتن الشمالي بأن تقوم بهذه المهمة الحزبية، فنفذتها الهيئة التي كان فيها إميل رعد منفذاً عاماَ وإدمون كنعان ومنصور عازار وسليمان كتاني وبشير عبيد أعضاء”. 26

لم يقتصر نشاط بشير على العمل الإذاعي والتثقيفي، الذي أوصل خلال توليه مسؤولية المنفذ العام، بعد الأمين إميل رعد، عدد الرفقاء العاملين في منفذية المتن أواخر الخمسينات إلى ما يزيد عن الألف عضو، بل نفذ كل مهمة أوكلت إليه من دون أي تردد أو حذر، خاصة يوم تولى مسؤولية ناظر تدريب، “ففي العام 1956 كان جبران الأطرش ينقل السلاح من ضهور الشوير إلى الضبية، ومنها إلى منطقة الشياح في بيروت لنقلها إلى فلسطين، وفي إحدى المرات أحبطت العملية، نُقل السلاح وخُزِّن في منزل بشير في بيت شباب.” 27

كان له دور أساس في تنظيم حملة الانتخابات النيابية في المتن الشمالي سنة 1957،” بين فريقين الكتائبي والكتلوي، استدعاه الأمين جبران جريج بحكم مسؤوليته المركزية لتدارس الموقف ووضع خطة للعمل وفي ختام اللقاء قال له جريج: بانتصارنا في هذه المعركة الانتخابية نكون قد حققنا ثأرنا “للجميزة”، ثأرنا لدم الزعيم. وكان جوابه المفعم ثقة بالنفس والاعتداد: سنثأر وسننتصر.” 28

كما روى أياد موصللي أن بشير طلب منه المساعدة في المجال الإعلامي للحملة، التي أدت إلى فوز رئيس الحزب أسد الأشقر وكامل اللائحة المؤلفة من سليم لحود وألبير مخيبر بمواجهة موريس الجميل ولائحته.” 29. وبذلك ثأر بشير لزعيمه وانتصر لحزبه.

يذكر موصللي أنه: “يوم توفي عام 1957 الرفيق شاهين شاهين في بكفيا وتوجهت مع ناظر التدريب في المتن الرفيق بشير عبيد بسيارته وإلى جانبه عميد الدفاع فضل الله بو منصور – وكنت حينها ناظراً للإذاعة في منفذية بيروت – إلى بكفيا لحضور مأتم الرفيق شاهين. وكان رئيس الحزب أسد الأشقر يقف على درج الكنيسة في بحرصاف ويقف أمامه غسان تويني والمطران صفير وألبير مخيبر وسليم لحود وبيار الجميل وأعداد كبيرة.. ووراء بيار الجميل يقف عدد من القوميين بينهم بشير عبيد.

“بدأ رئيس الحزب إلقاء كلمة عن المناسبة، وإذ بصوت يصرخ: أذكر لبنان أولاً… وتابع بسيلٍ من الشتائم من النوع السوقي المنحط والرخيص، وكان مصدر الصوت بيار الجميل. حدث هرج ومرج وتراكض القوميون نحو صاحب الصوت، وتراكض الكتائبيون لحماية رئيسهم، وكنت واقفاً بقرب الأمين أسد.. صرخت بالرفيق بشير عبيد وكنت أعرف أنه يحمل مسدساً: “بشير.. أقتله.. قوصو.” وطلبت من حارس رئيس الحزب وهو الرفيق عبد الرحمن عبد الرحيم شقيق يونس عبد الرحيم أن يطلق النار على بيار الجميل فرفض.. بعد مدة سألت بشير عبيد لماذا تركت بيار الجميل ولم تقتله وأنت تقف قريباً منه.. فقال: وهل أصبحنا عصابة.. إن نظامنا وتعليماتنا الحزبية تمنع علينا هذا التصرف بحق أي مواطن ولو أساء إلينا.” 30

 

أَشَدُّ مِرَاساً…. (1958)

“تولى بشير مسؤولية ناظر تدريب في منفذية المتن الشمالي مع المنفذ العام الأمين إميل رعد في 1955، وعمل مع عميد الدفاع غسان جديد. وبعد استشهاد العميد غسان جديد في 1957، عمل عن قرب مع عميد الدفاع الجديد فضل الله أبو منصور. وعند اندلاع حرب العام 1958 قام بدور كبير فيها، حيث رفد جبهات القتال بالسلاح والمقاتلين، وقد أصبح منفذاً عاماً للمتن، مما عزز علاقته مع الرفقاء والضباط والعسكريين، خصوصاً القادة الشاميين منهم، مما مهد لتسلمه مهام عميد الدفاع فيما بعد وهو في السابعة والعشرين من العمر.” 31

مع بداية أحداث 1958 كان بشير في ضهور الشوير مع قوة عسكرية كبيرة، وهو قال في محكمة الاستئناف بعد الانقلاب:” لقد كان لي شرف قيادة ألف قومي اجتماعي عام 1958، ولقد تعرضت للموت أكثر من مرة…” 32

كلف بشير، يوم ذاك، شقيقته عفيفة “بتولي أمر توزيع السلاح الذي كان مُخزَّنا تحت بيت أهله، وذلك بموجب أمر صرف يأتي به عبد الوهاب التركماني من بشير المنفذ العام. ” 33

متابعة يوميات المعركة وانهماكه بالشأن العسكري لم يغيِّب عن باله أمر الحفاظ على معنويات المواطنين والقوميين على حد سواء. “خلال تلك الأحداث شهدت قرية المياسة إشكالاً، وجه خلاله الكتائبيون تهديدا مباشراً لوالد قريبه وصديقه فارس السبعلي، ميلاد، وهو الرجل الذي يكن له بشير حباً كبيراً، وما إن سمع بما حدث في المياسة، حتى قصدها على الفور مع عدد من القوميين، ونادى على ميلاد من الشارع ليسمع كل الناس ما يقوله، وعندما أطل الرجل قال له بشير: “هذه عدة بواريد، تضعها في البيت، وكل واحد بيتطلع فيك عن بعد 100 متر، بتقوصه وبتمسحها بهالذقن”. وكان لهذا الموقف ولمتابعة بشير تطور شباب القرية أثر طيب، أدى مع الوقت إلى تعاطف كبير مع الحزب في منطقة مارونية محسوبة سياسياً على الكتائب.”  34

كان على بشير متابعة سير المعارك وتأمين ونقل السلاح للمجموعات القومية الموجودة على الأرض. يذكر أياد موصلي في هذا المجال أن: “بشير اتصل بي إبان أحداث 1958 وكان المسؤول عن منطقة المتن التي كان يقودها عسكرياً عميد الدفاع فضل الله أبو منصور يعاونه بشير عبيد وصبحي أبو عبيد وعدد من الرفقاء، وطلب مني تأمين إيصال أسلحة إلى القوميين في منطقة فرن الشباك.. ذهبت إلى ديك المحدي وحملنا الاسلحة في صندوق سيارة وتوجهنا إلى فرن الشباك وكان معنا الرفيق انطون رزق الله وحنا دميان”.. 35

كما يذكر الرفيق أنور فهد عن معركة شملان في عام 1958: “… وفي اليوم التالي، حضر الرفيق بشير عبيد (منفذ عام المتن) فأبلغني بأن الرفيق جميل سماحة هو عريس ولم يمضِ على عرسه إلا بضعة أيام. وقد ترك عروسه والتحق بالمخيم. وسألني فيما إذا كان بالإمكان إعفاؤه؟ ناديت الرفيق جميل وطلبت إليه الصعود إلى السيارة حيث نقلته إلى بيته في الخنشارة رغماً عنه، ثم عدت، وفي طريقي إلى “شملان” توقفت عند محل الرفيق يوسف الريّس في عاليه بقصد شراء بعض الحاجيات للمخيم.

دعاني الرفيق يوسف لتناول فنجان قهوة، وأثناء ذلك كنا نتبادل الحديث حيث مضى بعض الوقت، ثم واصلت طريقي إلى “شملان”. عند دخولي إلى غرفة القيادة جلست أستريح قليلاً، فوجدت خوذة موضوعة على الطاولة التي كانت أمامي. رفعتها ووضعتها على رأسي فشعرت بشيء بارد قد سال على وجهي، مددت يدي لمسحه فإذا به دماً قانياً. وبحركة دهشة واستغراب سألت ما هذا؟

أجابني الرفيق فوزي فرج الله، بأنه دم الرفيق جميل سماحة.

قلت له: ولكنني أوصلته إلى بيته في الخنشارة.

قال: نعم لقد عاد وترك عروسه ليؤدي ضريبة الدم. كيف لا والشهيد سماحة قد آمن بأن الدماء التي تجري في عروقنا هي من الأمة وللأمة، وهي وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها”. 36

لعلَّ هذه الحادثة تلقي الضوء على مدى حرص بشير الإنساني ورأفته برفقائه المقاتلين في المراحل كافة. من العام 1958 إلى الانقلاب إلى مرحلة السبعينات، حيث رفض إرسال أحد الرفقاء إلى الجبهات الأمامية لأنه في اليوم السابق رأى كيف كانت أمه تتضرع لله ان يحميه. 37

يذكر الرفيق أسعد عبيد “عند تسلم الأمين بشير مسؤولية منفذ عام في المتن الشمالي، اكتسبت ممارساته الحزبية والنضالية خبرة عميقة ونسبة أكبر من النضج في المسؤولية. واتضحت ميزات قدرته القيادية في تحمل المسؤولية الإدارية الأولى في إحدى مناطق جبل لبنان، وقد مارسها بشير بقساوة وعدل، ذلك لأنه تقيد دائماً بالنظام واعتبر الانضباطية من ركائز البناء العقائدي السليم. وقد توصل مرة إلى اقتراح طرد شقيقه من الحزب، لا لشيء إلاّ لأنه يلهو احياناً كثيرة ولا يعمل بالأخلاقية التي لا يقبل أن تشوه أو تحور. فهو يعتبر أنه لا يحق له، أي أسعد، أن يكون في صفوف النهضة القومية الاجتماعية. ولا عجب بذلك. فبشير شديد الحرص على ممارسة مناقبيته الحزبية داخل البيت وخارجه بكل انسجام وقناعة (…). لم ينم بشير ليلة كاملة، أحياناً، كان يتابع كل صغيرة وكبيرة، وأثناء أحداث سنة 1958، وبينما كان عائداً إلى البيت في إحدى الليالي، لاحظ وسط تجمع للقوميين كانوا يقومون بالحراسة سيجارة مشتعلة في ظلام الليل المعبأ بالتوتر والخطر. فاقترب منهم وطلب من صاحب السيجارة أن يتقدم منه، ثم عاقبه بصرامة لعدم تقيده بالأصول العسكرية في ظروف طارئة. تدل هذه الحادثة على مدى حرص بشير وتنبهه لسلامة رفقائه، هو ذلك القائد النظامي الرهيب! الذي اكتسب الخبرة في القيادة وازدادت شخصيته قوة وجذرية. من هنا تسلم مسؤولية عمدة الدفاع في المرحلة التالية.” 38

وفي هذا السياق يصفه أياد موصللي بقوله: “لبشير موقعه المتميز في الحزب، صاحب شخصية موزونة قبضاي، متحمس، جريء، عقلاني، صريح وصادق، هو سيف الحزب وترسه في الدفاع عن موقع الحزب، وهو خوري كنيسة العقيدة.” 39

بينما يقول الأمين علي غندور، عضو المكتب السياسي وقتها عن تلك المرحلة: ” في الخمسينات شكل بشير حالة حزبية متميزة في منطقة المتن الشمالي التي يوليها القوميون عادة اهتماماً خاصاً، وقد نشطت المديريات التابعة لتلك المنفذية على يده لما تمتع به من قدرة على الإقناع، مكنته من حمل القوميين على الالتزام بالعمل الحزبي بكل ما لديهم من طاقة، وحيث وُجِدَ بشير صاحب الشخصية الجدية الصارمة، غاب الترهل والتقاعس، وحضر العطاء والإنتاج المتميز.” 40

أبلى بشير بلاء حسنا خلال أحداث 58، وهو مارس البطولة بكل أبعادها بشهادة من رافق تلك المرحلة، ولكن بانتهاء تلك الأحداث عاد لبنان إلى ما هو عليه، تتقاسم طوائفه المواقع وتأخذ بزمام البلد بما يتوافق مع أهوائها ومصالحها.

لقد هزت خيبة أحداث 1958 وجدان القوميين الاجتماعيين، وحمل الموقف الخاطئ الذي اتخذته قيادة الحزب بالانخراط بها، العديد من الأمناء والرفقاء على ترك العمل الحزبي ويذكر الأمين منصور عازار أن “منهم الأمين أديب قدورة الذي حاول جاهداً إقناع القيادة بخطأ الاتجاه الذي انتهجته، كذلك سعيد تقي الدين، فكانت نتيجة موقف الأخير إبعاده عن كل المسؤوليات، وذلك لسوء علاقته برئيس الحزب الأمين أسد الأشقر. عاش (سعيد) أياما صعبة جداً، خلال تلك الأحداث، فهو يائس من وضع الحزب وعلاقاته السياسية.”  ويضيف عازار: “توطدت صداقة عميقة بين سعيد وبشير عبيد، لذا أولى الأخير صديقه الاهتمام الذي يستحق، في وقت لم يعد يجد سعيد حوله أي معين أو صديق أو رفيق إلا قلة قليلة من الرفقاء المحبين، ومنهم بشير(…) قرر الرجل السفر نهائياً من لبنان فباع أغراضه، وفرق الباقي على أصحابه، وكان نصيب بشير ونصيبي دزينة من ربطات العنق، وقال لنا “اذكروني عندما تلبسان واحدة منها.” 41

واصل بشير التزامه بالعمل الحزبي النظامي، ورأى  “أن معركة الـعام 58 لم تؤد إلى أية نتيجة تخدم مصالح الأمة وقضيتها”. وسيرى فيما بعد “أن الحزب دخل الحرب بخيرة من كوادره فكان القدوة العلمانية المشرفة في بلد تجتاحه العصبيات الطائفية وتفعل فعلها! وهو الذي امتلك كوادر عسكرية على مستوى راقٍ من الخبرة والمعرفة والتدريب لم تكن موجودة في أي فئة أخرى”. 42

“لقد قدم الحزب يومها كوكبة من خيرة مقاتليه شهداء، وخصوصاً خلال معركة شملان التي شكلت قمة الصراع الذي دار في تلك الحرب، كما يصفها الأمين إنعام رعد، فقد استمرت ما يقارب الخمسة أيام. حشد فيها الحزب قواه من البقاع والجبل، وانتصر فيها، لكن ما إن انتهت الأحداث حتى تشكل نوع من الشعور بأن نكسة معنوية بدأت تطال الحزب، على الرغم من الإنجاز العسكري الكبير الذي حققه القوميون الاجتماعيون، ويعلل رعد مرد هذا الشعور “إلى المردود السياسي السلبي لهذه المعركة، وبدأ بعض أعضاء القيادة الحزبية يشعرون بشيء من المرارة والريب، ناجمين عن موقف السلطة (اللبنانية) خلال المعركة وبعدها.” 43

ويتساءل رعد: “لماذا كل هذه التضحيات؟ في معركة شملان سقط لنا 5 أو 6 شهداء بقذيفة قيل أنها أصابتهم في التلة التي كانوا يتحصنون بها، نتيجة خطأ من عناصر الجيش اللبناني. بعد الحرب عُرف أن الملازم سامي الخطيب كان وراء هذا التصويب الخاطئ! هذا التصويب كان خاطئا أم مقصودا؟ ما كشفته المعلومات أن بعض ضباط الجيش كانوا على توافق مع الملازم سامي الخطيب الذي قيل أنه كان ناصرياً (…). هذه الخسارة في شملان المتأتية من الحليف، أي الدولة، على الرغم من كل التضحيات التي بُذلت، جعلت التساؤل يكبر بين أوساط بعض القياديين في الحزب (…) خصوصاً أن الرئيس كميل شمعون أبقى أسرى الثورة القومية الاجتماعية الأولى (1949)، رهائن لديه حتى العام 1957 حيث أفرج عنهم، وفي السنة التالية حصل الحزب على ترخيص قانوني بالعمل السياسي.”44

“بدأت الأسئلة تطرح عن جدوى المعركة، وهنا كان لا بد من إعادة النظر في أحداث 58، وبدأ التشاور بين بعض القيادات”، ويروي رعد أنهم، على ما يذكر: “نصري أبو سليمان عضو المكتب السياسي وأصبح عميداً ثم رئيساً للمكتب السياسي خلفاً لسامي الخوري، ومنصور عازار الذي كان عميداً للاقتصاد، وبشير عبيد وكان منفذاً عاماً للمتن الشمالي، وإميل رعد وكان عضواً في المجلس الأعلى. وكانت خلاصة التفكير عملية قلب السلطة، فؤاد شهاب وكميل شمعون معاً، عبر الاستفادة من الوجود العسكري للحزب المعبأ وبالتحالف مع عدد من ضباط الجيش، والهدف إقامة سلطة يشارك الحزب فيها”. 45

من هنا يتبين حجم القلق الذي انتاب بشير، الذي شارك بجدارة في معارك تلك الأحداث، “وقد أحزنه خبر استشهاد جميل سماحة الذي لم يمر على زواجه إلا بضعة أيام، كما تروي شقيقته عفيفة، وآلمه استشهاد القوميين في معركة لم يكن لها أي مردود لا على صعيد الأمة ولا على صعيد الكيان اللبناني وموقع الحزب فيه، وهو الذي أصر على أن تقرع أجراس كل كنائس بيت شباب، تكريماً لأحد شهداء الحزب المحمديين أثناء مرور جثمانه من البلدة باتجاه البقاع.” 46

لم يعتكف الشاب ولم ينسحب من العمل المؤسساتي، بل راح يبحث عن سبيل لاستعادة الثقة والخروج من “النكسة المعنوية” التي ألمت بالحزب. هو الذي ثارت ثائرته عند بداية الأزمات الحزبية الداخلية، رفض النكسة والخيبة، وطالما كان بينه وبين الفشل عداء، “وهذا ما دفعه للسعي مع مجموعة من القيادات عن سبيل للقيام بخطوة تعيد للحزب موقعه، حتى ولو بالانقلاب على نظام الحكم في لبنان.” 47

امتاز بشير بوقفاته المنبرية الشجاعة، وبخطاباته التعبوية المفعمة بالمواجهة والتحدي، وفي هذا السياق نشرت “البناء” في حزيران عام 1960 في صفحتها الأولى خبر الاعتداء على مكتب الأمين أسد الأشقر الانتخابي، خلال رئاسة الأمين عبدالله محسن، وقبل شهر من انتخاب الأمين عبدالله سعادة رئيساً: “وفي هذه الأثناء خرج المغدور إبراهيم كركور من المكتب الانتخابي وما إن سار قرابة مائة وخمسين متراً حتى انهال عليه الرصاص من قبل رجال الأمن وخرّ مضرجاً بدمائه حيث توفي.

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح الثالث من حزيران أقيم مأتم حافل للرفيق الشهيد إبراهيم كركور في جل الديب. بعد الصلاة عن نفسه في كنيسة القيامة – جل الديب – حمله رفقاؤه على الأكف من باحة الكنيسة إلى المدفن، وقبل أن يوارى الثرى ألقى الرفيق بشير عبيد منفذ عام المتن الشمالي كلمة جاء فيها:

“يا رفيقي البطل، يا رفيق سعادة في الشهادة، يا رفيق غسان جديد وجميل سماحة وبقية القافلة. ما أحقر الرصاص الذي صرعك من الوراء، هذا الرصاص الذي تحديته أنت بصدرك، جبن أن يطالك فيغدر بك.

تحديته في الشام وتحديته في لبنان في معارك الحرية والكرامة، تحديته وأنت تؤمن كل الإيمان بعدالة القضية التي من أجلها تحارب وفي سبيل عزها تموت”.

ثم أضاف: “إن دمك الذي أريق على أرضنا سيظل يفديها ويغذينا بالثورة على الظلم والتمرد على العبودية. سيظل دمك منارة يهدينا ويهدي الذين صرعوك ويعطي أمثولة حية رائعة. إن شعبنا العظيم أقوى من البارود والرصاص وأقوى من الدساسين العملاء.

هنيئاً لك خلودك يا رفيقي. وهنيئاً للجبناء فناؤهم”.

مع تنقله من مسؤولية حزبية إلى أخرى لم تعد الوظيفة في وزارة البريد تستهويه، وهو الذي تعود إتقان أي عمل يوكل إليه، فقد بات من الصعب التوفيق بين الالتزام بالدوام الوظيفي والعمل الحزبي، “لذا قرر ممارسة العمل الحر، فاتفق مع رفيقه منصور عازار على العمل معاً، وبدأت مشاريعهما المشتركة ببناء عمارة بين عامي 1957 و1958 فوق قطعة أرض يمتلكها والده خليل في منطقة أنطلياس، لكن انهماكه بالشأن الحزبي لم يسمح له حتى بمواصلة أعماله الخاصة.” 48

قدرته الإذاعية والخطابية، وتمكنه من ناصية فهم العقيدة ونشرها بسلاسة وعمق، أهلت بشير لتحمل “أعباء أول مسؤولية مركزية عام 1959، على ما يذكر الأمين جبران جريج، فقد اكتشفت فيه القيادة الحزبية ذلك الجانب الأدبي المشع، من نثر وشعر، فاختارته رئيساً للجنة الإذعية المركزية، فكفى ووفى، وإن لم تطل تلك الفترة، لأنه كان يريد عملاً آخر يرضي طموحه عملاً بقول الزعيم: تحقيق أمر خطير يساوي وجودنا.” 49

المراجع

ـ 1- من مقابلة الرفيقةعفيفة عبيد شقيقة الأمين الشهيد بشير عبيد، ت: 07/11/2017

 ـ2 –  من حديث الرفيق أسعد عبيد شقيق الأمين الشهيد بشير عبيد لمجلة صباح الخير: العدد 276، ت: 29/11/1980

 ـ 3- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 4- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 5- من مقابلة الرفيق يوسف السبعلي، ت: 05/01/2017 والأمين جوزف السبعلي، ت: 6/12/2016

 ـ 6- من مقابلة يوسف السبعلي

 ـ 7- من حديث أسعد عبيد لمجلة صباح الخير

 ـ 8- من حديث أسعد عبيد لمجلة صباح الخير

 ـ 9- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 10- عبد الله قبرصي يتذكر، الجزء الثاني، مؤسسة فكر للأبحاث والنشر، 1982، ط: أولى، ص 239

ـ 11- من ملفات المحكمة العسكرية، المحاكمة الأولى

 ـ 12- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 13- من مقابلة زميله في المدرسة يوسف غصوب

 ـ 14- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 15- من مقابلة عفيفة عبيد، ويوسف السبعلي نقلا عن لسان بشير

 ـ 16- ملفات المحكمة العسكرية، محكمة الاستئناف

 ـ 17- من مقابلة المحامي إميل بجاني، ت: 13/03/2017

 ـ 18- من مقابلة مختار بيت شباب الرفيق أسعد غصوب، ت: 18/03/217

 ـ 19- من مقابلة ناصيف السبعلي، ت: 05/01/2017

 ـ 20- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 21- من حديث أسعد عبيد لمجلة صباح الخير

 ـ 22- عبد الوهاب التركماني، رحلة العمر طبعة أولى، 2007   ص 115

 ـ 23- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 24- من مقالة الأمين جبران جريج “بطاقة حزبية”، مجلة فكر، ع:41، أيلول- تشرين الثاني 1980، ص: 62 ومن مشاركة الدكتور ميلاد سبعلي  في ندوة “جمعية حق وخير وجمال” ت: 23/3/2017

 ـ  25- من مقابلة أياد موصلي، 31/12/2016

 ـ 26- كمال ذبيان، موقع جريدة الديار 3 شباط 2015

 ـ 27- جريدة البناء، العدد: 1762 بتاريخ: 14/04/2017

 ـ 28- من مقالة الأمين جبران جريج “بطاقة حزبية

 ـ 29- من مقابلة أياد موصلي

 ـ 30- مرجع سابق

 ــ 31- من مشاركة الدكتور ميلاد سبعلي في ندوة “جمعية حق وخير وجمال

ـ 32- من ملفات المحكمة العسكرية، محكمة الاستئناف

 ـ 33- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 34- من مشاركة الدكتور ميلاد سبعلي في ندوة “جمعية حق وخير وجمال

 ـ 35- من مقابلة أياد موصلي

 ـ 36- أنور فهد أيام في الذاكرة، طبعة أولى 2000، ص 99

 ـ 37- من مقابلة الأمين غسان الغريب، ت: 22/11/2016

 ـ 38- من حديث أسعد عبيد لمجلة صباح الخير

 ـ 39- من مقابلة أياد موصلي

 ـ 40- من مقابلة الأمين علي غندور، ت: 01/03/2017

 ـ 41- الأمين منصور عازار، السيرة، طبعة أولى 2015، دار أبعاد ص: 68 و69 و70

 ـ 42- مقابلة بشير مع مجلة صباح الخير 5/1/1980

 ـ 43- إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، مؤسسة إنعام رعد الفكرية، طبعة أولى، 2002 ص 87

 ـ 44- مصدر سابق ص: 88 و89

 ـ 45- مصدر سابق، 89

 ـ 46- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 47- إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص 89

 ـ 48- من مقابلة عفيفة عبيد

 ـ 49- من مقالة الأمين جبران جريج “بطاقة حزبية

الفصل الثاني: من العمل الإذاعي الى عمدة الدفاع

 

عميد شاب … قائد صارم

خرج الحزب من سنة 1958 وحربها الأهلية صفر اليدين، بعد أن خاض المعارك بشجاعة أعضائه المعهودة، وبَذْلِ عدد لا بأس به منهم الدماء التي تجري في عروقه. هذه الخيبة جعلت توصيفات نتائج تلك المرحلة في أدبيات الذين خاضوها أو عاصروها من القيادات القومية متشابهة، وإن اختلفت في التعبير، بين قول بشير بأنها لم تؤد إلى أية نتيجة تخدم مصالح الأمة وقضيتها، ووصْف الأمين إنعام رعد لها بالنكسة المعنوية، وتقْرير الأمين منصور عازار بأنها فتنة… بينما اعتبر الأمين عبد الله سعادة بأنها وضعت الحزب في أزمة خانقة، مبرراً ذلك بما “نتج عنها من المضاعفات، وما خلفته من التناقضات بين الحزب والأوساط المحمدية، وتحفظات الأوساط المسيحية تجاهه. هذا الأمر شكل صدمة للقوميين الاجتماعيين الذين مارسوا البطولة المتميزة خلال تلك الأحداث. ورغما عن ذلك أقْصوا عن ميدان الفعل السياسي (…) مما أصاب القوميين بحالة أقرب ما تكون إلى اليأس.” 1

يذكر الأمين إنعام رعد أن ذلك حمل المحتجين من قيادات الحزب، على “التفكير في قلب السلطة في وقت مبكر، وعُرضت الفكرة على رئيس الحزب (أسد الأشقر)، فوجد من المناسب دعوة المجلس الأعلى وبعض العمد لاجتماع مشترك يضم نحو خمسة عشر شخصاً للتداول في مشروع كبير من هذا النوع، عقد الاجتماع (…) وانفض من دون قرار. وقد أبدى رئيس الحزب تهيباً من تدخل القوات الأميركية لقمع المحاولة، لاسيما وأن الإنزال الأميركي في لبنان كان قد وقع.”  2

ويرى رعد أن الحزب وصل إلى مفترق، “بعد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وبعد ظهور التسوية الناصرية – الأميركية،(…) وتشكيل حكومة جاء فيها رئيس حزب الكتائب، وأقصي الحزب القومي بسبب “فيتو” إقليمي عليه، فكان ذلك الثمرة المرة لأحداث 58(…). قدم الأمين أسد الأشقر استقالته بناء على اقتراح المجلس الأعلى، الذي انتخب الأمين عبد الله محسن رئيساً. حاول الرجل رأب الجسور المقطوعة مع جمال عبد الناصر، كما حاول التقرب من مختلف التيارات السياسية اللبنانية.” 3

شهد عهده عدم توافق بين الرئيس والمجلس الأعلى فآثر محسن تقديم استقالته بعد عام ونصف تقريباً، “وهنا قرر المجلس الأعلى استدعاء الأمين عبد الله سعادة من المملكة العربية السعودية، فكلف الأمين علي غندور بمهمة تبليغ سعادة بالقرار، وقد استجاب الأخير للأمر الحزبي. وانتخب رئيساً في 19 تموز 1960.” 4

“قبيل انتخابه استقصى سعادة الأوضاع الحزبية السائدة، واصطحب لهذه الغاية الأمين إنعام رعد (…) إلى فندق قاصوف في ظهور الشوير، حيث قضيا ليلة كاملة امتدت حتى الصباح وهو يستفسر من رعد عن أوضاع الحزب.” 5

معاينة سعادة لما كان سائداً لحظة توليه الرئاسة شكلت حافزاً لاختياره “أعضاء السلطة التنفيذية من جيل الشباب والإتيان بهم إلى مجلس العمد، للإفادة من حيويتهم، علَّه يتمكن بمساعدتهم من إعادة الثقة إلى النفوس التي آلمها الإبعاد والتهميش.” 6 كان بشير من بين الذين وقع عليهم اختياره فعين عميداً للدفاع.

شكل الموقع الجديد، ميداناً رحباً للقائد الشاب، الذي تابع عملية بناء القوميين عقائدياً وعسكرياً، بمتابعة وتعزيز ما كان قد بدأه من عملية الإعداد وبث روح الأمل في نفوسهم، من خلال العمل التنظيمي وإقامة المخيمات، كما أولى أمن مركز الحزب وحراسته عناية خاصة، فشدد على وجود قوميين متمرسين عقيدة وتدريباً، وعين الرفيق سليمان الصايغ ( الأمين فيما بعد) رئيساً للحرس، كما “حدد للمجموعة المولجة بحماية المركز موعداً أسبوعياً معه يزودهم بتوجيهاته، وينظم لهم الحلقات الإذاعية، كما كان يراقب تصرفاتهم أثناء الدوام، والويل لمن يتهاون في تنفيذ مهمته، أو يسهو عن موقعه، ما يعرضه لعقوبة شديدة من عميد حازم وقاس لا يسامح على الخطأ، وهو الذي أفهمهم أن مهمتهم خطيرة، وعلى عاتقهم تقع مسؤولية جسيمة، وما يطال مركز الحزب يطال كل القوميين والأمة. كما أولى اهتماماً خاصاً بأمن الرئيس واختار مرافقيه من الحرس المركزي ومنهم سليمان الصايغ على أن يتبدل حرس الرئيس بشكل دوري”. 7

سعت قيادة الحزب مجتمعة لتجاوز حال الإحباط واليأس الذي ألم بالقوميين بعد حرب 1958، فأقيمت المهرجانات الحزبية في معظم المناطق اللبنانية، وشهدت مفذية المتن الشمالي عدة مهرجانات، وكان لبيت شباب نصيب منها، هي بلدة بشير الذي غرس المفاهيم النهضوية في نفوس معظم أبنائها.

 

جرأة العين تقاوم المخارز

بعد عنوانها العريض على الصفحة الأولى “بيت شباب تزحف مزغردة لاستقبال رئيس الحزب” وصفت جريدة “البناء” في عددها الصادر صباح يوم الاربعاء 26/10/1960 المهرجان الحاشد الذي أقيم في البلدة عصر يوم الأحد 23/10/1960، لاستقبال رئيس الحزب الأمين عبد الله سعادة وجاء في الخبر:

“هبت بيت شباب أول أمس بشيبها وشبانها وفتيانها، برجالها ونسائها وصباياها تستقبل رئيس الحزب القومي الاجتماعي لتعبّر بهذا الاستقبال عن عظيم تقديرها للنهضة، وعن عظيم الامال التي تعلقها عليها، وعلى نجاحها الكفيل بإعادة الحياة إلى بيت شباب، وإلى كل قرية في طول وطننا وعرضه لتصبح بيت شباب، جديدة ترتفع فيها مداخن المصانع تنتج الخير والبركة للامة بأسرها “.

وألقى بشير كلمة قال فيها: “هذا اليوم الأغر من تاريخ بلدتنا، يوم تشريف حضرة الرئيس عبدالله سعادة لهذه البلدة، في هذا اليوم، إذ تبتهج قلوبنا وتزهو نفوسنا وتغمرنا غبطة بلقاء الرئيس البطل القائد سعادة، نستقبله بكل جوارحنا وعواطفنا ومشاعرنا وعقولنا، وبدمائنا المتقدة دائما لتلبية النداء.”

تحدث في كلمته عن المغزى العميق لهذا الاستقبال الشعبي الرائع الذي أقامته بلدته “لرجل لا تربطه بها أية رابطة محلية، ولا أية رابطة مصلحية – بمفهوم المصلحية المعروفة في بلادنا- وهو المرشح الذي أسقطوه في الإنتخابات بألف وسيلة ووسيلة، وعن السر العميق الذي حقق الأعجوبة فإذا بأجراس بيت شباب المارونية تقرع ترحيباً بالأرثوذكسي ابن أميون… هذا السر الذي هو سر النهضة القومية الاجتماعية التي أيقظت الوعي القومي في الأمة، ودحرت تنين الطائفية من النفوس، فإذا الوعي يشمل لا القوميين الاجتماعيين فحسب، بل الألوف المؤلفة من أبناء الشعب الواعين المدركين الذين أيقظتهم النهضة برسالتها وبأعمالها وببطولاتها وبكفاحها المستمر.”

كما قال: “عبدالله سعادة الرئيس يعني لنا ولهذه الأمة رئيساً لهذه النهضة التي تجسد ماضينا السحيق، ماضي جبيل وصيدون وآشور ونينوى وبابل ودمشق والقدس، فتربط ماضينا بمستقبلنا العظيم الذي خطه لنا سعادة العظيم ابن المتن… إنّ رئيسنا يعني لنا هذه الإمكانية الضخمة للمسؤولية التي يتحملها بقدرته وقوته وطلاقته وإرادته وجبروته، فرئيسنا هذا الذي نحتفل اليوم بقدومه إلى هذه البلدة، هو هو الرجل الذي يقود النهضة لتحرير هذه الأمة.”

 وأضاف: “عندما حنت صنوبرة خضراء من المتن، من الشوير، على زيتونة خضراء من الكورة تهمس في أذنها همسات الحق والكرامة والعزة فيشع الزيت المقدس من الكورة، وينطلق بخور الصنوبر من هيكل الجهاد المقدس، عند ذاك التقى سعادة بسعاده: فكان سعاده الزعيم وكان سعادة الرئيس.”

“وختم كلمته بتوجيه الشكر لأهالي بيت شباب على هذا التقدير وهذا التأييد للنهضة القومية الاجتماعية الذي عبروا عنه ويعبرون عنه في كل مناسبة.” 8

عُرِفَ بشير باتخاذه المواقف الجريئة، من دون أن يلتفت إلى ما يصدر عن أجهزة الدولة اللبنانية من قرارات قد تعيق المسيرة الحزبية، ومن ضمن المهرجانات التي أقيمت في تلك المرحلة، قررت قيادة الحزب أن تحيي ذكرى استشهاد الزعيم (8 تموز 1961) في ضهور الشوير بمهرجان مركزي، وأخذت تعد العدة لذلك. حصلت على ترخيص من وزارة الداخلية اللبنانية لهذه الغاية، لكن الأجهزة الأمنية عادت وأصدرت قبل نهار واحد من تاريخ المهرجان قراراً بمنعه، لكن الحزب واصل الاستعدادات.

و”تقرر أن يبيت المشاركون من قيادة الحزب مع الرئيس ليلة ما قبل الاحتفال في ضهور الشوير، وحجزت لهم الأماكن في فندق القاصوف. كثفت القوى الأمنية من إجراءاتها وأنزلت حواجز في كل الطرقات الموصلة إلى المتن الشمالي، للحيلولة دون وصول القوميين إلى ضهور الشوير، لكن عميد الدفاع اتخذ كل الاستعدادات القاضية بإقامة مهرجان حاشد، وأصدر قراراً كلف بموجبه مديريتي الأشرفية الأولى والثانية بالحفاظ على أمن المهرجان، كما طلب من جميع المنفذيات وجوب الحضور والوصول بشتى الوسائل الممكنة”. 9

“استيقظ أهإلى البلدة صبيحة المهرجان ليجدوا أن بلدتهم تحولت إلى ثكنة عسكرية، يتظلل كل صنوبرة فيها دركي بكامل سلاحه. حدد موعد المهرجان الساعة العاشرة صباحاً. لم يكن قد وصل أي قومي إلى المكان المحدد حتى العاشرة إلا ربعاً، وفجأة بدأ تدفق القوميين بصفوف نظامية غطت شوارع وساحات عاصمة النهضة، تسلقوا تلال المنطقة وأحراشها رجالاً ونساءً وشيباً وشباباً، جاؤوا من مختلف المناطق اللبنانية، حتى تجاوز الحضور العشرين ألفاً ولم يتجرأ أحد من القوى الأمنية الاقتراب من المهرجان.” 10

حرص بشير على أمن المهرجان، مشرفاً على كل شاردة وواردة فيه برزانته المعهودة وهدوئه وصمته. فكان العين التي لا تغمض عن أي حركة، “شعر بحال من الإرباك بين مجموعة من القوميين، فتحرك بسرعة ليكتشف أن هناك عنصراً مدسوساً بين الحضور، حاول الفرار عندما انكشف أمره، وحدث هرج ومرج، لكن سرعان ما ألقي القبض عليه، في هذه الأثناء اعتلى بشير المنصة الرئيسية ليعلن الخبر ويطالب الحضور بالهدوء ومتابعة وقائع الاحتفال.” 11

وفي خطابه أعلن عبد الله سعادة: “سنؤدي التحية للزعيم عند عرزاله ولن تتمكن قوة من منعنا، ونحن لا نتلقى الأوامر الصادرة من عبد إلى عبد إلى عبد، (قاصدا من جمال عبد الناصر إلى عبد الحميد السراج إلى عبد الله المشنوق وزير داخلية لبنان) (…). وبعد انتهاء الاحتفال الخطابي سار الجميع إلى العرزال وأدوا التحية، من دون أن يعير أحد التفاتاً للقوى الأمنية التي راقبت الوضع عن كثب ولم تأتِ بأي حركة.” 12

 

هدية رأس السنة انقلاب فاشل ( 1961 ـ1962)

تابع بشير مسؤوليته بجديته المعهودة، عملاً وتنظيراً، يحدد المفاهيم بدقة فالبطولة له ليست شجاعة وإقداماً وحسب، بل هي كما جاء في نداء وجهه إلى القوميين: “أيها الرفقاء، إن انتصار قضيتنا لا يكون إلا باعتماد البطولة العقائدية الحقة، والبطولة ليست قدرة على القتال فحسب، ولا هي شجاعة في خوض المعارك فحسب، بل هي قدرة في النفس، وشجاعة في القلب، وتمرس بالفضائل القومية الاجتماعية. البطولة مناقب تتدفق، وأخلاق تترفع، ومسلكية بعضها الكتمان والصدق والإيمان والشجاعة والحس المسؤول”. 13

وكأنه في هذا النداء يعدد الصفات التي تمتع بها طيلة حياته، ويحث القوميين على التمسك بهذه الصفات استعداداً للانقلاب الذي كان الحزب على أعتاب القيام به، وهم الذين، “كانوا منظمين ومتمرنين عسكرياً في مخيمات التدريب في العام 1958. مما جعل الحزب آنذاك حركة نظامية استطاعت أن تنال إعجاب المواطنين واحترامهم وأيضا ثقتهم به. وهذا أمر مهم في الحروب والثورات”. 14

أحاط بشير حركته بالسرية التامة، واختيار الأفراد المؤهلين للقيام بالمهام المطلوبة منهم، كما اتخذ قراراً بتغيير مرافقي رئيس الحزب كل ستة أشهر، والإتيان برفقاء موثوقين، وخصوصاً بعد أن حامت الشكوك حول أحدهم، لذا “استدعى الرفيق نبيل سيف (الأمين فيما بعد) ورفيق آخر من البترون، وزودهما برسالة خطية فيها تكليف رسمي من عميد الدفاع يقضي بمرافقتهما لرئيس الحزب، لكن الرئيس سعادة رفض ذلك، فكان رد الرفيقين أنهما سيبقيان معه تنفيذا لأوامر عميد الدفاع، لكنه تمسك بموقفه قائلاً أنا رئيس الحزب، وعليكما الالتزام بقراري، وليس بقرار عميد الدفاع.” 15

وتبين فيما بعد أن المرافق رياض درويش كان، بالفعل، عميلاً للمكتب الثاني، وهو الذي فضح أمر الانقلاب، كما روى الدكتور سعاده على مدى فصل خاص أورده في كتابه تحت عنوان خيانة رياض درويش. 16

شكل الحزب وحدة نظامية متميزة، كما يوضح بشير لاحقاً، وهو “وحده من استطاع سنة 58 أن يحقق ويجسد العلمنة فكان القدوة العلمانية المشرفة في بلد تجتاحه العصبيات الطائفية وتفعل فعلها! وكان يمتلك كوادر عسكرية على مستوى راق من الخبرة والمعرفة والتدريب لم تكن موجودة في أي فئة أخرى، وذلك نتيجة التدريبات المكثفة للقوميين، ولجوء عدد كبير من رفقائنا الشوام إلى لبنان. في ظل هذه الظروف الموضوعية والذاتية، باشرنا بالتهيئة (للانقلاب). فكانت مستترة، حكيمة، طويلة النفس بسبب تغلغل حكم المخابرات.

لقد اتخذ قرار الانقلاب بشكل مبدئي قبل 8 أشهر من تنفيذه، ونتج ذلك عن ظروف عربية ودولية ومحلية كانت سائدة. فبعد موقف الحزب سنة 1958، وفي ظل التسويات السياسية التي بدأت تحاك وقتئذ، أحس القوميون الاجتماعيون أن معركة الـعام 58 لم تؤد إلى أية نتيجة تخدم مصالح الأمة وقضيتها. وشاءت الصدف أن يسود الكيان اللبناني جو من الإرهاب والقمع. فقد تصاعد تسلط العسكر، وخنقت الحريات الفكرية والاجتماعية، كذلك ضيق على الأحزاب، وضرب الصحفيون بالأمواس، وكان رجال المخابرات يتدخلون في كل منطقة وقرية وحي، ولما أجريت الانتخابات النيابية رافقها قطعاً، صفقات البيع والشراء والرشوة والقمع.

من هنا فالجو الشعبي العام والحزبي الذي ساد نتيجة خيبة أمل الـ 58، ورفض حكم المخابرات، والتململ من التضييق على الأحزاب والصحافة والحريات العامة والتزوير في الانتخابات. هذا الجو دفع الكثيرين إلى التساؤل بشكل عفوي: لماذا لا يقفز الحزب القومي إلى السلطة وهو الحزب المؤهل والقادر؟! ففي هذه المرحلة كانت الموجات الانقلابية تتالى في العالم العربي وإن كان أكثرها عسكرية. ولم يكن في لبنان أنذاك حزباً آخر غير حزبنا يجمع كل الطوائف، ويمتلك الممارسات والمفاهيم الواضحة التي تمكنه من تأليب الدعم الشعبي حوله. أما على الصعيد العربي فكان الوضع متفسخاً، مخلخلاً خصوصاً بعد فشل الوحدة بين مصر والشام.

وبالطبع كان القوميون الاجتماعيون أكثر الناس تحسساً لهذه الظروف والانتكاسات، بحكم إيمانهم بعقيدة قومية واجتماعية، (…) تجعلهم ملتزمين بالقضايا القومية متنبهين للأخطار الصهيونية على المنطقة، من هنا كان جو الحزب مهيئاً ومعبئاً. وكان الانقلاب يعتبر عملية إنقاذ، وفي هذا الجو بدأ التفكير والتهيئة للانقلاب”. 17

خلال مرحلة الإعداد للانقلاب أخذ بشير يشرف على تنظيم الزمر، وعلى جمع الأسلحة التي كانت موزعة على القوميين خلال أحداث عام 58. لاقى جمع السلاح بعض المصاعب، خصوصاً وأن السرية اقتضت أن لا يعرف القوميون الغاية من جمعه. يذكر عبد الوهاب التركماني أن “عميد الدفاع طلب من منفذ الغرب والشوف سحب بعض الأسلحة من القوميين. الذين تمنعوا عن تسليمها، وكادت أن تنشب بينهم معركة، والشهيد بشير رحمه الله كان عنيفاً ولا يرحم أحداً، وكاد أن يقول شيئاً خطيراً (…) قلت لهم أرجو أن تقدروا ظروف عميد الدفاع، أريد منكم الأسلحة لمدة ثلاثة أيام، إذا لم أردها إليكم أعدكم بغيرها مضاعفاً.”  18

“في أواخر شهر كانون الأول من سنة 1961 زار بشير منزل صديقه وابن عمته مخايل السبعلي، وخلال تبادلهما الأحاديث وعده بهدية قيمة سيقدمها له بمناسبة العام الجديد، شكره الرجل على لطفه، مؤكدا أن لا داعي للهدايا بينهما، لكن بشير أصر على موقفه لأن هديته ستكون شديدة الأهمية، وتختلف عما اعتاد الناس على تبادلها في مثل هذه المناسبات.” 19

كانت الهدية الموعودة هي محاولة قلب نظام الحكم في لبنان، هذه المحاولة التي نفذ فيها بشير ما أوكل إليه، فصنف وفرز القوى المقاتلة: “وهذا أمر بديهي. لذلك عمدنا في الأشهر الأولى من بداية التفكير بالانقلاب، إلى فرز القوميين المقاتلين المدربين ودرس أوضاعهم العسكرية والنفسية والاجتماعية. وعمدنا إلى اختيار التشكيلات المتناسبة مع الخطة المعدّة. وعمليات الغربلة هذه استمرت اشهراً ليأتي التنفيذ مثل كبسة زر. وهكذا كان! (…) ماذا أقول عن هذه التلبية الأسطورية؟! كان القوميون قمة من قمم الايمان والإدراك الذي يعبر عنه بالاستعداد للاستشهاد في سبيل نصرة قضيتهم. فلا توجد كلمات كافية تعبر عن هذه النوعية النادرة من التلبية المنظمة والمنضبطة والمؤمنة، فالأصالة السورية والتهذيب النفسي والإيمان بأهداف الحزب وانتصاره التي كانوا يمتلكونها (…)، بالإضافة إلى الخبرة العسكرية التي تلقوها في التدريب النضالي الطويل جعلت من التلبية عملاً تنفيذياً رائعاً. وقد ذكر أحد الدارسين العسكريين في جريدة”Le Monde”  بعد الانقلاب: أنّ الثورة الانقلابية التي قام بها القوميون الاجتماعيون في لبنان ظاهرة فريدة من نوعها. إنها المرة الأولى التي تتجرأ مجموعات مدنية على القيام بانقلاب عنيف ضدّ النظام في العالم الثالث، فالمعنويات والثقة والتنظيم التي كانت تمتلكها مكنتها من اقتحام بيوت الضباط الكبار واعتقالهم. والمعروف أنّ العسكريين يتهيبون عادة الإقدام على هكذا أمر نسبة لتربيتهم، ولا يجرؤ على ذلك إلاّ ضابط كبير يترأس مجموعة مدججة بالسلاح. وتابع هذا الباحث يقول إنَّ ذلك الحزب يستحق دراسة خاصة لنفسية أعضائه ونوعية إيمانهم وقوة عقيدتهم! وهذا أبلغ دليل يبين المستوى الذي وصل إليه الحزب آنذاك على الصعيدين المعنوي والعسكري، ففي الوقت المحدد وُزِّعت المهام التنفيذية على المجموعات. وكان لكل عملية من العمليات قائد مدني وأخر عسكري. الأول اختير من بين أعضاء مجلس العمد والرفقاء، ودوره أن يدل القائد العسكري ومجموعته على المكان المقصود ويؤمن وجود الشخص المطلوب للاعتقال. وكان القائد المدني يلعب دور ضابط الارتباط بين القيادة والمجموعة العسكرية حتى يحول دون حدوث أي عراقيل طارئة”. 20

كانت أولى المهام التي نفذت بنجاح إطلاق سراح النقيب شوقي خير الله المعتقل من قبل قيادة الجيش في ثكنة الفياضية، فقد كلف بشير، “مجموعة مؤلفة من ميشال خوري، أوغيست حاماتي، عادل إندراوس، ويوسف عقل الياس بمهمة إطلاق سراحه وإلحاقه بالنقيب فؤاد عوض في وزارة الدفاع، نفذت المهمة وأحضر شوقي مع حارسه، لكنه أصر على مقابلة عميد الدفاع أولاً. فطلب بشير منه الالتحاق بفؤاد في وزارة الدفاع. وطيب خاطر الحارس، الذي كان مصاباً بحال من الرعب.” 21

بينما أسند إلى النقيب فؤاد عوض مهمة احتلال وزارة الدفاع بواسطة الكتيبة التي يقودها، والتي توجه بها من مقره في مدينة صور إلى محيط الوزارة، ليصل “متأخراً عن الوقت المحدد، وبعد أن تمركزت قواته في محيط المبنى دخل عوض، غرفة “السنترال” وهو من النوع النصف أوتوماتيكي وفيه ما يقارب الأربعمائة مشترك – وجد “التابلوه” الذي يحتوي على لمبات صغيرة تضيء عندما يرفع المشترك السمّاعة – وجدها كلها منارة والكل يريد أن يتكلّم. وسمع العريف العامل على السنترال ينادي مشتركاً ويقول له: “بعرضك عجِّل”. علم رأساً أن الجماعة أصبحوا يقظين وانّ العملية أصبحت مفضوحة.” 22

 

تتبشر بالفرح….

“وصل النقيب خير الله إلى وزارة الدفاع، ووضع النقيب عوض بإمرته مجموعة من جنوده، في هذا الوقت أرسل خير الله برقية باسم قائد الجيش عادل شهاب إلى مرجعيون، يطلب فيها إرسال السَريَة الأولى من الفوج الأول التي كانت بإمرته إلى بيروت. جهّزت السَرية وتحرّكت باتّجاه بيروت ووصلت إلى النبطية، وعندما فشل الانقلاب أعطيت لها أوامر معاكسة أعادتها إلى مرجعيون. وبين هذا وذاك طُوّقت الكتيبة المطوًّقة، وما كان أمام النقيبين من خيار إلا مغادرة المكان.

كان قائد الجيش اللواء عادل شهاب في باريس لحظة وقوع الانقلاب، وحسب الخطة المرسومة اعتقل عدد من كبار ضباط الأركان (قائد الشرطة العسكرية المقدم لويس شهاب، الزعيم نوفل قائد الدرك، المقدّم فايز الراسي قائد فوج المدفعيّة الأول، المقدّم جلبوط مدير الأمن العام، رئيس الأركان الزعيم شميط، وقائد موقع بيروت عبد القادر شهاب.)” 23

“وأثناء نقل المعتقلين شميط وشهاب اصطدمت المجموعة (التي تنقلهم) بحاجز للفرقة 16 وتبادلت معه إطلاق النار، فأصيب ديب كردية بقدمه، لكنه ترجل من السيارة وطلب منهم وقف إطلاق النار لأن الزعيمين شميط وشهاب معهما، فتوقف الرصاص، أكملت السيارة التي تقل الأسيرين طريقها بينما اعتقل كردية، من قبل مقر الفرقة 16 التي تعذر احتلال مقرها، ووجد (كردية) عدداً من القوميين المعتقلين هناك، وما لبث أن أرسل النقيب عوض قوة احتلت الموقع، واطلقت سراح المعتقلين، ونُقِلَ كردية إلى مستشفى الجامعة الأميركية.” 24

ويروي عوض أنه بعد أن توقف إطلاق النار تقدمت الشرطة واعتقلت المدنيين، وأفرجت عن الضابطين شميط وشهاب اللذين تسلحا كل برشيشة واستقلا سيارة جيب للشرطة، واندفعا إلى مبنى وزارة الدفاع غير عالمين بما يجري هناك. “عندما وصلا أمام مبنى الوزارة اعتقلتهما مجدداً، (…) أما ديب كردية ورفاقه فقد اقتيدوا إلى مركز الفرقة 16 في السراي الكبير وأوقفوا هناك حتى مجيء مصفحتين من مصفحاتي فحررتهما وأخلت المركز من الشرطة”. 25

أرسل عوض الضابطين المعتقلين مخفورين إلى مقر عميد الدفاع، الذي “عاملهما بكل احترام وتقدير، وقدم لهما السجائر، آمراً المجموعة التي اقتادتهما، بعدم التعرض لهما ونقلهما إلى الديك المحدي.” 26

“كانت مهمة احتلال مبنى وزارة البرق والبريد والهاتف موكلة إلى زمرة بإمرة إميل رعد، الذي كان يتردد إلى مبنى الوزارة قبيل الانقلاب بمدة، وتعرف إلى كل مداخلها، وأقسامها، وأخذ خريطة تفصيلية للمبنى من الموظف هناك الرفيق محمود عبد الخالق.” 27

نفذت المهمة واحتل المبنى، “وقطعت الخطوط الهاتفية في المدينة، إنما بقيت بعضها من دون قطع، وعندما فشلت المحاولة وطوقت الشرطة المبنى فرّ قسم أعضاء الزمرة واعتقل القسم الآخر.

كما كُلِّف “الملازم علي الحاج حسن بقيادة المجموعة المولجة باعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، من منزله في جونية. قصد الحاج حسن حسب الخطة المرسومة منطقة أبو الأسود في جنوب لبنان، واستلم من االنقيب عوض سيارتيْ جيب مع سائقيهما وأربعة رشّاشات وانطلق بهما لتنفيذ مهمته، وتوجه بهما إلى انطلياس كي يلتقي المجموعة التي سيقودها (…)

نال تشكيل المجموعة المكلّفة باعتقال الرئيس (فؤاد شهاب) كل اهتمامنا. (كما يذكر عوض) وأشرف على (تحركات) تلك المجموعة، المكوّنة من خمسة وثلاثين رجلاً، رجل من أشدّاء رجال الحزب، هو السيد صبحي أبو عبيد أحد المسؤولين الكبار في الحزب. وكانت مهمته تأمين استكشاف الطريق ما بين تمركز المجموعة في انطلياس ومنزل الرئيس فؤاد شهاب في جونية، وإبلاغي نتيجة العملية في وزارة الدفاع كي أعرف كيف أتصرَّف.

 انطلق الملازم علي الحاج حسن مع سيّارتَيْ الجيب إلى انطلياس كي يلتحق بهذه المجموعة ويقودها، وأخذ يفتّش عن مكان تمركزها (…) وأضاع نصف ساعة تقريباً حتى تمكّن في النهاية من العثور على مكانها. وإذا أردنا أن نضع اللوم على أحد في هذا التأخير، ومن المسؤول عنه، هو ولا شك صبحي أبو عبيد لأن مهمّته كانت تأمين الاتصال بين الفريقين، وإعطاء إشارة الانطلاق. أكملت هذه المجموعة مهمتها، ولم تلتفت إلى التأخير الذي حصل، واندفع أمامها صبحي أبو عبيد ليكشف لها الطريق مرّة ثانية. وهو الذي وصل (في المرة الأولى) إلى منزل الرئيس شهاب وعاد، (بعد أن وجد) الطريق خالية وحرس الرئيس في وضعه الطبيعي كأي يوم عادي، وأبلغ ذلك إلى المجموعة، فتابعت سيرها باتّجاه جونية. وعند وصولها أمام ثكنة صربا وُوجِهت بالمصفّحات تخرج من الثكنة وتقـفل الطريق، وبِتَرجُّل جنود المساندة من سيّارات الجيب لتفتيش السيارات المدنية. وقد أغاظ هذا الحادث الملازم علي الحاج حسن وعبدالله الجبيلي وأمرَا السائق بأن يقتحم الحاجز عن اليمين وأن لا يتوقّف عند إعطاء إشارة التوقّف. تابع السائق سيره، أشار الجنود له ببنادقهم للوقوف فلم يذعن واجتازهم، لم يطلقوا النار على السيارة. أما ما تبقّى من القافلة فلم يتابع عند مشاهدته المصفّحات، فمنهم من قفل راجعاً ومنهم مَن وقع في أيدي الجنود فأُسِروا واقتِيدوا إلى ثكنة صربا. (…) بعد أن اجتاز الملازم علي الحاج حسن المصفّحات، ووجد نفسه وحيداً اتّخذ طريق الجبل والتحق بالدكتور سعادة (رئيس الحزب) في منزل (الأمين) أسد الأشقر في ديك المحدي (وهناك) ارتدى بزّة مدنيّة وظلّ معهم حتى اعتُقِلوا.” 28

في اللحظة التي كان فيها بشير منهمكا بتوزيع المهام، “وصل صبحي أبو عبيد وأخبره أن مهمة اعتقال فؤاد شهاب قد فشلت، وبالتالي فشل الانقلاب فكان جوابه تتخبر بالفرح.” 29

 

استنفار عائلي لإبعاد مرارة الأسر

ضجت وسائل الإعلام بخبر فشل انقلاب القوميين، وتناهت أخباره إلى مسامع العائلة، التي فاجأها أمر الانقلاب وهزها نبأ فشله، وهي العارفة بموقع ابنها ومسؤوليته، فانتابها الإرباك، وحال من القلق الشديد، لكن الرفيقين أسعد وعفيفة أخذا المبادرة.

“قصدت عفيفة بيت أهلها ـــ وهي التي لم يمر أكثر من ثلاثة أيام على وضعها مولودها الجديد عوض ـــ وهناك جمعت على عجل كل محاضر الاجتماعات والوثائق الحزبية الموجودة بحوزة شقيقها، ووزعتها بين الحرق في مدفأة منزلها وإخفاء بعضها (المهم) في حديقة شقيق زوجها (الكتائبي)، كما عمدت إلى طمر بندقية بشير في تلك الحديقة، بدوره أحرق أسعد كل ما وقع تحت يديه من أوراق وصور احتفالات حزبية.” 30

أما بشير وبعد أن علم بفشل الانقلاب، قصد ساحة البرج في بيروت وتناول وجبة في أحد مطاعمها (الأوتوماتيك). 31

“ثم صعد إلى بلدته سيراً على قدميه، عَبَرَ التلال والطرق الزراعية، ليصل بيته فجراً، وقد هدّه التعب وكست ملابسه الوحول. كان قلقاً على المستندات الحزبية وصور الرفقاء التي بحوزته، خشية أن تقع في قبضة رجال المكتب الثاني، وتتسبب بإلقاء القبض على من هو غير معروف من قبلهم، وعندما اطمأن إلى اختفائها أو حرقها. بدأ البحث عن وسيلة للتخفي عن عيون عناصر الجيش والمكتب الثاني، وتقرر أن يختبئ في تبانة الجيران حتى يمكن إيجاد وسيلة لإخراجه من البلدة.

مع شروق شمس ذلك النهار تدفقت دبابات الجيش وشاحناته المحملة بعشرات الجنود إلى بيت شباب وطوقت مداخلها، ثم اقتحم الجنود منزل آل عبيد، قلبوا محتوياته، خربوا كل قطع الأثاث وحطموا كل ما وقع تحت أيديهم حتى ثلاجة الطعام، بحجة البحث عن وثائق ومستندات حزبية. نهبوا كل ما خف حمله وغلا ثمنه، واستولوا على ما وجدوه من أموال ومجوهرات وليرات ذهبية تخص ربة البيت، وعندما حاول زوجها الاحتجاج، لم يخجلوا من كبر سنه بل انهالوا عليه ضرباً ورموه في إحدى الشاحنات واقتادوه إلى المحكمة العسكرية، ليفرج عنه  بعد يومين.

كما داهمت قوة من الجيش منزل عفيفة الزوجي، بناء على إخبار من أحد عملاء المكتب الثاني، الذي راقب تحركها في الليلة السابقة، وقدم إخباراً عما نقلته ليلاً من بيت أهلها. لم يراعِ الجنود حالها وهي تحمل رضيعها وتحاول تهدئة أطفالها، ولا حال والدتها المصابة بداء السكري، وقد نقلتها عفيفة، قبل وصول العسكر، إلى منزلها لتجنبها مشهد المداهمة المتوقعة، كما لم يُقِم عناصر القوة وزناً للرعب والهلع الذي ألمَّ بالأطفال الصغار.

انتهى التفتيش من دون العثور على شيء، وفشل مسؤول المجموعة بالعثور على جواب منها حول ما حملته من منزل ذويها، لذا قرر اعتقالها، وسط صراخ صغارها وعويلهم. مشت معهم وهي تحمل رضيعها عبر طريق بيتها الترابية حتى وصلوا إلى موقع الضابط المسؤول، وقفت أمامه بكل صلابة تحذره من مغبة اعتقالها، لأن زوجها لن يسكت، بل سيرفع دعوى ضدهم بحال أصابها وطفلها أي مكروه، وبعد أخذ ورد قرر الضابط إخلاء سبيلها.” 32

خلال التحقيق معه روى بشير “كيف وصل إلى البيت، وجلب خمسة آلاف ليرة وبعض الأوراق والتذكرة المزورة، وبعد تخفيه في الأحراش ذهب إلى قرنة شهوان، حيث طوق الجيش المنطقة مما اضطره للتخفي ثلاثة أيام، أصيب خلالها بنوع من التسمم.” 33

عن هذه الواقعة يقول شقيقه أسعد: “بعد أيام، وصل مرسال في الليل وأبلغني أن بشير تسمم، وهو موجود فوق فوار انطلياس وبحالة صحية سيئة. ولما وصلت اليه، وجدت الورم قد انتشر في كل انحاء جسمه. حملته إلى إحدى البيوت الصديقة. ثم أحضرت الدكتور سلهب (والد النائب سليم سلهب) دون أن أبوح باسم المريض. ولما رأى بشير، ذهل وتردد على أساس أنه كان صهر جميل لحود. التفت إليه بشير وخاطبه بصرامة ووضوح: أأنت طبيب أم سياسي؟! إن كنت تمارس الطب كرسالة، عالجني ولا تتردد، وإذا حدث لي أي مكروه فأخي شاهد على ذلك، سلوكك المتردد يجعلني أشك بإدراكك للرسالة التي تحملها. عندها عالجه ولما أنهى مهمته، أبقيته الليل كله معنا، وفي الصباح أوصلته إلى منزله شاكراً. أعطيت بشير هويتي واحتفظت بإخراج قيدي وانطلقنا في سيارتي. ولما وصلنا إلى منطقة الدورة، أوقفنا حاجز للجيش اللبناني، اقترب الرقيب من نافذة بشير طالبا هويته، ولما قرأها ضحك قائلاً: لو كان أسم بشير مكان أسم أسعد لقبضت 50 ألف ليرة من خزينة الدولة! فالتفت بشير إليه ساخراً وقال: ولو كان في الجيش رقيب ذكي لربح الـ 50 ألف ليرة، ولكن ماذا أستطيع أن أقول لك، ولدت فقيراً وستبقى فقيراً! أعاد الرقيب الهوية دون أن يفهم شيئاً. وتابعنا سيرنا. في هذا الوقت فقدت أعصابي وأشرفت على الانهيار، قلت له: “شو هالضرب يا بشير، شو جنيت، هيدا وقت المزح!” أجابني: يا أخي لمَ الجبن؟! أنت جبان وستبقى جباناً. قلت له: ربما، على كل حال، انزلني! فأجابني دون انفعال: الأفضل أن تنزل لأنك ستفضحني إذا تابعت الطريق معي! تركته وانصرفت.” 34

قصد بشير محلة جسر الباشا قاصداً ابن خاله مخايل السبعلي، الذي وُعِدَ بهدية قيمة ليلة رأس السنة، وبعد التباحث بشأن تخفيه، “اتفقوا على استئجار بستان له في محلة قناطر زبيدة، يبعد ما يقارب الكيلومتر ونصف عن بيت مخايل. هناك تنكر بشير بثياب مزارع وأطلق لحيته، وراح يتنقل متخفياً بين بيت ابن خاله والبستان. بشير الملتصق بالأرض ويحبها منذ الطفولة، لم يشعر بالغربة في ذلك المكان، وهذا ما سهَّل عليه التخفي، حتى اعتقد من كان يلتقيه من العمال وأصحاب الأراضي أنه ابن المصلحة، في هذه الأثناء رُسِمـتْ خطة لتهريبه إلى الأردن بواسطة شاحنات ينقل فيها مخايل وصهره ميلاد السبعلي مواسم التفاح من لبنان إلى الأردن. قبل العملية سافر مخايل مرتين إلى الأردن وبنى علاقات مع رجال الجمارك والأمن العام على الحدود لتسهيل تهريبه، خلال هذه الفترة وُجِدَ من أخبر المكتب الثاني عن مكان بشير.” 35

 

سبقت الوشاية فجر التفاح ….  فأُسِرَ الصديق العميد!

زار ميلاد السبعلي عامل البستان بشير عدة مرات، فكان يغادر بلدته المياسة إلى مشارف الساحل، ويتنقل بين الدروب الداخلية بعيداً عن أعين مخبري المكتب الثاني، ليتفقد أحوال صديقه، وفي الزيارة الأخيرة قابله بوجود مخايل وأعلمه بتحضير شاحنة خاصة أُعِد فيها مكان بين صناديق التفاح يتسع لشخص واحد، واتفق المجتمعون على أدق التفاصيل، كما تقرر يوم التنفيذ. في صبيحة ذلك اليوم نزل ميلاد باكراً من بلدته المياسة إلى منطقة البرج في وسط بيروت لإحضار الشاحنة والتفاح، فإذا به يفاجأ بباعة الجرائد ينادون: اعتقال عميد الدفاع بشير عبيد. 36

يوم اعتقاله “جاءت طائرات الهليكوبتر وبدأت تحوم بين البيت والبستان، وبعد ساعات قليلة أعلنت وسائل الإعلام عن اعتقال عميد الدفاع في الحزب القومي بشير عبيد.” 37

صدرت جريدة النهار في اليوم التالي وعلى صفحتها الأولى صورة بشير بترويسة تقول: ألف جندي يعتقلون عميد الدفاع، كما جاء في سياق الخبر أنه “صباح الخميس طوق ألف جندي منطقة المكلّس ــ المنصورية (المتن) بينما كانت طائرات الهليكوبتر تحلق فوق المنطقة، وعند الساعة الثامنة والنصف دخلت قوة أحد البساتين واعتقلت فيه شاباً ممتلئ الجسم وسيم الوجه. وقد زعم الشاب أن في الأمر التباساً وأنه من آل جدايل، ولكن القوة واجهته بصوره، ونقلته إلى بيروت في طائرة. وهكذا انضم إلى كبار المعتقلين بتهمة التآمر بشير عبيد عميد الدفاع في الحزب القومي المنحل”. 38

فاجأ الخبر كل من عرف ذلك البستاني الشاب عند كشف حقيقته، حتى أن الحلاق الذي كان يقصده قال لجوزف السبعلي لاحقاً أنه “صدم لحظة شاهد صورة بشير في الصحف، ولم يصدق أن ذلك العامل البسيط الذي اعتاد أن يشذب لحيته ويحلق شعره عنده هو ذاته عميد الدفاع! وطالما احتار في أمره، لأنه كان يشمئز كلما دخل عليه ذلك الفلاح، وعندما يرفع اللثام عن رأسه ووجهه، تفاجئه وسامته ونعومة رقبته وبشرته، ويسأل نفسه من أين لهذا العامل القدرة على استعمال عطر ثمين تملأ رائحته المكان؟ يعلق قريبه مخايل على حديث الحلاق بأن بشير مغامر شجاع.” 39

“نزل خبر اعتقال بشير كالصاعقة على رؤوس أفراد أسرته، وهي التي كانت على ثقة من خطة تسفيره إلى الأردن، معللة آمال الوالدة زينة بسلامة ابنها من الوقوع في قبضة رجال المكتب الثاني، خصوصاً بعد ما تسرب من أخبار الفظائع التي ترتكب بحق رفقائه المعتقلين. يوم سمعت زينة باعتقال الرفيق صبحي أبو عبيد صرخت ضاع بشير، لكنهم طمأنوها أن بشير بخير وسيسافر قريباً. في صبيحة اليوم المشؤوم حمل حفيدها الصغير غازي الجريدة ليخبرها أن خاله اعتقل، فأصيبت بنوبة إغماء نقلت على أثرها إلى المستشفى وما لبثت أن فارقت الحياة.” 40

إذن ألقي القبض على بشير، ونقل بطوافة عسكرية إلى ثكنة الأمير بشير. ترأس المجموعة التي اعتقلته المقدم معلوف من الجيش اللبناني، بادره المقدم بالقول “ضيعانك يا بشير”، وهو المعجب بشخصيته لما جمعهما من معرفة أيام أحداث شملان 1958. وعندما سمع معلوف بخبر وفاة أمه جاء ليقول له لقد تسببت بموت والدتك. 41

تقصت العائلة أخبار ابنها، محاولة أن تعرف شيئا عن مصيره، وأين سجن وكيف يعامل. مرت الأيام طويلة قاسية إلى أن اهتدت الي مكان اعتقاله. سعت شقيقته الرفيقة عفيفة، على الفور، “للحصول على إذن لمقابلة أخيها، وكان من يسمح بذلك هو رئيس المحكمة العسكرية، حيث يُسلَّم الإذن للعائلات بواسطة موظف من آل الهبر، حاول الأخير ابتزاز العائلة وإذلالها، فعمدت عفيفة إلى رشوته، متكئة بذلك على المثل القائل “إطعم الفم تستحي العين”، وسهلت بذلك الطريق للقاء أخيها.

كان شاقاً ومؤلماً، فما إن واجه شقيقته حتى بكى بشير كما لم يبك يوماً في حياته، وهمس بصوت متهدج حَمَّلَهُ كل ما في فؤاده المكلوم من حزن لفقده حضن أمه الدافئ: “لقد تسببت بموت والدتنا، لقد قتلتها!” تماسكت عفيفة وردت التهمة عن أخيها مرددة: “هي كانت مريضة وخلص عمرها، شو علاقتك بموتها، الله يرحمها المهم سلامتك.”

 

الرفيقة عفيفة أخت الرجال تصون شقيقها وأسرار الحزب

أخذت عفيفة موقع الأم الحنون، ودأبت على زيارة شقيقها وتزويده بكل ما يمكنها إيصاله له من مأكل وملبس وحاجيات خاصة، تسمح بها إدارة السجن، وتحاول تهريب تلك التي لا تسمح بها بشتى الوسائل.

مع بدء المحاكمات تقرر تعيين محامين للدفاع عن القوميين، حاولت عفيفة الاشتراك مع جميع العائلات في محاولة لتوكيل محام للجميع، ولم تلق آذاناً صاغية، فقررت أن تجد محامياً لامعاً يتولى مهمة الدفاع عن أخيها، وقصدت مكتب محام مشهور يدعى موسى برنس، الذي رحب بها ترحيباً حاراً، وأبدى استعداده للمساعدة، ولما سمع اسم بشير عبيد تملص منها بأسلوب لبق، واعتذر عن تقبل المهمة، خرجت من مكتبه حائرة في أمرها، وبينما هي هائمة على وجهها في شارع المعرض، تحدث نفسها وتسأل نفسها كيف ستتصرف، وهي الملاحقة من قبل مخبري المكتب الثاني كيفما سارت، التقت وجهاً لوجه برجلين أحدهما ملتح، بعد أن استوقفاها، وقد عرفا أنها شقيقة بشير عرفها بنفسيهما، وكانا قبلان عيسى الخوري والأب سمعان دويهي من زغرتا، وسألاها عن أحوال أخيها وهل وجدت محامياً يدافع عنه؟ وعندما أخبرتهما عما حدث معها قبل دقائق، قالا اتبعينا، فسارت خلفهما باتجاه مبنى العازرية، وهناك أرشداها إلى مكتب المحامي بدوي أبو ديب، فصعدت إلى مكتبه على الفور وشرحت له الأمر، وكان جوابه أنه لن يباشر الدفاع عن بشير حتى يلتقيه ويأخذ منه توكيلاً.

 وفي اليوم التالي قصدته لتعرف موقفه، فأكد لها أنه سيدافع عن بشير من تلقاء نفسه ومن دون أن يكلفه أحد وسيتعامل مع القضية وكأنه يدافع عن ابنه، وعندما سألته عن التكاليف أجاب أنه سيدافع عنه من دون أن يتقاضى أي بدل أتعاب.

بعد ذلك وأثناء زيارتها لشقيقها اعترض بشير على تسمية هذا المحامي، وقال أن أسئلته التي وجهها إليه غريبة وعجيبة، فأخبرته بما حدث بينها وبين بعض العائلات، وأنه لا بد من إيجاد محام خاص، ولم يكن أمامها سوى هذا الخيار، وأخبرته أن الرجل أبدى استعداده وحماسه للدفاع عنه من دون مقابل.

هانت الأمور على عائلات القوميين أيام المحاكمات العلنية، وقد تسنى لأهل بشير، كما جميع الأهل، حضور الجلسات، ولم يمنع ذلك عفيفة من متابعة زياراتها اليومية إلى السجن تحمل لأخيها الطعام والحلويات، وتؤمن له كل ما يطلبه من حاجيات شخصية علناً أو بوساطة التهريب، وذات يوم نقل إلى زنزانة تقع في آخر نفق طويل معتم، فكان ما إن يسمع وقع خطى شقيقته قادمة حتى يبدأ بالغناء:” يا حنيّنة يا حنّينة” وكانت عفيفة تشتم رائحة أنفاسه وتشعر بها قبل أن تسمع صوته الجهوري المفعم بالحنان.” 42

بدأت حفلات الاستجواب المقترنة بشتى أنواع الجلد والتعذيب، لكن بشير أظهر من الشجاعة والصبر والاحتمال ما جعله قدوة لآلاف المعتقلين، فهو لم يهن أو يضعف لحظة واحدة، حتى بات أسطورة يتناقل السجناء والقوميون في الخارج أخبارها. وذكر ذلك الأمين إنعام رعد في كتاباته وهو يوصف حال الأسرى: “… وقد تميز بالموقف البطولي الشهيد بشير عبيد عميد الدفاع، إذ دافع فيه عن رفقائه وكسب مودة رئيس المحكمة (جميل) الحسامي. فبشير كان مرتاحاً في إفادته، وقوياً وشجاعاً، ولكن رئيس المحكمة أصدر حكم الإعدام بالنتيجة.” 43

مع بدء المحاكمات أبلى بشير بلاء حسناً جعله نجم الجلسات الطويلة، وقد أعلن بكل شجاعة مسؤوليته الكاملة عن كل ما قام به، “كما أوعز لكل رفيق سأله عن ما عليه أن يجيب به في استجواب المحكمة، بأن يقول بشير عبيد كلفني وهو المسؤول، وقد سأله الرفيق السجين ميشال خوري (الأمين فيما بعد) عن سر هذا الإيعاز ولماذا يحمل نفسه المسؤولية كلها! رد عليه ضاحكا: حسابي كبير، كبر حسابات البنك السوري فلن يضيرني اعتراف من هنا أو هناك، وفي كل الأحوال ذاهب إلى الإعدام.” 44

في السجن كما في خارجه كان همُّ بشير الحزب وضرورة صلابة مواقف القوميين، لم يخش السجانين ولا القضاة، ما حمله على إطلاق المواقف الفكاهية أحياناً من دون حذر أو وجل. يذكر الأمين رضا كبريت أنه “في واحدة من جلسات المحاكمة، وبعد أن أنهى أحد القضاة حديثه، قال له بشير: لقد تعرضت في سجنكم لكل أنواع الاضطهاد والتعذيب، ومع ذلك لم أبكِ مرة واحدة، أما حديثك الآن فقد أحزنني إلى حد البكاء.” ولما سأله القاضي عن ما جعله يذرف الدموع، أجاب بشير: “أبكاني وجودك على هذه المنصة، وفي بلد فيه قضاة من أمثالك لا بد أن يقوم فيه كل يوم انقلاب.” زمجر القاضي وصاح به: “ولاه! وإنت سجين هيك عم تحكي، كيف لو كنت برا؟” أجاب بشير: عندها لا لزوم للكلام بل للفعل.” 45

وأثناء استجواب العميد الحسامي رئيس المحكمة العسكرية الأولى للزمرة التي كانت مسؤولة عن إطلاق سراح شوقي خيرالله من سجنه في ثكنة الفياضية، سأل عن رقم الزمرة ولِأَيِّ منفذية تابعة ومن هو آمرها، ولم يلق جواباً، من أفراد المجموعة.

“نظر إلى الأوراق وعجب من أمر هذه الزمرة التي كانت مشكلة من: عادل إندراوس ابن المتن ــ لبنان، أوغيست حاماتي القادم من الإسكندرون، ميشال خوري الفلسطيني الجنسية، ويوسف عقل الياس الشامي الجنسية، فازداد تعجبه وصياحه، واستدعى عميد الدفاع بشير عبيد إلى مذياع القفص، وسأله عن الزمرة ومنفذيتها، فأجابه بشير: سيدي الرئيس، هذة الزمرة ليس لها رقم، ولا انتماء عضوي إلى مديرية أو منفذية، لأني جمعت أعضائها في تلك الليلة بمحض الصدفة، لكي يستنقذوا النقيب شوقي خير الله من مكان توقيفه في ثكنة الفياضية. فتألفت الزمرة للحال وعلى عجل واختارت هي رئيسها وانطلقت إلى مهمتها. فسمّها إذا شئت زمرة سوريا الطبيعية لأن كل واحد منها قادم من كيان مختلف، وليس ينقصهم إلا رفيق عراقي. سمّها زمرة سوريا الطبيعية! فكتب الحسامي التسمية وقد ارتاح من تنسيبها، فتنبه المدعي العام إلى عاقبة التسمية معترضاً، فأبى الحسامي إلا تسميتها كما أراد بشير. وهكذا كانت هذه اللمعة نكتة الجلسة.” 46

ويروي الأمين محمود عبد الخالق: “اعتاد القوميون إبان المحاكمات أن يجيبوا على سؤال من كلفهم بالمهمة، كلفنا عميد الدفاع بشير عبيد، وذات مرة وصل الدور إلى إدغار عبود، وهو طويل القامة، وبعد أن قدم إفادته وتحدث عن المهمة التي كانت موكلة إليه، سأله القاضي الحسامي من كلفك بذلك؟ فأجاب عميد الدفاع، عندها قال الحسامي: أنت الشاب الفارع تخضع لأمر هذا الشاب المربوع القامة؟  والتفت باتجاه بشير وسأله هل تتحمل مسؤولية هذا الكلام؟ فقال له سجل واحد بالزائد أو بالناقص لن يضيرني. وبعد أن أنهى القاضي استجواب بشير سأله ماذا يطلب، (بين الإعدام والمؤبد) فأجابه الحكم العادل، وأضاف على كل حال دبرها بمعرفتك ريس.” 47

تابع عبد الخالق: “أيام السجن عرف القوميون بشير عبيد أكثر، خصوصاً بعد بدء المحاكمات وما أبداه من بطولة ورجولة في تحمل المسؤولية من جهة، ومن جهة ثانية تميز الرجل بسلوكه الملتزم والشجاع أيام السجن.

وضعت إدارة السجن نظاماً يخرج بموجبه المعتقلون بالعشرات من الزنازين لقضاء حاجاتهم مرتين أو ثلاثة خلال النهار، ويتزامن ذلك أحياناً مع خروج بعض  قياديي الحزب من سجنهم الانفرادي، وما إن يمر عبد الله سعادة أو بشير عبيد  أمام الرفقاء حتى يرفع أحدهما يمينه بالتحية، فينتظم القوميون صفاً ويؤدون التحية، ويسير أحدهما منتصبا أمامهم، وكأنه يستعرض الصف الحزبي في مهرجان، لقد ساهم هذا السلوك في رفع معنويات القوميين الأسرى، بعد ما شهدوه من انهيار بعض المسؤولين وضعفهم وتخاذلهم.

ذات يوم حضر محام من آل الشمالي (والد الشهيد فؤاد الشمالي)، وطلب مقابلة عبد الله سعادة قبل صدور الأحكام بيوم واحد، وفجأة فتح رقيب من آل أبي صعب جميع الزنازين، على غير عادة، فتزاحم الجميع باتجاه الحمامات، وأمام المغاسل اجتمع العشرات من المسؤولين، وبحكم جيرة المستوصف من زنزاناتهم، حيث كنت موقوفاً بسبب التهابات أصابت قدمي، أتيح لي أن أرى وأسمع كل ما حدث وقيل، في تلك اللحظة تقدم بشير من سعادة وسأله: يا حضرة الرئيس ماذا أخبرك الأستاذ الشمالي؟ عندها انتصب عبد الله وجال بنظره على كل الوجوه وقال: بلغوا الجميع، عليكم التماسك، ممنوع الخوف، أو اصفرار السحنة، أو تغير اللون، كلنا سنستقبل الحكم بابتسامة، كتلك التي استقبل فيها سعاده حكم الإعدام، هناك ما يقارب السبعين أو الثمانين إعداماً، بلغوا الجميع أيضاً أن عبد الله سعادة لن يموت وحيداً، بل ستكون رجله “معقيلة” لثلاثة آلاف “عكروت” من هذا البلد، عندها توجه بشير إلى الأسرى بكلام واثق يحملهم على التصرف بصلابة وشجاعة، لأنه خشي من الانهيارات الجماعية ساعة صدور الأحكام.” 48

ترك عميد الدفاع أثراً إيجابياً كبيراً في نفوس الأسرى القوميين، بما زرعه من المحبة في روح كل واحد منهم، “فلم يتعب أو يَكِلَّ ذلك المقاوم اللبق، الذي تحمل المسؤولية بكل ما لديه من قدرة، وبقي صارماً حاسماً واجه القضاة بصوته وتقبل حكم الإعدام بكل شجاعة.” 49

 

حرٌّ في أسره يشد العزائم والأخلاق شعار

لم تقتصر عملية رفع المعنويات على المواقف البطولية التي اعتاد بشير وقوفها، بل حرص على “كتابة رسائل يوجهها لرفقائه الأسرى في المناسبات والأعياد الحزبية، يحثهم فيها على الصمود والصبر، والاحتمال والتحلي بالقوة والشجاعة في مواجهة قهر السجانين وزبانية المكتب الثاني، كانت هذه الرسائل الموقعة باسم الرفيق بشير عبيد (وليس عميد الدفاع) تتلى في القواويش كما يتلى البريد الحزبي، فتثلج صدور سامعيها، خصوصاً وأنها موجهة من محكوم بالإعدام، يصر على متابعة المسيرة النهضوية.” 50

لم تحل مآسي السجن وحفلات التعذيب ومن ثُمَّ حكم الإعدام، بين بشير وتفكيره بمستقبل بلده، وطموحه للتغيير ولو بعد حين، وهو الذي طالما راهن على الجيل الجديد من الشباب الواعد، وخلال زيارات جوزف السبعلي له في السجن كان “يسمعه كلاماً متفائلاً بالمستقبل، فينصحه بضرورة التفوق في الدراسة، وأن يلتحق بالمدرسة الحربية بعد أن إنهاء دراسته الثانوية، لاعتقاده أنه من خلال الجيش المتزود بالمعرفة يمكننا بناء وطن جديد. لم يكن جوزف راغباً في الحياة العسكرية، وهذا ما استشفه بشير، لذا سأله بعد نيله الشهادة الثانوية، عن نوع الاختصاص الذي اختاره لدراسته الجامعية، فأخبره عن رغبته بدراسة علم الاجتماع أو القانون لدخول سلك المحامين، عندها نصحه بشير بدراسة المحاماة، والتزم الشاب بهذه النصيحة. ما فوَّت بشير فرصة إلا وشدد فيها على ضرورة الالتزام بالعمل الحزبي، والتمسك بالنهضة، لقناعته التامة أن الحزب هو أداة انتصارنا وبه ستنتصر أمتنا.” 51

انهمك بشير بنشر الوعي والتشديد على أهمية الأخلاق والتمسك بالمثل العليا عند كل من زاره في سجنه، وهي قيم نشأ عليها منذ نعومة أظافره، حتى أنه، وهو في العشرينات من عمره، مثَّلَ لسعيد تقي الدين ضميراً يؤنبه بتعامله مع فتاة نرويجية في مغتربه الكولومبي، حيث يقول سعيد: “… وكالعادة إذ أستشعر بشذوذ عن الصراط المستقيم راح الضمير يطاردني، والضمير عادة يتجسد بوجه صديق أو قريب حبيب، وهذه المرة رأيته بوجه بشير عبيد، فم قاس صامت، ووجه أسمر حانق، وعينان تتفرسان ولا تتكلمان، تصفعني تلك العينان، ولكن أَمِنَ الرجولة، أم من الفروسية أن أتخلى عن فتاة غريبة معدمة ضائعة، وأن أفجعها بأمالها بي، ما عليّ إن طربت، ولعبت خلال حياة أكثرها كفاح وشقاء، انصرف يا وجه يا عينان، ولكن الأستاذ بشير عبيد لم ينصرف.” 52

ذات يوم نودي على بشير لمقابلة زائرة، جال السجين بعينيه فلم يجد أحداً يعرفه، عندها قال أنا بشير عبيد من يريد زيارتي، فتقدمت نحو القضبان صبية جميلة خفرة، تروي لاحقاً: “شعرت بالرهبة أمام شخصية ذلك السجين الصلب المتماسك، والعينين الثاقبتين، والنظرات الحادة، سألني إن كنت أعرفه من قبل؟ قلت شاهدتك على شاشة التلفاز بعد اعتقالك قبل عدة سنوات، ثم عرفته بنفسي، هالة خلف سكرتيرة أخيك أسعد، وبصوت منخفض أعلمته أني أحمل له رسالة من شقيقه، تأملني طويلا وسألني: هل أنت سعيدة بالعمل مع أخي؟ أجبته هو إنسان محترم ويحبني كثيرا، عندها قال: “إن شاء الله!” وكأنه يشكك بسلوك أخيه، المعروف بتعدد علاقاته النسوية، وبعد أن سلمته الرسالة بيد مرتجفة وحذر وترقب بعيداً عن أعين الحراس، شكرني وأوصاني بالانتباه لنفسي.

زرته مرة ثانية حاملة له بعض المال، وفي هذه المرة طال الحديث بيننا عن الخاص والعام. شرح لي ضرورة التمسك بالقيم الجميلة التي توفرها النهضة القومية الاجتماعية، وحدثني عن أهمية فكر سعاده في حياة الفرد والأمة، مشدداً أن ليس المهم أن نعرف هذا الفكر وحسب، بل علينا أن نجسده في سلوكنا اليومي، وهذا ما يحصن حياتنا ويجعلنا نذلل كل المصاعب التي تواجهنا.” 53

طالما تفاءل بشير بقيمة الخير في شعبه وراهن على أصالته، ولعل هذا ما جعله يسأل شقيقته عما إذا كان أشقاء زوجها الكتائبيين، لا زالوا يترددون إلى الأردن، ليحملهم رسالة من قيادة الحزب في السجن إلى القيادة الموقتة هناك. أخذت عفيفة الرسالة، وقد قررت أن توصلها بنفسها، فروت ما حدث قائلة: “أخبرت زوجي (جوزف بجاني) برغبتي، فوافق على سفري، وقرر أن يرافقني، بعد أن استعنت بإحدى صديقاتي التي أعارتني هوية أختها، لأتمكن بواسطتها من عبور الحدود من دون مساءلة، وكان علي أن أصل إلى فندق سميراميس، وما إن دخلت صالة الفندق حتى نادى علي موظف الاستقبال، الذي على ما يبدو عرفني، وطلب مني الصعود فوراً إلى الطابق الثاني، حيث اتصلت هاتفياً، من الغرفة التي كانت معدة لنا، بالمسؤولين الحزبيين هناك، وبعد الاتصال جاء الأمين يوسف الأشقر، الذي تمكن ليلة الانقلاب من الفرار إلى الأردن، مع إميل رعد وكامل أبو كامل وعدد آخر من القوميين، وعندما جاء يوسف تفاجأ بوجودي وكأنه ينتظر شخصاً آخر، ثم طلب مني أن أرافقه للقاء القيادة فتبعته، كما أشار علي، بالسير على رصيف مقابل للرصيف الذي يسير عليه، ووصلنا إلى منزل وجدت فيه العديد من الرفقاء وسلمت الرسالة، التي بالطبع، لم أكن أعرف محتواها، وبعد أن اطلعوا على مضمونها، سلموني مغلفاً كبيراً لأوصله إلى المساجين، وبعد أن موهت سفري بالتجوال في أسواق عمان مع زوجي عدنا إلى بيروت.

قصدت المحكمة العسكرية للحصول على إذن زيارة، فباغتني الموظف بسؤاله: أين كنت؟ لقد تخلفت عن الزيارة ثلاثة أيام على غير عادتك! أجبته كان ابني مريضاً، عندها فتح مغلفاً كان يقلبه بين يديه، وقال مؤنباً: أنت أم ومسؤولة عن عائلة، لماذا سافرت إلى الأردن لقد لاحقناك إلى هناك؟ عندها قدمت له سيجارة أردنية وقلت له ذهبت وها أنا رجعت بالسلامة!!! فطلب مني ألّا أعيد هذا التصرف مرة أخرى، ومزق المغلف الذي كان بحوزته، وفيه تقرير من مخبري المكتب الثاني الذين كانوا مكلفين بملاحقتي.

انتهيت من تحقيق المسؤول الأمني وقصدت بشير، كان علي أن أوصل جواب الرسالة إلى السجن، ولكنه مغلف كبير لا يمكن إخفاءه بين ثنايا ملابسي، لذا انتزعت قعر حقيبة الثياب ووضعتها فيها وأعدت تثبيت القعر، ورتبت الثياب فوقها، وأثناء الدخول إلى السجن تبرع أحد الشباب بحمل الحقيبة، التي اهتزت طويلاً بين يديه فانقلب محتواها، وصار المغلف الذي يحوي الرسالة فوق الثياب، حضر بشير إلى المقابلة، وكان العسكري قد فتح الحقيبة وبدا المغلف، ولاحظ بشير أن المغلف صار بيد العسكري، فقال لي: “عفيفة استعملي الحكمة”، فركضت باتجاه الضابط وطلبت منه استعادة المغلف، بحجة أنه رسالة من صديق لي وزوجي يقف إلى جانبي، ولا أرغب بإحداث فضيحة، فاسترجعته بطريقة سريعة قبل أن أسمح له بالتفكير، ووضعته تحت أبطي داخل سترة كنت أرتديها، وأكملت حديثي مع بشير الذي خطف لونه، بينما كنت أرتجف كورقة في مهب الريح، ولم أعدم وسيلة بتسليم المغلف له، ثم أخبرته أني لم أسلم الرسالة إلى أحد بل نقلتها بنفسي إلى الأردن، وكانت ردة فعله الاستهجان والتأنيب، وردد الكلمات عينها التي قالها رجل الأمن: أنت ربة منزل ومسؤولة عن عائلة لماذا تعرضين نفسك للخطر، وهل تعرفين خطورة الأمر الذي قمت به؟! لم أجبه وانتقلت بخفة إلى الحديث بأمر آخر.

في اليوم التالي سألني الضابط إن كان زوجي برفقتي، فأجبت بالنفي، قال بسخرية مبطنة: وهل أحضرت رسالة صديقك معك؟ أدركت عندها أنه لاحظ الخدعة وغض النظر.” 54

وضع بشير حكم الإعدام الصادر بحقه في سلة النسيان، وجاء بعده حكم المؤبد، ومع ذلك “بقي صبوراً صامداً يتصرف بروية وتعقل، فساهم في تخفيف أعباء السجن عن الرفقاء، خصوصاً عبر مشاركته في تقديم الحلقات الإذاعية، التي نظمتها منفذية السجن.” 55 وتصرف وكأنه مقبل على الحياة من جديد، فلم يضيع وقته بالتسلية، بل استفاد من كل دقيقة، يقرأ ويكتب ويعلم الأميّين من رفقائه، وقد تحدثت عفيفة عن عشرات الكتب التي كانت تحضرها له بناء على طلب مسبق، وخلال مدة سجنه كتب بشير العديد من المقالات الأدبية والرسائل النقدية والأبحاث الفكرية نشر البعض منها في ملحق النهار وجريدة الشمس.

وحتى ساعات اللهو كانت تقوم على “تنظيم رحلات خيالية في أرجاء سورية الطبيعية، يضع خلالها بشير رواية عن موقف بطولي، وتبدأ الرحلة باستعراض الأماكن والمواقف ووقفات العز التاريخية، ويتشارك مع رفقاء الزنزانة (شوقي خيرالله ومحمد بعلبكي وذيب كردية) بالاقتراحات والتصحيح والتقييم والنقد حتى تستقيم الصورة.” 56

“وصفت هذه المجموعة من قبل السجانين بالخيانة والعند لأنها كانت تتلهى عن الجوع والعطش، بابتداع رحلات صيد وشواء، إلى المناطق السورية جميعاً.” 57

 

 

… مدافعا عن نفسه يتحمل مسؤولية الانقلاب

في محكمة التمييز، كما في كل مواقفه منذ أُسر إلى أن غادر السجن واجه بشير الجلادين والقضاة بكل تماسك ورباطة جأش، وفي كلامه أمام محكمة التمييز لم يدافع عن شخصه بل كان جل همّه الدفاع عن الحزب، وها هو يخاطب القضاة بقوله: “أقف لأشرح لكم الأعمال المادية التي قمت بها والدوافع التي حملتني على ذلك، ولا أتوخى من وراء هذا دفاعاً عن نفسي بل عن القومية الاجتماعية. أنا لم أمثل أمامكم ولم أشترك بالمحاولة بصفتي الشخصية، بل بمسؤوليتي عميداً للدفاع ولا ازدواجية في شخصي. إذ ليس لي من وجود إلا الوجود القومي الاجتماعي، فشرف الحزب شرفي وإيمانه إيماني وكرامته كرامتي وأنا قومي اجتماعي أولاً وآخِراً.

أنا عميد الدفاع أوكل إليّ أمر تنفيذ الانقلاب، وقد قمت به إرضاء لوجداني القومي، وتعبيراً عن إرادة الألوف من رفقائنا وأنصارنا، الذين باسمهم أسندت إليّ قيادة الحزب هذه المهمة.

نعم لقد وافقت على تنفيذ خطة الانقلاب، وها أنا أتحمل المسؤولية إيماناً مني بعقيدة هي كل إيماني وحفاظاً على رجولة تجسد هذه العقيدة، وقد جهدت طيلة شبابي عاملاً لتجسيدها في نفسي ونفوس رفقائي، وأني لأقف اليوم مدركا خطورة الموقف شاعراً بعظم المسؤولية منسجماً مع القيم التي بها آمنت.” 58

  وتابع بشير كلمته مفندا قرار الاتهام شارحاً وجهة نظره من كل نقطة وردت فيه، ثم تحدث عن عمدة الدفاع قائلاً: “هي العمدة المسؤولة عن تسليح القوميين بالمناقب والبطولة إلى جانب المعرفة والإيمان، ليدافعوا عن سلامة الوطن وكرامته كلما ادلهمت الخطوب. ولهذا سُمِّيَتْ سابقاً بعمدة الرياضة وعمدة التدريب وقد مارستها بالفعل. وأنه من الأمر الهين أن يتقن الإنسان حمل السلاح وكيفية استعماله، ولكن الصعوبة كل الصعوبة هي في صقل المواهب والمناقب وتَعهُّد النظام والانضباط، إذ ليست القدرة في حمل السلاح بل في الإيمان والإخلاص الذي يوجه هذا السلاح، ونحن ما حملناه مرة إلا مخلصين في خدمة بلادنا وقضيتها.

فالحزب لم يكتفِ بتعليم أعضائه محبة بلادهم مجرد حب نظري أناني بل حباً ناتجاً عن معرفة وإيمان مسؤوليْن .فبلادنا ليست في نظرنا مقبرة أجداد ولا جسر عبور للفاتحين. كما أنها ليست مجرد أرض ننعم بخيراتها ومواردها فحسب، إنها بأرضها وشعبها بما تختزن من جوهر وتراث وتاريخ. وبما يمكن أن تكون عليه من تقدّم وخير وعزّ. إنها بماضيها ومستقبلها تمثّل لنا كل مرامينا الخَيِّرَة ومقاصدنا العليا في الحياة، لذا نبذل الدماء رخيصة للدفاع عنها والذود عن حريتها. نحن منها أتينا ولأجلها نحيا وفي سبيل عزّها نموت.

من هنا كان ولاؤنا لمجتمعنا بكامله لا لطائفة ولا لعائلة ولا لعشيرة دون أخرى. وانطلاقا من النظرة الفلسفية ومن الإيمان القومي والولاء الاجتماعي وعبر مسؤوليتي كعميد للدفاع تعرفت وتحسّست آلام الشعب، كل فئات الشعب، من فقر ومرض وجهل وخوف، من استبداد إقطاعي وتحاقد طائفي.

لقد ندبنا أنفسنا أيها السادة للعمل في صميم الشعب، في تنظيمه ورفع مستواه، ونحن نعتقد مخلصين أن كل ظلم وكل تقهقر وكل فوضى تصيب بلادنا إنما نحن المسؤولون قبل غيرنا عن دفعها وزحزحة كابوسها.” 59

ثم تحدث عن لبنان الذي يريده الحزب: “إنه لبنان الثقة والتحرر، لبنان فخر الدين الذي ثار على استعمار الأتراك متحدياً طغيان السلاطين وجحافل الإنكشارية واثقاً بنفسه منفتحاً على محيطه وعلى العالم.” 60

وختم قائلا: “وإذا كانت مقدمة قرار الاتهام ترى “أن اللبنانيين ارتضوا لبلدهم هذه الأوضاع” (التي كانت قائمة) فنحن ومن نمثل من اللبنانيين ما ارتضينا هذه الأوضاع بل ارتضينا لبنان.

وكان لا بد في سبيل تحقيق هذه الغاية من التوسل بمنع السلطات من ممارسة وظائفها ومشاركة العسكريين في العمل لإقامة قيادة جديدة مستعدة لإعادة حقوق الشعب وحريته إليه.

هذا هو جوهر العمل الذي أقدمنا عليه وكل تهمة ألصقها بنا قرار الاتهام من تهم أخرى، لا أساس لها من الصحة، ولم يقم عليها أي دليل لا من حيث النية ولا من حيث الوقائع.” 61

 وبدوره أبلى محامي بشير بدوي أبو ديب بلاء حسنا بالدفاع عن موكله، ومع ذلك لم يتمكن من رفع عقوبة الإعدام عنه، لكن عفيفة لم ترضَ بهذا الحكم وسألت أبو ديب البحث عن أي وسيلة لتخفيف هذه العقوبة، فأشار عليها الاستعانة بالمحامي الفرنسي موريس غارسون، عندها كلفته التواصل معه، وبذلك سافر بو ديب إلى فرنسا وعرض القضية على غارسون الذي قبل بالمهمة، عندها عرضت عفيفة الموضوع على عائلات الموقوفين، اتفق الجميع على الاشتراك بدفع تكاليف إحضار هذا المحامي. 62

“حضر غارسون إلى لبنان، وقبل بالمهمة من دون أي مقابل تقريباً باستثناء نفقات السفر والإقامة ومبلغ زهيد جداً لم يتعد الخمسة آلاف ليرة لبنانية، دفعت لمكتبه في باريس. قابل غارسون السلطات القضائية (…) ووضع دفاعاً خطياً عن المعتقلين وأرسله إلى السلطات المعنية. (…) وبعد بضعة أشهر بعث برسالة إلى الأستاذ بدوي أبوديب يستفهم عمَّ حلّ بالقضية، وعندما أخبره أن حكم الإعدام سارٍ تعجب لهذه المخالفة للقانون والإنسانية”. 63

وقد حاول الحكم الشهابي التقرب من القوميين بشكل غير مباشر في أواخر الستينات، لمواجهة الخصوم الانتخابيين. وفي هذا السياق يروي النقيب عوض: “فيما نحن نتألّم ونعاني الأمرين من تصرّفات السلطة جاء بعض المرشّحين للمقاعد النيابية ليتاجروا بآلامنا. وقد حالوا دون اتّصالنا بأحد من الخارج سوى ذوينا وتحت المراقبة الشديدة. ولم يُسْمَحْ لأحد بزيارتنا زيارة خاصة، ولكن المكتب الثاني رخّص للمرشح الأرثوذكسي عن دائرة المتن الشمالي السيد ميشال المر بأن يقابل زميلنا بشير عبيد ابن بيت شباب مقابلة خاصة من دون حضور أي مراقب. ولقد جاء حضرة المرشح الساعي وراء الوجاهة يطلب من بشير أن يوعز لذويه وللحزب القومي بالاقتراع له، وأنه هو صديق المكتب الثاني، وسيتدبر أمر إبدال حكم الإعدام عنا. وأضاف قائلاً بأن السيف لا يزال فوق رؤوسنا وعلينا إظهار بادرة حسنة تجاه الجماعة عبر الاقتراع له. لكن بشير خذله وطلب منه، إذا كان بالفعل صاحب نفوذ لديهم فعليه أولاً أن يسعى لإبدال الحكم، وبعدها نقترع لمرشحي السلطة. وبالطبع لم تبدل السلطة أي حكم ففشل مرشحها في دائرة المتن.” 64

 

أبكاه … عفو الخروج إلى الحرية وترك العسكر

خلال شهر شباط من العام 1969 صدر العفو العام عن القوميين الاجتماعيين واستثني العسكريون منهم، وكان هذا العفو قد أخذ الكثير من النقاش بين القيادتين المدنية والعسكرية. ويذكر الأمين عبد الله سعادة أنهم “اجتمعوا إلى العسكريين وطرحوا عليهم السؤال التالي: “هل تفضلون يا رفقاءنا العسكريين أن نرفض العفو العام، ونبقى معكم في الأسر لنحصل على عفو شامل، أم نخرج من الأسر ونعمل من أجل الحصول على عفو عنكم؟” تردد عوض وخير الله في الجواب كثيراً وانبرى علي الحاج حسن يقول: “إن هذا السؤال لا يجوز طرحه علينا، فنحن لسنا أفراداً نتسابق على العفو العام، بل نحن حزب قومي اجتماعي موحد جامع، واجب العضو فيه أن يناضل ويضحي لمصلحة الحزب وليس العكس، إن في خروجكم من الأسر مصلحة حزبية كبيرة، فواجبكم أن تقبلوا لتستأنفوا النضال والعمل، لأن الحزب بحاجة ماسة إليكم، أما نحن فإذا نجحتم في الحصول على العفو عنا كان خيراً، وإن لم تنجحوا كان خيراً.” ولاقى موقف الرفيق الحاج حسن تجاوباً واضحاً عند العسكريين، وانتهت المشكلة عند هذا الحد.” 65

بينما تحدث الأمين إنعام رعد عن عفو خاص ومفاده “أن يشمل أربعة من قياديي الحزب، ومن تبريرات القابلين به أنه يمهد للعفو العام، فبخروج القياديين الأربعة من السجن يمكن إعادة تنظيم الحزب، وبقوة الحزب، يمكن إخراج مئة وخمسين أسيراً، تصدينا لهذا المشروع، وكان في طليعة المتصدين بشير عبيد وإنعام رعد، ومصطفى عز الدين (….) وجاء موضوع العفو العام (ولم يشمل الرفقاء العسكريين) والالتباس الذي حصل حول هذه المسألة أن الحزب كان إزاء خيارين إما رفض المشروع، (…) أو القبول به كما هو، على أمل أن خروج المدنيين من الأسر يمكن أن يسهم في إخراج العسكريين الذين استثنوا من العفو العام.” 66

ويصف الأمين فؤاد عوض لحظة خروج القوميين المدنيين من السجن بقوله: “وقفت وودّعتهم فردًا فردًا وكان إلى جانبي المرحوم علي الحاج حسن. أما الزميل شوقي خيرالله فقد اعتصم في غرفته وقاطع كبار المسؤولين الحزبيّين ولم يغفر لهم قبولهم بالخروج دوننا وبقاءنا في السجن. كنت من رأيه ولكن ما العمل وليس في اليد حيلة. كما أنه قد لان موقفي لخروجهم من دوننا، لأني كنت أعرف حالات البؤس والشقاء في صفوف أعضاء الحزب الصغار. كنت أقول في نفسي هل يجوز أن أطلب إبقاء مئة سجين كي أخرج أنا؟ روح الإنسانية تشدني من جهة والمصلحة السياسية العامة من جهة ثانية، كان قلبي مع خروج الأعضاء الصغار وعقلي ضدّه. التضحيات في الحركات السياسية ضرورية ولكن لم يكن باستطاعتي تقريرها والتخطيط لها.” 67

ويؤكد الأمين شوقي خير الله، على انزعاجه من تصرف قيادة الحزب في السجن ويقول: “يوم العفو ودَّعني الرفقاء الأسرى الخارجون واحداً واحداً وودعتهم بألف دعاء، أما عصبة الأسخريوطي فلم أودع أحداً منهم، ولا قبلت أن يقترب أحدهم من باب الانفراد. وحده بشير عبيد رحت إليه بنفسي، ودعوت له وهو يبكي. تذكروا كيف مات لوحده بدون نجدة أو إسعاف.” 68

بشير الذي لم يضعفه طغيان جلاديه ولا حكم الإعدام، تحمل مرارة الأسر وجور الانفراد، لم يهن يوماً أو يحزن، ولكن لحظة القبول بالعفو عن المدنيين وإبقاء العسكريين من رفقائه قيد الأسر أحزنته، بل أبكته، ولم يقصدهم ليودعهم، بل قصدوه كما يذكر خير الله، وكأنه هو الأسير وهم الأحرار.

خرج بشير من الأسر، “وكانت بيت شباب ومعظم أهالي القرى المجاورة حاضرون لاستقباله، لكنه يمَّم وجهه فوراً شطر مدافن العائلة حيث زار ضريح والدته، من دون أن يسمح لأحد بمرافقته في هذه الزيارة، ثم توجه إلى بيته حيث كانت الحشود تنتظره، فوقف بينهم خطيباً، شاكراً للحضور عاطفتهم النبيلة، وقد قوطعت كلمته بالتصفيق الحاد أكثر من مرة، واستمرت مراسم الاستقبال وتوافد الحشود إلى منزله ما يزيد على أسبوع.” 69

 

رثى علياً فانتثرت كلماته منارات

عميد الدفاع السابق الذي أبلى بلاء حسناً على كل الأصعدة، نأى بنفسه عن مواقع المسؤولية، التزاماً منه بقرار ضمني اتخذ في سنوات السجن، يقضي بعدم تسلم أي موقع قيادي قبل تقييم المحاولة الانقلابية.

لكن بشير “الفارس والخلوق”، كما يصفه الأمين بهيج أبو غانم “كان يسكنه القلق على الوضع الحزبي، ويبحث عن سبل إصلاح الخلل”، ويتابع أبو غانم: “كنا نلتقي دائما في اجتماعات غير نظامية، يوم كان المجلس الأعلى برئاسة الأمين عصام المحايري، نتباحث في الأوضاع القائمة، وقد التقينا على رؤية مشتركة بالنسبة لسياسية الحزب، وكان بشير ذلك المراقب الجريء في التحليل والنقد وفي الوقت عينه، يتمسك بمؤسسات الحزب، وهي المعادلة التي طالما رفض الإخلال بها.” 70

راهن بشير على أهمية الطلبة الذين رأى فيهم سعاده “نقطة ارتكاز العمل القومي” فكان: “قائداً واعداً يحرص على مسيرة الحزب عموماً، وعلى سلامة الجسم الطلابي خصوصاً. في تلك المرحلة، التي شهدت العديد من التحركات والنشاطات والمظاهرات في الجامعات والثانويات، لاحق بشير قضايا الطلبة بدقة، وقد قال لهم في إحدى المرات: ليس مسموحا ً لهذا الحزب أن يترهل، أو يصل إلى مرحلة الشيخوخة، لذا علينا أن نحرص على جيل الشباب وخصوصاً على الجسم الطلابي فيه. وكان يحث الطلبة على التمسك بالعمل النهضوي والحرص على متابعة تحصيلهم العلمي، ويحرص على أن لا تنكسر شوكتهم.” 71

تابع بشير نشاطه التعبوي الذي لم يعد مقتصراً على منطقة المتن الشمالي، بل انتشر على مدى الوطن، مما جعله قدوة لشباب تلك المرحلة، ففي احتفال تشييع الشهيد علي الحاج حسن، عرَّف بشير المهرجان الخطابي الحاشد، “بصوته الجهوري وجمل تعريفاته الحبلى بالمفاهيم النهضوية والحث على اتخاذ الصلب من المواقف، والرثاء الجميل لرفيق الزمن الصعب، فكانت كلماته تلك تقيم الجمهور ولا تقعده.” كما يذكر الأمين وليد زيتوني. 72

بينما يصف الدكتور علي حمية ذلك اليوم بقوله: “شاهدته وسمعته، لأول مرة، في شمسطار، في غربي بعلبك، كنت يومها مواطناً صديقاً، لم أَنْتَمِ بعد إلى الحزب. حدث ذلك في أواخر نيسان 1970، كانت حشود القوميين الاجتماعيين، ولم يمضِ على خروجهم من الأسر قرابة السنة، تزحف إلى بلدة شمسطار لوداع ابنها وأبن الحزب الملازم الشهيد علي الحاج حسن، الذي شارك في ما دعيت لاحقاً ب “المحاولة الإنقلابية الفاشلة” التي كان بشير، بصفته عميداً للدفاع، أحد قادتها الميدانيين.

كان نهاراً مشمساً، ساطعاً، طويلاً. فجأة، يعتلي المنبر شاب أسمر، في الأربعين من عمره، يقف منتصباً كالرمح، عيناه تلمعان عن بعد، صوته يهدر كعصف البحر في ليل مطير، سألت أحد الحاضرين: من يكون هذا الرجل؟ فأجابني مستغرباً سؤالي: ولو! إنه بشير عبيد، عميد الدفاع. (…)

المنفذيات الحزبية بالعشرات تتقدّم، بانتظام عزّ نظيره، إلى الساحة/الميدان لتأخذ أمكنتها المخصصة لها، أكثر ما لفت انتباه الحضور وفد منفذية الطلبة، كان يضمّ آلافاً من الصبايا والشباب، يحثون الخطى في صفوف رباعية بديعة النظام. (…) وفيما الموكب الجامعي يشق طريقه وسط الحشود، يصل، فجأة، موكب صبري حماده وكان رئيساً للمجلس النيابي في لبنان، ينزل مرافقوه من سياراتهم ليشقوا له الطريق فاعترضتهم عناصر من الانضباط القومي، وكاد يحصل شجار ما لبث أن طوِّق بسرعة، ويتسمّر موكب حماده في مكانه، لدقائق، حتى يؤذن له بالتوجه إلى حيث المقاعد المخصصة للرسميين، في أثناء المشادة الكلامية بين الحرس القومي ومرافقي حماده، يطلع صوت بشير عبيد شاقاً عنان السماء: “يا علي! لقد كنت حرباً على الإقطاع والإقطاعيين. يا علي! وصل الآن معزياً صبري بك حماده”! 73

افتتح بشير المهرجان الخطابي بكلمة تأبينية جاء فيها: ” أيها العلي: ما اجتمعنا اليوم، أهلك ومحبوك ورفقاؤك لنبكيك، فالبكاء حرام في عرس البطولة، ما اجتمعنا اليوم لنندب موتك فأنت لست ميتاً، أنت حيّ في قلوب عشرات الألوف من مواطنيك الذين آمنت بهم، فآمنوا بأنك واحد منهم لا تموت، بل تبقى خالداً ما خلدوا باستمرار أجيالهم (…). سَهْلٌ على المؤمن يا علي أن يموت موت فداء قضية مثلى، يعتبرها أقدس من حياته كفرد. لأنها قضية حياة شعبه وقومه، أرضه، ووطنه. لكنه ليس من السهل أبداً أن يعاشر الموت سنوات كما عاشرتَ في السراديب والظلمات وفي السجون وعلى أسرة الاستطباب.

وياما تذاكرنا في تلك الليالي السود، سنوصي بك الربيع كل ربيع، سنوصي بك الشتاء كل شتاء، سنوصي بك الفصول في أرضنا. نوصيك يا علي من هنا من أرضنا، جحافلنا من هنا مرت من منطقة البقاع.

ومن هنا مرّ الأشوريون والبابليون وغسلوا أقدام انتصاراتهم في البحر، ومن هنا مرت معارك اليرموك لتطرد البيزنطيين إلى الخارج، ومن هنا كرّ صلاح الدين إلى فلسطين.

وغداً يا علي، عندما تزحف الجحافل إلى فلسطين، إلى الأرض الذبيح الجريح رفقاً يا علي بالشهداء الأبطال أوصهم شُدَّ عزائمهم كن لهم منارة ومصباحاً.” 74

 

خطاب العاصي وعُصاتِهْ مدرسة أجيال…

كان بشير منهمكاً بالهم الحزبي، طامحاً للتغيير ضمن المؤسسة: “في مؤتمر ملكارت كان واحدا من الشباب الذين لديهم ميل للتغير في العمل الحزبي. خطيب بارع، يمتلك قدرة الإقناع، وهو المؤمن بالنهضة حريص على إيصال آرائه بسلاسة. رأى ومعه فئة من الشباب من أمثال جمال فاخوري، داوود باز، رضى خطار، وعارف فياض، أن العمل داخل المؤسسة هو الذي يصلحها، وهو من القيادات ذات الرمزية الخاصة نظرا لشجاعته التي أبداها خلال المحاكمات وطوال فترة السجن.” 75

“تمخض مؤتمر ملكارت عن توصيات منها إلغاء رتبة الأمانة، ووجوب انبثاق السلطة الحزبية ـ في حال قيامهاـ من القاعدة انبثاقاً ديمقراطيا، وتعديل الدستور لتشريع هذا الأمر. كما شددت التوصيات على مجابهة الخطرين الصهيوني والاستعماري، وعلى وجوب توضيح واستكمال نظرة النهضة القومية الاجتماعية في الميدان الفلسفي وخصوصا النظرة المدرحية والإنسان ـــ المجتمع (…) والنقد الذاتي… وشُرِحَتْ هذه العناوين بالتفصيل من قبل لجان متخصصة، جَهدت لوضعها خلال أعمال المؤتمر.

انتخب بناء على نتائج المؤتمر مجلس أعلى ضم مجموعة من الكوادر الشابة. وانتخب المجلس الجديد عبد الله سعادة رئيساً، وما لبث أن طُعن بشرعية انتخابه لقصر الفترة الزمنية التي ينص عليها الدستور. فعاد المجلس وانتخب الأمين يوسف الأشقر.” 76

“سنة 1971 نظمت منفذية الغرب رحلة إلى البقاع، واقترح الأمين محمود عبد الخالق (منفذ عام الغرب في تلك السنة) أن يكون في عدادها كل من عميد الإذاعة أنعام رعد، ورئيس المكتب السياسي عبد الله سعادة، وبشير عبيد.” 77

لم يكن لبشير أي مسؤولية مركزية سوى حضوره البهي وقدرته الخطابية التعبوية المتميزة، فها هو يخاطب القوميين على إحدى ضفتي العاصي بقوله: “أيها العصاة المجتمعون على العاصي، أيها العصاة الثائرون المجتمعون هنا على العاصي الثائر، ما أشبه هذا العاصي بذياك العاصي سعاده، وما أشبهكم أنتم بالعصاة الثائرين المجتمعين على العاصي الثائر الأكبر، وحقاً ما أشبه هذا العاصي بذاك العاصي الكبير. كل الأنهر تسير من الشمال إلى الجنوب إلا هذا العاصي عصى نواميس الطبيعة، كل الزعماء في بلادنا كلهم روح الغرب، روح الجنوب، روح الخارج إلا هذا النهر يختزن ما في جبالنا من تراث الرياح والأمطار والرعود والبروق وكل ما في أساطيرنا هنا في هذه الأرض المخصاب ليدفق بها ويروي هذه السهول التي تمتد حتى انطاكيا. (…)

العاصي سيبقى العاصي، سيبقى يربط لبنان بالشام حتى الاسكندرون، حتى انطاكية، ويدلل بذلك كما دلل العاصي الثائر سعاده: إننا شعب واحد وأرض واحدة وسماء واحدة وسنبقى كذلك لا تعيقنا الحدود والسدود وكل الكيانات المتناقضة. وكما استجمع هذا العاصي كل تراث أرضنا وسمائنا، أساطيرنا وتقاليدنا، قصائدنا وليالي الغزل تحت أشجارنا. كذلك جمع سعاده تراث أمتنا وفجره في النهضة: يناعاً وقوة ووجداناً! وسيبقى سعاده وستبقون أنتم، أنتم العصاة تلامذة العاصي الكبير وستبقون أنتم تخصبون هذا الشعب ولو كابر المكابرون. ما أشبهكم بهذا العاصي: تصوروا لو أنّ مياه العاصي تفرقت آلاف ومئات الآلاف من النقاط لتبعثرت لتشتتت لتبخرت في الشمس ولما أعطت ثماراً طيبة هنية شهية، وتصوروا، تصوروا القوميين الاجتماعيين كل واحد منهم نقطة ماء يجتمعون كلهم في جدول، في نهر في ينبوع أزلي من الإيمان والخصب والدفق وينطلقون ويزرعون الأرض، يحطمون السدود لا يهابون الشمس لا يخافون الرعود لا يخافون السجون، ينطلقون قوميون اجتماعيون بعصمات مشدودة إلى بعضها بعضاً، بانسجام وإيمان وزخم وقوة، ليرووا شعبنا بالخصب وأرضنا باليناع الا بورك العاصي الكبير، الثائر سعاده، وبورك هذا العاصي الطبيعي الكبير الثائر دائماً، وبوركتم أنتم العصاة تلامذة سعاده الكبير وأبناء هذا العصر.” (…)

وأنهى خطابه بالقول: ” نحن ثوار ونحن عصاة، نحن تلامذة هذا العاصي وذاك العاصي وسنبقى نثور وسنبقى ندفق وسنبقى نعطي إلى أن تخصّب هذه الأرض، من هنا إلى آخر حدودنا ويخصّب هذا الشعب ويستفيق حتى آخر مواطن من مواطنينا، وعند ذاك سيدفق العاصي خيراً خصباً كريماً إلى آخر الحدود وسيباركنا العاصي الثائر الكبير سعاده، ويقول لنا بوركتم بوركت أرضكم ومياهكم وبوركت سماؤكم ولكم المجد ولكم العزة .” 78

قرأ الدكتور علي حمية في وقفة بشير وصداها فقال: “أنهى كلامه فارتفعت عاصفة من الهتافات والتصفيق الحاد، أهذا الكلام(…) كلام أديب أم كلام عميد الدفاع؟ من يوقع مقالاته باسم “صنين” هو كاتب أم مقلعجي، يكتب بالقلم أم بالسكين ومداد قلمه أسود أم دم أحمر؟” 79

“شكلت رحلة البقاع مفترقاً، واعتبرت المشاركة المركزية فيها “نوعاً من التفرد من قبل جزء من مجلس العمد، وكأن الرحلة نظمت من دون علم السلطة. في مرحلة شهدت السلطة الحزبية تجاذبات عديدة، وصلت (…) إلى حدِّ صدور قرار عن رئيس الحزب يوسف الأشقر بإقالة عدد من أعضاء مجلس العمد، وأعد الأشقر مطالعة ضمنها نقداً لنهج معين، ليلقيها في اجتماع هيئات المنفذيات (…) بحضور رئيس المجلس الأعلى الأمين عصام المحايري، وقد أعلن الأخير في ذلك الاجتماع أن المجلس الأعلى أقال رئيس الحزب. (…) وهكذا دخل الحزب إلى كهف الأزمات الحزبية الواضحة. (…) وبدأت حركة احتجاج داخلي عرفت ب “التنظيم السري” التي كان رئيسها ومرشدها الدكتور عبد الله سعادة.” 80

“تداعى الرفقاء الملتزمون بخط مقررات مؤتمر “ملكارت” إلى لقاءات عديدة (…) وتزايد عدد المتحاورين حتى شمل نسبة كبيرة من الذين مارسوا سلطات قيادية في الحزب، ومن قيادات الفروع.” 81

 

البعيد عن “المحاور” رئيساً للمجلس الأعلى

“نأى بشير بنفسه عن هذه الحركة وهو صاحب الدور المتميز في مؤتمر ملكارت وبقي على تمسكه بمؤسسات الحزب، ومع ذلك بقي على وفاق مع الدكتور سعادة.” 82

في هذا الوقت جرت انتخابات المجلس القومي، وانتخب عارف فياض رئيساً له وفؤاد كبول ناموساً، ثم عقد المؤتمر الحزبي في فندق برنتانيا، وخلال المؤتمر سمى ياسين عبد الرحيم، المناوئ لأركان التنظيم السري، لائحة لانتخابات المجلس الأعلى ومن ضمنها كان بشير عبيد وعارف فياض وعصام المحايري، ورامز صباغ وعاصم الداعوق وداوود باز ورضا خطار… وسواهم، وفازت تلك اللائحة، التي بدورها انتخبت بشير رئيساً للمجلس الأعلى.”  83

انتخب ذلك المجلس الأمين أسد الأشقر رئيساً للحزب، “لكن الأمور لم تستقم بل استمرت التجاذبات التي أدت بالرئيس أسد إلى تقديم استقالته، لينتخب بعده الأمين يوسف رئيساً الذي لم تتجاوز فترة رئاسته الثلاثة أشهر، فقد قدم استقالته، ثم حاول العودة عنها لكن المجلس الأعلى حزم أمره وقبل الاستقالة. وانتخب الدكتور عبد الله سعادة رئيساً، سبق ذلك قيام ما عُرِفَ بحركة المنفذين العامين، وكان شرط وقف التحرك استقالة سعادة وتشكيل لجنة رئاسية ثلاثية. “رفع سعادة استقالته إلى المجلس الأعلى فوافق عليها، وعلى الحل القاضي بتشكيل لجنة رئاسية قوامها الرفقاء: مصطفى عز الدين، الياس جرجي، وحافظ سليم لقيادة الحزب وتأمين وحدته، على أن تكون قراراتها بالإجماع، ولكن هذه اللجنة لم تعمر طويلاً، (…) وحصل الانقسام حيث شكل الفريق المتمرد مؤسساته الحزبية كاملة، فيما انتخب المجلس الأعلى الرفيق إنعام رعد رئيسا للحزب”. 84

“عاصر بشير أكثر من رئيس للحزب ومنهم عبد الله سعادة وإنعام رعد، وفي كل المراحل التي وجد فيها كان بشير المحرك والدينامو للإدارة الحزبية، وطموحه الحزب أن ينتشر في مختلف المناطق، كما يؤكد الأمين حافظ الصايغ، وهو شكل بالفعل حالة حزبية متميزة ومتقدمة في منطقة المتن بشكل خاص، فكان اسماً ومناضلاً، نشر وعياً قومياً اجتماعياً في منطقة المتن الشمالي، متحديا الظروف القاسية التي كان يمر بها لبنان، والتي كانت تحاول بث النزعة الطائفية والمذهبية، فهذا الماروني من منطقة الجبل، حمل مشعل أنطون سعاده وشكل رافعة للنهضة في منطقة الجبل، والعديد العديد من أبناء المتن الشمالي الذين انتسبوا للحركة انتسبوا بسبب الألق الذي خلقه بشير عبيد في منطقتهم. لم يحاول بشير يوماً أن يخلق لنفسه محوراً خاصاً داخل الحزب مع أنه لو فعل لوجد حوله الكثيرين ممن أُخذوا بشخصيته القيادية، فهو من المؤمنين بأهمية المؤسسات، وكان متمسكاً بها تمسكه بإيمانه العقائدي.

عندما مرَّ الحزب بالعديد من الأزمات الداخلية وخصوصاً عند انتشار حال الفئوية والمحاور، تحاشى بشير خوض غمار هذه السياسة، لأنه رأى أن الفئوية في الحزب قاتلة والانقسامات مميتة، وأن انحيازه إلى جهة معينة داخل الحزب، في ظل الصراعات التي كانت قائمة يسيء إليه، وإلى صلابة موقفه الإيماني، ومع أن هناك من صنَّف بشير في خانة فريق عبد الله سعادة، فقد رفض فكرة التنظيم السري، حرصاً منه على المؤسسات الحزبية، فلا تنظيم سري ولا سواه تَمكن من حرف بشير عن أهمية الالتزام. لقد شكل عبد الله سعادة حالة اعتراضية في الحزب، لكن هذه الحالة شلت العمل من دون أن تنشئ حالة أخرى، وحركة الأفراد الكوادر الذين مشوا في هذا المسار لم تستمر طويلاً، بل عاد جميعهم إلى الحزب وتولى بعضهم المسؤوليات العليا فيه.” 85

 

المراجع

1ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ط أولى، 1987 ص: 71

 2ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، مؤسسة إنعام رعد الفكرية، ط أولى، 2002، ص 89

3 ـ المصدر السابق ص: 91 و98

4 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 64 و65

5 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة ص: 105

6 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 72

7 ـ من مقابلة الأمين سليمان الصايغ، ت: 01/05/2017

8 ـ جريدة البناء العدد 680، ت: 26/10/1960، كما تخلل ذلك المهرجان كلمة باسم أهالي البلدة ألقاها هنري غالب الأشقر، وألقى كل من الرفيقين طانيوس فرحات بجاني وأسعد عبدالله صوما قصيدة شعر قومية. واختتم المهرجان بخطاب رئيس الحزب عبد الله سعادة.

9 ـ من مقابلتي الرفيقين أنطون أكزم ت: 22/02/2017، ومقابلة وهيب بو صعب ت: 30/02/2017

10 ـ المصدر السابق

11 ـ المصدر السابق

12 ـ المصدر السابق

13 ـ النشرة الحزبية الرسمية تشرين أول 1961

14 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخير ـ البناء العدد 229 ت: 5/1/1980

15 ـ من مقابلتي الأمين أسعد خباز ت: 22/3/2017، والأمين سليمان الصايغ ت: 1/5/2017

16ـ   عبد الله سعادة، أوراق قومية، (خيانة رياض درويش) ص: 106و107و108

17 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخيرـ البناء

18 ـ عبد الوهاب التركماني، رحلة العمر، الطبعة الأولى، 2007، ص: 137و 138

19 ـ من مقابلة الأمين جوزيف سبعلي

20 ـ حديث بشير إلى مجلة صباح الخيرـ البناء، العدد 229

 21 ـ من مقابلة الأمين ميشال خوري ت: 01/12/2016

22 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ط أولى  1973، ص: 189

23 ـ المصدر السابق، ص: 189

24 ـ المصدر السابق، ص: 193 و197

25 ـ المصدر السابق ص: 206 و ديب كردية، قسمي وصيتي، ط الأولى  2007 ص: 62

26 ـ بشير عبيد، مقالات ومواقف، ص: 249

27 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

28 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ص: 208 وص: 199و 200و201

29 ـ من ملفات المحكمة العسكرية

30 ـ من مقابلة عفيفة عبيد وحديث أسعد عبيد مع مجلة صباح الخير

31 ـ من ملفات المحكمة العسكرية

32 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

33 ـ من ملفات المحكمة العسكرية

34 ـ حديث أسعد عبيد مع مجلة صباح الخير

35 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

36 ـ من مشاركة الدكتور ميلاد سبعلي بندوة “جمعية حق وخير وجمال”

37 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

38 ـ جريدة النهار، 16 شباط 1962

39 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

40 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

41 ـ المصدر السابق

42 ـ المصدر السابق

43 ـ إنعام رعد الكلمات الأخيرة، ص: 129

44 ـ من مقابلة الأمين ميشال خوري

45 ـ من مقابلة الأمين رضا كبريت، ت: 24/12/2016

46 ـ شوقي خير الله، سراديب النور ص: 236 و237

47 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق، ت: 10/12/2016

48 ـ المصدر السابق

59 ـ فايز حلاوي، يوميات مناضل، دار ومكتبة التراث الأدبي،2010، ص: 69 و70

50 ـ من مقابلة سليمان الصايغ

51 ـ من مقابلة جوزف سبعلي

52 ـ سعيد تقي الدين، أنا والتنين يوميات في كولومبيا، دار النهار للنشر، 1970، ص: 19

53 ـ من مقابلة هالة خلف عبيد، 15/01/2017

54 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

55 ـ من مقالة الأمين جبران جريج “بطاقة حزبية”

56 ـ مذكرات شوقي خير الله، دار الجديد، 1990، ط: أولى  ص: 613

57 ـ شوقي خير الله، قصة الحزب، 2008، ط: أولى، ص: 181

58 ـ من ملفات المحكمة العسكرية، أيضا بشيرعبيد، أراء ومواقف ص:248 وحتى 257 نشرت مرافعته كاملة

59 ـ المصدر السابق

60 ـ المصدر السابق

61 ـ المصدر السابق

62 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

63 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة ص: 290

64 ـ المصدر السابق 288

65 ـ عبدالله سعادة، أوراق قومية، ص: 213

66 ـ انعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 143

67 ـ فؤاد عوض، الطريق إلى السلطة، ص: 294

68 ـ مذكرات شوقي خير الله عن دار الجديد سنة 1990، ص: 642

69 ـ من مقابلة عفيفة عبيد ومقابلة يوسف غصوب

70 ـ من مقابلة الأمين بهيج أبو غانم، ت: 01/03/2017

71 ـ من مقابلة الرفيق غسان أبو حمد، ت: 04/02/2017

72 ـ من مقابلة الأمين وليد زيتوني، ت:19/03/2017

73 ـ من مشاركة الدكتور علي حمية في “ندوة جمعية حق وخير وجمال” ت: 23/3/2017

74ـ خطاب بشير عبيد المنشور في جريدة برمانا، 21 نيسان 1970

75 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

76 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 234 حتى 241 توصيات مؤتمر ملكارت

77 ـ المصدر السابق، ص: 167 و168 و169

78 ـ من خطاب بشير عبيد في رحلة 4 نيسان 1971 إلى البقاع، نشرت في 17 نيسان في مجلة البناء، ص: 12 و13

79 ـ من مشاركة الدكتور علي حمية في “ندوة جمعية حق وخير وجمال”

80 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص 169 و170

81 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص:229

82 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

83 ـ من مقابلة الأمين عارف فياض، ت: 18/12/2016

84 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص:262

85 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ، ت: 27/02/201

 

الفصل الثالث: رئاسة المجلس الأعلى والقيادة العسكرية في الجبل

 

“مجنون” بحب تراب بلده يقود محاور القتال

“وافق المجلس الأعلى في مؤتمر “دوفيل” على العودة لانبثاق السلطة من الأمناء، (لكن لم يؤخذ بهذا الأمر إلا خلال مفاوضات الوحدة) وعلى الرغم من ذلك استمر التأزم وتثبت الانقسام. وكان واضحاً للجميع أن الفريق المتمرد على علاقة جيدة مع النظام الشامي، بينما الفريق الأول تربطه أواصر التحالف مع المقاومة الفلسطينية، واندلعت الحرب الأهلية في نيسان من عام 1975.” 1

“…نحن مجانين بحب لبنان وكل قطعة من وطننا بل بحب كل حبة تراب وكل سنديانة وكل نبعة وكل عصفور فيه. نحن متيمون عشقاً بأرضنا وشعبنا الطيب الأصيل، الذي مهما حاولوا تهجينه سيبقى خميرة لانبعاث جديد، ونحن عاشقون لتاريخنا وتراثنا بمقدار عشقنا لأحلامنا وآمالنا المستقبلية الواثقة المشرقة. نحن في حبنا لوطننا وأمتنا نكاد نغني عشقاً، فنحس أن أمتنا فينا ونحن فيها، وأن وطننا في حبنا هو كل الحب، وحتى الحبيبة هي الوطن والحبيبة معاً. ونحن في تصوُّفِنا بحبنا مجانين حتى الاستشهاد.”  2

لعل هذه الكلمات تلخص موقف بشير الحاسم، من خلال موقع الحزب، الذي قرر مع بداية اندلاع الحرب الأهلية مواجهة أصحاب مشروع تقسيم لبنان، والدفاع عن المقاومة الفلسطينية، صفاً واحداً مع القوى الوطنية اللبنانية ومواجهة العدو الصهيوني. وفي هذا السياق يقول بسام أبو شريف: “دفع فشل “إسرائيل” في تحقيق أهدافها أجهزة المخابرات الغربية و”الإسرائيلية” لتركيز الجهود في لبنان لمنع امتداد روح المقاومة بين الشباب الوطني اللبناني، وكان التركيز على الأحزاب والمنظمات التي ترفع شعارات وتضع برامج مواجهة العدو “الإسرائيلية” الامبريالي. وفي الوقت ذاته خاضت الأحزاب الوطنية والقومية نقاشات وحوارات داخلية معقدة حول استراتيجياتها، ذلك أن بعض القوى اعتبرت أن ربط استراتيجيتها باستراتيجية سوريا (وهي استراتيجية توازن القوى وتعديل ميزان القوى)، هي الأنسب، بينما فضلت قوى أخرى فكرة تدريب وتسليح الشباب الوطني والشباب القومي لخوض غمار المقاومة جنباً إلى جنب مع المقاومة الفلسطينية، ورأت فيها الطريق الأصح، وكان للحزب السوري القومي الاجتماعي حصة كبيرة في هذه النقاشات والتجاذبات، فهو الحزب الذي رفع شعار التصدي المسلح للعدو الصهيوني.

وكان بشير عبيد من المتحمسين والمصرين على ضرورة تدريب وتسليح الشباب القومي للقيام بواجبه في التصدي للعدو الصهيوني. ليس هذا فقط بل أصبح من قادة الدعاة لهذا الخط. عندما كان يتحدث عن مقاومة العدو كان يتوقد ويتحول إلى كتلة من الاندفاع الثوري الذي لا يرى سوى القتال طريقاً للتصدي للعدو الصهيوني التوسعي، ولم يرَ اطلاقاً أن هناك تناقضاً بين إعداد دولة وطنية لمواجهة “إسرائيل”، وبين ممارسة الكفاح المسلح ضدها من قبل الأحزاب والحركات المسلحة.” 3

“كانت قيادة جبل لبنان في تلك الحرب ذات مستوى رفيع، فهي مثلت القيادة الوطنية المركزية، وعلى رأسها كمال جنبلاط، وكان في عدادها رئيس المجلس الأعلى بشير عبيد الذي تولى إمرة منطقة الجبل العسكرية والسياسية، منطقة الثقل العسكري للحزب، وقد واجه القوميون الاجتماعيون صعوبة بالحصول على السلاح، وراحت قيادتهم تبحث عن مصادر للتسلح، فقصدت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان جواب المسؤول فيها تيسير قبعة أن من يمتلك مستودع السلاح هو أبو عمار. سلكت قيادة الحزب الطريق الصعب، وقصدت “أبو عمار” الذي كان يتفنن في تسويق الأسلحة القديمة العائدة إلى أربعينيات القرن الماضي وجُلُّها من مخلفات الحرب العالمية الثانية.

 شهدت حرب السنتين العديد من عمليات الخطف على الهوية، وأحيانا خطف أجانب، ويوم خُطِفَ الكولونيل الأميركي أرنيست مورغان قيل أن الجبهة الشعبية ـــ القيادة العامة خطفته. و”بعد اختفائه دعا أبو عمار أحزاباً ومنظمات لتوقع بيان استنكار لعملية الخطف، حضر الاجتماع رئيس الحزب إنعام رعد ورئيس المجلس الأعلى بشير عبيد، وعندما اطلعا على مضمون البيان، رفضا توقيعه وقالا أنهما لا يريان أن الاستنكار من مهام الأحزاب والقوى الوطنية، ثم انسحبا من الاجتماع.

كان عقاب الحزب قطع الذخائر عنه والسلاح القديم، وإلغاء اتفاقات تدريب كوادر الحزب. بالطبع أراد أحمد جبريل بعد هذا الموقف أن يتعرف إلى قادة الحزب، وهم لم يكونوا على معرفة به، يوم اتخذوا موقفهم المبدئي، ويوم التقوه أشاد جبريل بالحزب، وذكر لهم أنه قومي سابق من الخمسينات، ونشأت بينهم علاقة ودية منذ ذلك الوقت.” 4

تحدث أحمد جبريل عما جمعه بقيادة القومي من علاقة متميزة وفي طليعتهم بشير الذي لا يمكن أن ينساه: “… وهل ينسى بشير وهو الذي ربطتني به صداقة نضالية متجذرة، هوالقائد القومي صاحب المواقف الصلبة في الدفاع عن وطنه وقضيته وبالتالي عن القضية الفلسطينية، ولطالما جمعتنا لقاءات طويلة، أبدى حرصه خلالها على مصلحة حزبه، وبالتالي وطنه وقضيته، ويشهد كل من كان في زمانه على جسارته في مواجهة من حاولوا تقسيم لبنان، وخوضه أشرس المعارك من ضهور الشوير إلى جبل لبنان، خاض الحرب بخلقية الفارس الشجاع، وكان راديكالياً إلى أقسى الحدود، صلباً وعنيداً، بينما كان غيره يساير الأوضاع أحياناً.” 5

 

نِدِّيَة …لا تبعية ولا استعاب

“شهدت بداية الأحداث نقاشات حادة في العديد من الاجتماعات بين بشير وأبو عمار وأبو أياد حول دور الحزب وتسليحه، كون بشير ذلك الشاب الطافح عنفواناً وحيوية وإيماناً بأهمية الحزب ومكانته، والذي تولى مسؤولية عميد دفاع ولم يبلغ الثلاثين من عمره، وخاض تجربة الانقلاب والسجن،  كل ذلك جعله يرفض فكرة التبعية للمقاومة، والإصرار على أن كيان الحزب يجب أن يبقى محفوظاً ومحترماً من قبل الحلفاء، والتعامل معه تعاملاً ندياً، وان كان عنوان المرحلة حماية المقاومة الفلسطينية، فقد رفض بشير طريقة وأسلوب تعامل أبو عمار الفوقي مع الحزب، وتوطدت العلاقة أكثر مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومع شخصيات من قماشة جورج حبش، أحمد جبريل، أبو علي مصطفى، بسام أبو شريف وأبو ماهر اليماني.” 6

“كان بشير كبير الثقة بالحزب؛ يراه أكبر من كل التنظيمات التي كانت قائمة، وهذا ما جعله غير موافق على سلوك المركز تجاه المقاومة الفلسطينية، فرفض التبعية وتعامل مع أبو عمار معاملة ندية، كان طامحاً لأن يعي كل المسؤولين في موقع القيادة أهمية حزبهم وعراقته.” 7

“مواقف بشير كانت حاسمة مبدئية،  فمهما استُفِزَّ الحزب عليه أن لا ينزل إلى مستوى الخطاب الطائفي أو الصراع المذهبي الذي ساد بين الناس، ولكنه في الوقت عينه كان يرفض رفضاً قاطعاً أي موقف استعلائي يتخذه حليف تجاه الحزب، فالحزب ومواقفه واضحة كعين الشمس، إن لجهة عدائه لـ”إسرائيل” أو لجهة رفضه الانقسامات الطائفية، وهذا ما جعل بشير يتحفظ على مواقف ياسر عرفات الذي أدخل منظمة التحرير الفلسطينية في زواريب بيروت، ومنها في زواريب الميليشيات والصراعات الداخلية علي الساحة اللبنانية داخل الفريق الواحد، ويوم كانت بيروت الغربية كلها موحدة لمواجهة المشروع الانعزالي، كان أبو عمار يزرع في قلبها بعض الفصائل الموالية له، لتكون أدوات أمنية تحقق بعض الغايات الخصوصية على حساب الصراع الأساسي بين المشروع “الإسرائيلي” المتمثل في القوى الانعزالية، وبين المشروع الوطني، وكان بشير يعتبر أنه فلسطيني أكثر من “أبو عمار” فلا يجوز أن يكون هناك تشكيك أو ضغط أو حرمان من التسليح والدعم، ولكن أبو عمار كان يبتز الناس، وبشير يرفض قطعا سياسة الابتزاز، فالحزب في وضع صعب إن لم يمتلك السلاح يقضى عليه.” 8

بعد استلامه لقيادة الحزب في منطقة الجبل، “تنقل بشير، بداية الأمر، بين بيروت وعاليه يبيت بعض الليالي في مركز المنفذية، أو يتنقل بين منزلي الأمين بديع خوري والرفيق ناجي حداد، وفيما بعد أخذ منزلاً له في سوق الغرب.

في البداية بنى بشير علاقة جيدة مع قيادات فتح التي تواجدت في موقع رأس الجبل قرب عاليه، ومع أبو حسن سلامة الذي نال ثقته أكثر من ثقته بـ “أبو عمار”، وطالما التقى سلامة في بيت الأمين كمال خير بيك، كما توطدت علاقته بأحمد جبريل. كما أنه اتخذ المواقف الحاسمة الواضحة خلال اجتماعات الحركة الوطنية، مواقف تنم عن شجاعة يُحسب حسابها، بينما رئيس الحزب إنعام كان دبلوماسياً في مواقفه، لكن معظم الاجتماعات كان يحضرها بشير، يرافقه أحياناً الأمين عبد الله قبرصي أو الأمين كامل حسان.” 9

” إضافة إلى شجاعته في مواجهة المواقف الصلبة، تميز بشير بوقفاته المنبرية، يتحدث بلغة سلسة جميلة، وكلام ارتجالي متماسك يعبر فيه عن قناعة ثابتة بمبادئ حزبه وقضيته، وعن التوافق والانسجام بين منحى الحزب بوصفه جزءاً من الحركة الوطنية وبرنامجها الإصلاحي السياسي الهادف للتغيير الديمقراطي، لبناء لبنان العلماني الديمقراطي، فهاتان النقطتان في السياسة، كانتا أساساً في خطابه، كما كانتا أساساً في العمل الوطني المشترك.

قاد بشير القوميين خلال مشاركتهم في المواقع المباشرة الدفاعية والهجومية؛ دفاعية عن مناطق الجبل الجنوبي الذي هدف المشروع الفاشي الانعزالي الطائفي الإطاحة به، ولو نجح في مخططه لكان غيّر طبيعة لبنان، لكنه اصطدم بالقوى الوطنية الأساسية المتضامنة التي قدرت على حماية الجبل، وقسم كبير من بيروت وبالتالي المناطق اللبنانية الأخرى، باستثناء منطقة صغيرة، سيطر عليها أصحاب المشروع المعادي باسم الميليشيات، وبما حظوا به من دعم قوى السلطة والجيش وغيرهم، فالمواجهة في معارك الجبل لم تكن قتالية وحسب، وما كانت تنتقل إلى الجانب القتالي لو لم تكن بهجمتها قتالية وليست سياسية فقط، وقد كان بشير على الجبهة السياسية والفكرية أكثر إنتاجاً وفاعلية، وهذا لم يلغِ تجلي ذلك في المواقع التي شارك فيها الحزب القومي مع بقية الأحزاب الوطنية للدفاع عن المناطق الوطنية، وبالتالي عن وحدة البلد ومنع تفتيته، وبشير عبيد كان في هذا الموقع الأساسي الفكري السياسي. بشير المقتنع بالقضية، صار تركيزه الأساسي مع الحلفاء كيف تكون المواجهة بأفضل السبل.

في حركته اليومية كان قريباً من الناس اجتماعياً متواضعاً، يتميز بالشجاعة والجرأة والاستقامة، يقول ما هو مقتنع به، وهو في الحقيقة كان مشاركاً لبقاً، من دون أن تكون اللباقة هنا تغطية لموقف لا يود قوله كما هو، لا، بالعكس يعبر عن موقفه بكل شفافية وعمق، في اجتماعات كانت النقاشات تدور فيها حول: أين أصبحنا سياسياً وكيف نواجه؟ وهنا تكون الجبهة السياسية والفكرية والإعلامية، ويكون بشير من روادها، وكيف نحمي مواقعنا وندافع لنصل إلى إفشال المشروع الآخر الانعزالي التقسيمي المهدد لوحدة لبنان، وللحد الأدنى من سيادته واستقلاله، حتى لا يصبح تابعاً لـ “إسرائيل” ويشكل حلقة ثانية في كمب ديفيد، الذي كان أنور السادات قد مشى به مع مناحيم بيغن والولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما كان سيشكل في الداخل اللبناني عنصر تفجير للوضع، يطيح بكل مقومات البلد.” 10

حزمه ووضوح مواقفه جعلاه يحوز “على احترام الشهيد كمال جنبلاط ومحبته، وكان بشير يتفهم موضوع المنطقة ويعرف الواقع السائد، لذا كان يدرك جيداً المسافة التي تفصل كمال جنبلاط عن ما هو قائم. أعجب جنبلاط الإنسان الصادق الشفاف العلماني، ببشير الذي يمتلك الصفات عينها وتبادل معه المحبة والاحترام.” 11

وفي هذا السياق يروي الأمين رياض عيد الذي كان ناظر تدريب منفذية الغرب، أنه ذات يوم تأخر عن الحضور في وقته المعتاد إلى مقر قيادة الجبل. سأله بشير عن السبب، فأخبره أنه ذهب باكراً لصيد الطيور، وبعد أن استفسر عما اصطاده، طلب منه أن يخبره في المرة المقبلة ليصطحبه، فهو يحب الصيد أيضاً. أجابه رياض على الفور ساعة تشاء، فقال بشير: غداً. وتوافق الرجلان على اللقاء في الصباح الباكر، عندها طلب من رياض أن يمر لاصطحابه من بيت كمال جنبلاط. فسأله مندهشاً من بيت كمال جنبلاط في هذا الوقت المبكر؟! رد بشير: “نعم في الخامسة من صباح كل يوم أقصد بيت جنبلاط، حيث نعقد جلسة فكرية فلسفية سياسية؛ هي من أمتع الجلسات، فهناك جانب فلسفي عند كمال جنبلاط لا يعرفه الكثيرون. هي ساعة يتجلى فيها الفكر الفلسفي والسياسي، ونتبادل خلالها وجهات النظر بعمق.

توطدت العلاقة بين القائدين، حتى تحولت إلى صداقة عميقة واحترام متبادل، وهذا ما حمل كمال جنبلاط أن يقول حين طرح موضوع انتخاب رئيس جمهورية للبنان: “إذا كنتم تريدون رئيساً مارونياً، نحن لدينا رئيس ماروني مهم وغير عادي ونعتبره يمثلنا، وهو الأستاذ بشير عبيد”، وهذا ما دل على عمق التحالف الذي جمع الحزب السوري القومي الاجتماعي عبر بشير عبيد، مع كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي وقائد الحركة الوطنية في تلك الفترة.” 12

تحدث رجا عبد السلام، مرافق بشير، عن علاقة وجدانية قامت على الثقة والمحبة والمودة والاحترام وجمعت بشير بكمال جنبلاط، فكان يزوره من وقت لآخر وبعد كل لقاء كان يعود بشير منشرحاً مرتاحاً. كما ربطت بشير بريمون إده علاقة جيدة وقد زاره في منزله عدة مرات.” 13

لا ترهبه القذائف … قائد يبني قيادات

“لم يكن بشير قائداً من خلف المكاتب، بل كان يتحدى المخاطر بصدره، وقد تعرض للموت عندما أصيب المبنى الموجودة فيه غرفة القيادة بقذيفة صدعتها.” 14

يذكر رياض عيد وعدد من الذين تواجدوا عند وقوع تلك الحادثة أنه: “بينما كان بشير في مقر قيادة الجبل الكائن داخل فندق البحار، يعمل على توزيع مقاتلين اجتمعوا في باحة الفندق الخارجية لتبديل مقاتلي المواقع، تعرضت مدينة عاليه لقصف شديد بعد معركة جرت في منطقة القرطباوي، وطاولت عدة قذائف 155 الفندق، وسقطت إحداها فوق مكتب بشير، تفرق المقاتلون، وركض عدد منهم مذعوراً باتجاه المكتب. دخلوه وقد اكتست الأرض بالحجارة والأنقاض وحجب الغبار الرؤية، صرخ منير خطار أحد مرافقي بشير: أمين بشير صابك شي؟! فانتصب واقفاً كجبل وأجاب: أنا ما حدا بيقتلني، ما فيي شي إنتو بكم شي ما تخافوا عليي. وخرج مسرعاً يتفقد مكان سقوط القذائف ويساعد بإسعاف عدد من الجرحى. هذا البطل الذي كان الغبار يكسوه، وكادت القذيفة أن تودي بحياته، لم يشعر بضعف أو خوف، ولا وقف مرة أمام القوميين متردداً.

لقد خاض الحزب بقياديته أهم المعارك المفصلية على الساحة اللبنانية، بِدأً من عاليه القرطباوي، إلى الغرب الساحلي، وصولاً إلى المتن الشمالي،  وخصوصاً بلدات المتين ، عينطورة وضهور الشوير… وخلال تلك المعارك قاتل الحزب على كل الجبهات، وكان بشير يتابع أدق التفاصيل ميدانياً، فما دخل الحزب معركة أو اقتحاماً إلا وكان بشير ينتظر عودة الرفقاء، ولا يغادر المركز حتى يطمئن إلى كل واحد منهم ويتواصل معهم فرداً فرداً، وهذا يدل على شخصية هذا القائد المميز الذي ما ترك في لحظة من اللحظات رفقاءه في الميدان، إلا وكان بكل حواسه معهم.” 15

رفدت منفذية بعلبك في تلك المرحلة وبناءً للتوجهات المركزية الجبهة بالمقاتلين ونقلت السلاح إلى المواقع حسب التوجهات المركزية وقيادة الجبل الممثلة الأمين بشير، كما تحدث عن تلك المرحة ناظر التدريب في هيئة المنفذية الرفيق علي الحاج حسن، وقال: يومها استأذنته بالاستعانة بالشيخ صادق وهو شيخ إحدى قرى جوار مدينة بعلبك، وهو شاب عشريني تابع معي حلقات إذاعية وشرحت له مبادئ الحزب وغايته. فوضع نفسه بتصرفنا، وصرت أصطحبه بعمامته وجلبابه في سيارتي التي أنقل فيها السلاح إلى مواقع الحزب، ونمّر على حواجز الجيش اللبناني فلا يتعرضنا احتراماً للشيخ وعمامته، إلى أن دبً الحماس بالشيخ نتيجة اللقاءات والحوارات وقرر أن يلتحق بالجبهة… وبعد أيام طلب مقابلة المسؤول العسكري. وبعد اتصالي به، استقبله الأمين بشير وراح الشيخ يشرح له بإسهاب عن المعركة وتواجد الخصوم والأصدقاء ورسم له خارطة عن المواقع وتوزع القوى.. وبعد انتهائه استدعاني الأمين بشير وسألني هل أقسم الشيخ اليمين؟ فأجبته بالنفي فقدّم له قطعة سلاح “كلاشنكوف” هدية وأعطاه مأذونيّة.. وبعد مغادرة الشيخ قال لي الأمين بشير: … صحيح أنه عندما لبس الثياب القتالية أصبح كالآخرين، لكن لهجته واللكنة الفارسية واضحة، لو أسر لأحدث فضيحة… وستقول الصحف أننا نأتي بمقاتلين من ايران؟! فأكدت له أنه عراقي ومعروف لديّ شخصياً وقد شاهدت هويته.. فقال الأمين بشير: “… كم يصبح رجل الدين مهماً حين يخرج من مذهبيته إلى رحاب الوطن”. 16

لم تقتصر قيادة بشير على المعارك العسكرية، بل كان يعمل على تدريب المقاتلين، وتنشئتهم على القيم والمبادئ العقائدية من خلال إخضاعهم لدورات عسكرية تثقيفية، “فأقيم مخيميّْ عين زحلتا سوق الغرب وحمل الأخير اسم ثكنة الشهيد غسان جديد، وأقيمت في المخيمين العديد من الدورات، التي شهدت تخرج العشرات من الكوادر العسكرية المتسلحة بالوعي العقائدي.” 17

كما حرص بشير على تربية الكوادر القيادية وتنمية مواهبها، يوكل إلى المؤهل منها مهام رئيسية، كأن يحل أحدهم محله في اجتماعات الأحزاب الحليفة. ذات يوم كلف رياض عيد ليمثل الحزب في اجتماع للحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط، وذلك بعد استشهاد أحد الضباط في الشوف، رياض ابن الواحدة والعشرين سنة من عمره أرتبك، وهو الذي لم يلتق يوماً بكمال جنبلاط، لاحظ بشير قلقه وحيرته، فصرخ به: أنت ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، تدخل إلى الاجتماع وحين يبدأ الكلام، تطلب الإذن وتتكلم بصوت مرتفع، وتقول لكمال جنبلاط أنا الرفيق رياض عيد ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعد أن تبلغ تحيات رئيس الحزب ورئيس المجلس الأعلى، تقول: لقد انتدبني حضرة الرئيس وحضرة رئيس المجلس الأعلى لأمثل الحزب في هذا الاجتماع، وأنا أضع إمكانات الحزب في تصرفكم، ولنا ملء الثقة بأن إيمانك بوحدة الجبل وبقاء النسيج الاجتماعي في لبنان، سيدفعانك لاتخاذ القرار المناسب لمنع الفتنة، وهذا هو دورنا في حزبنا.”

 في طريقه إلى الاجتماع، أخذ رياض يردد كلمات بشير، حتى حفظها عن ظهر قلب، وصل إلى الشوف ودخل قاعة الاجتماع، فكان أصغر الموجودين سنّاً، في اجتماع ضم إلى كمال جنبلاط، أبو جهاد وأبو المعتصم من القيادات الفلسطينية، وكل قيادات الحركة الوطنية بمن فيهم جورج حاوي ومحسن ابراهيم، وعدد من ضباط الجيش الشعبي، وعندما دخل سألوه من أنت، أجاب أنا موفد من قبل رئيس الحزب إنعام رعد ورئيس المجلس الأعلى بشير عبيد، انتدبت لأمثل الحزب السوري القومي الاجتماعي، في هذا الاجتماع، وخلال الجلسة قام رياض بالدور المنوط به على أكمل وجه وبكل ثقة. يستطرد رياض قائلا: كان الأمين بشير يعلم القوميين أساليب القيادة الصحيحة.”  18

شارك بشير خطيباً في تشييع الشهداء، وركز في كلماته على تحديد المفهوم السليم لمشاركة الحزب في الحرب وقارن ذلك مع ما يدعي الطرف الآخر بأنه يقاتل من أجله: “هم يقاتلون ويقتَلون من أجل تقسيم لبنان ونحن نقاتل ونستشهد من أجل وحدته. هم يدّعون أنّهم يقاتلون من أجل إنقاذ لبنان، وممن سينقذونه وكيف ينقذونه؟ وأيّ إنقاذ للبنان بتمزيقه وتقسيمه؟ أيّ إنقاذ للبنان بإشعال الفتنة الطائفية بين أبنائه؟ أيّ إنقاذ للبنان بتدمير اقتصاده وازدهاره؟ أيّ إنقاذ للبنان بحرب إبادة وبضرب الحركة الوطنية والجماهير المسحوقة وتصفية المقاومة الفلسطينيّة البطلة؟!” 19

في موقع آخر أكد بشير على أن الحزب لا يبغي مكاسب خاصة: “نحن لم نقاتل حقداً على أحد ولا لأجل تنكيس أحد. ما قاتلنا من أجل مكاسب سياسية محلية ولا مطامع مادية حقيرة ولا لأغراض طائفية أو إقطاعية، حتى الذين قاتلونا تحت هذه الشعارات وبدوافع منها، قاتلناهم نحن بإيمان قومي وعقيدة اجتماعية، ومناقب سامية وأخلاق هي أخلاق الثوار الحقيقيين، قاتلناهم بحزن وعطف ومحبة لأنهم أبناء وطننا، قاتلناهم بشرف لأننا مؤمنون فعلاً أننا نمثّل شرف أمّتنا، وأنهم يمثلون بقايا العار وكان علينا أن نمحو وصمة العار.” 20

 

حامي ضحايا الفتنة…ومحجة الملهوفين

طالما أحب بشير أصحاب المواقف الشجاعة واحترم الثبات على الموقف، وحتى لو كان من يحمل هذه الصفات خصماً له فهو “قائد فارس قل نظيره، مقدام لا يهاب الموت، ويمتلك حساً إنسانياً شفافاً، يتصرف بروحية راقية مع رفقائه، وبهذه الروحية يتصرف مع أخصامه، والدليل على ذلك حادثة وقعت في تلك الفترة، فقد أوقف القوميون عند أحد الحواجز على خط الشام شابين من الكتائب اللبنانية، كانا في سيارة شفروليه مسروقة من ميناء بيروت، قاصدَيْن بها مدينة زحلة، واقتادوهما إلى مكتب الحزب. علم بشير بالأمر وطلب مقابلتهما، ولما دخلا عليه هدأ من روعهما وبدأ ينصحهما بالعودة عن طريق الحرب، وأن ينصرفا لبناء مستقبلهما، فالحياة تستحق أن تُحْفَظْ، منبهاً من خطأ وخطورة الطريق التي يسلكانها، بإمرة مسؤوليهم الذين يسيرون بالبلد إلى الدمار، وبعد محاضرة طويلة سألهما: أنتما مقاتلان على ما يبدو، فهل ستعودان إلى القتال إذا أطلقت سراحكما؟ طأطأ الأول رأسه، بينما أجاب الآخر: طبعاً سأعود إلى موقعي وأطلق النار عليكم، وقد أقتلك لو تمكنت من ذلك. أعجب بشير بشجاعته وجرأته، وقال سأطلق سراحكما لأنك رجل شجاع، ثم أصدر أمراً فورياً بعدم التعرض لهما ولو بكلمة مؤذية، وهكذا كان. بشير عبيد الرجل يقدر قيمة الرجال، أعجب بالشاب الذي لم يتملكه الخوف في موقف كان يجب أن يكون فيه مصاباً بحالة رعب. هي حادثة لا تنسى لأنها أكدت أيضاً وأيضاً على فروسية القائد الإنساني الشجاع.

أطلق بشير سراح الشابين، وهو المؤمن بأن من نواجههم قواد “فتنة تقع خارج مسار التاريخ، وهي نشاز في طبيعة شعبنا، بل هي من بقايا أمراض عصورنا الانحطاطية التي تجاوز شعبنا الكثير من أسبابها ونتائجها، وستكون عبرة لنا ودرساً لأمتنا وحافزاً لشعبنا العظيم الذي كلما ازدادت عليه المحن ازدادت قدرته على التفكير والابتكار والصمود والعطاء.” 21

هو عميد الدفاع الذي رفض إراقة الدماء خلال المحاولة الانقلابية، ها هو يقود حرباً على أكثر من محور، ومع ذلك يعمل بكل ما أوتي من أجل حماية من يرى أنهم ضحايا مخطط فتنوي، “لتململات بقايا الإقطاع، وتشنج بعض الزعامات الخصوصية الغارقة في مصالحها المحلية، التي استفاد منها الأجنبي ليجمعها كتلة متراصة في طريق شعبنا تبث السموم والأمراض، وتحاول منعه من عبور طريقه إلى حيث يريد.” 22

“إيمانه بأصالة شعبه حمله للتشديد على عدم الوقوع بردات الفعل، والتعدي على بيوت الناس، بل ساهم في انقاذ شباب عديدين وقعوا ضحايا الحواجز الطائفية الطائشة. وقد أرسل شقيقه أسعد يوماً إلى طرابلس للإفراج عن شابين من المتن الشمالي. نفذ أسعد المهمة وقصد مطقة البداوي، وعاد بالشابين إلى ذويهما.” 23

“في تلك الفترة تحول منزل رفيقه وصديقه فارس السبعلي في بلدة المياسة إلى محجة لكل عائلة في المنطقة الشرقية خُطِف أحد أبنائها في المنطقة الغربية، وقد قام الرفيق فارس من خلال علاقته الوثيقة مع قريبه ورفيقه بشير بإنقاذ أكثر من ثلاثين شخصاً كادوا يقضون على حواجز الموت الطائفي في غرب بيروت. وكان بشير أحياناً يصطدم بالدكاكين المدعومة من فتح، ويرسل قوات حزبية لتطويق مراكزهم وإنقاذ المخطوفين.” 24

إلى أن جاء وقت خطف فيه فارس نفسه على حاجز للأمن الفلسطيني في صليما مع الدكتور أنطوان حداد (النائب لاحقاً) وبعض الأصدقاء، روى حداد كيف أوقفوا واقتيدوا إلى مكتب للفلسطينيين في مدينة عاليه، ويبدو أن هالة زوجة أسعد شقيق بشير شهدت على الحادثة، عندها سارعت بنقل ما شهدته إلى  بشير،  الذي أرسل على الفور مجموعة من القوميين يتقدمهم شقيقه أسعد والرفيق طوني السبعلي، وبينما كان حداد وفارس ومن معهم يخضعون للتحقيق، دخل طوني وطلب من القائمين على المكتب، إطلاق سراحهم فوراً لأنهم في طريقهم للقاء بشير، فاعترض أحده الخاطفين وطلب استكمال التحقيق في بيصور، لكنه جوبه بالرفض والإصرار على اصطحاب الشباب، فاستاجب للطلب وأطلق سراحهم على الفور.

بعد الحادثة اتصل ببشير كل من الجنرال جميل لحود والشيخ زعيتر الأشقر، كما أقيمت مأدبة عشاء في منزل عباس خلف، شارك فيها المخطوفون المحررون إلى جانب بشير، بحضور كمال جنبلاط. وخلال العشاء بدأت القذائف تتساقط في المحيط ومصدرها بلدة بدادون، قال بشير للحضور: “إنهم يستجلبون الرد على إطلاق النار، ولكن لن نرد حتى لا تتفاقم الأمور أكثر، ويحدث شرخ طائفي بين أبناء القرى والبلدات في الجبل.” تصرف الرجل بما اتصف به، فهو العين الساهرة على مصلحة البلد، لم تفُته شاردة ولا واردة، رفض رفضاً قاطعاً كل أنواع التجاوزات، خصوصاً تلك التي تحمل طابعاً طائفياً، وابتعد كل البعد عن التحيز لمصلحته الخاصة على حساب من هم ليسوا في خطه السياسي، هو، بحق، تلميذ من تلامذة أنطون سعاده.” 25

 

وسط ساحة الخصم لدرء الفتنة

بعد تطور الأمور العسكرية في منطقة المتن الشمالي، بدأ بشير يبحث عن مخرج يجنب فيه المنطقة ويلات الحرب، تواصل من أجل ذلك مع النائب ميشال المر والرئيس السابق لإقليم المتن الكتائبي توفيق داغر. غالب محاذير تنقله بين بيروت والمتن، وقصد عصر أحد الأيام بيت شباب على أن يلتقي ميشال المر مساء. “توجه إلى بتغرين يقود مرافقه منير خطار السيارة ويرافقه ابن شقيقته عفيفة منير بجاني، وفور وصوله عقد اجتماعاً مطولاً مع المر، ارتفع صوت بشير وانفعل أكثر من مرة خلال اللقاء، ومع ذلك جرى التوافق على أن يجتمع بشير مع توفيق داغر، وبالفعل التقاه بعد أيام في بلدة العربانية وجرى حوار ساخن بين الرجلين، أعرب فيه بشير عن غضبه لأنهم أخلوا بشروط الاتفاق الذي عقد بينهم لتحييد المنطقة، وأعلمهم أن عليهم تحمل مسؤولية تراجعهم، وبعد أخذ ورد اتفقا على عقد لقاء آخر بعد أسبوع من تاريخه في ضهور الشوير ولكن اللقاء لم يعقد.

سعى بشير للتخفيف قدر المستطاع من اتساع دائرة التقاتل وما تجره من دمار، ولم يكن تنقله بين المناطق من أجل هذه الغاية خال من المخاطر، ففي طريقه إلى بتغرين مرَّ على حاجز للكتائب، لكنه أمر سائقه بمتابعة القيادة وعدم التوقف، ليلتها حاول ميشال المر استبقاءه عنده، بعد أن علم بوجود الحاجز، رفض بشير وأصر على العودة من حيث أتى، ولم يعر أي اهتمام للحواجز.” 26

“إبان حصار ضهور الشوير كان لا بد من إيصال رسائل إلى الرفقاء الموجودين في البلدة، لذا قرر بشير أن يصل إلى بلدة العربانية الواقعة تحت سيطرة الكتائب، لمقابلة صديق بهذا الخصوص، حاول القوميون في المتين ثنيه عن الذهاب، لكنه أصر على تنفيذ قراره، وحرصاً على أمنه، جُهِّزَتْ سيارة مرافقة ثانية. وقفت سيارة بشير وفيها السائق والمرافق بجوار المبنى الذي دخله بشير، وفي الجهة المقابلة وعلى بعد حوالي عشرة أمتار وقفت السيارة المرافقة، بحيث يمكن من بداخلها التفاهم ولو عن بعيد، ترجل بشير من السيارة ودخل منزل صديقه، بعد أن طلب من جميع المرافقين التزام أماكنهم في السيارتين،  بعد فترة قصيرة مرت سيارة يستقلها مسلحون، ثم عادت مرة ثانية وبعدها أخذت تروح وتجيء، أحس أهالي الحي أن هناك ما يثير الريبة وبدأوا بالتجمع، عندها قرر مرافق بشير غسان الغريب مغادرة السيارة مخالفاً بذلك أمر رئيس المجلس الأعلى، وقام مع الرفقاء بحركة انتشار سريعة مهددين بإطلاق النار على المتجمهيرن بحال عادت سيارة المسلحين مرة أخرى، وصل صخب الشارع إلى مسامع بشير، فخرج من المنزل على الفور وصعد إلى السيارة، آمراً الجميع بالتحرك وإخفاء السلاح، والاعتصام بالصمت والتزام الهدوء عند الحواجز المنتشرة على طريق العودة باتجاه المتين، وأثناء الوقوف على أي من حواجز الكتائب يخبره برباطة جأش وموقف صلب: “أنا بشير عبيد، مغترب لبناني وكنت أزور أحد أصديقائي وعلي العودة سريعاً إلى مكتبي، وهكذا عبروا منطقة الخصم من دون أي إشكال، وفي اليوم التالي، جاءت امرأة من أحدى البلدات المجاورة إلى المتين، وأخبرت أن القيامة قامت في البلدة ولم تقعد، عندما علم الكتائب أن بشير عبيد شخصياً كان موجوداً في العربانية وخرج سالماً.” 27

خلال حصار بلدة ضهور الشوير، كان ناموس منفذية المتن الشمالي وناظر إذاعتها جوزف السبعلي مقيما في البلدة، ويذكر أن “بشير كان يحث الشباب على الصمود في مواقعهم، لأطول فترة ممكنة، مع توقع وصول فرقة من الجيش اللبناني التي كانت بقيادة أحمد الخطيب. ولكن الأمر ازداد تأزماً وصعوبة، مع شح المواد الغذائية وصعوبة تأمينها.

في هذه الأثناء دخل السوريون إلى لبنان، وأوقفوا تقدم قوات الخطيب، عندها أرسلت قيادة الحزب الرفيق “المطران” لتولي الإمرة العسكرية في المتن الشمالي. وصل المطران إلى المنطقة بعيد منتصف الليل، سيراً على الأقدام عبر الأحراش والطرقات الجبلية، وتولى أمر المفاوضات. في اليوم التالي قرر سحب القوميين من البلدة، قبل حدوث المعركة العسكرية، تواصل جوزف مع بشير، وأبلغه بأن الوضع لم يعد مُحْتملاً وأن المطران قرر الانسحاب، وهكذا كان.” 28

واصل بشير مهامه القيادية من خلال العمل الوطني المشترك. في وقت كادت فيه “الحركة الوطنية اللبنانية أن تنتصر في معركتها ضد القوى الانعزالية، عندها بدأ دخول الجيش السوري إلى لبنان، فاعتبرت الحركة الوطنية، ومنها الحزب القومي ممثلاً بقيادته وبشير منها، أن الدخول السوري إلى لبنان هدف لمنعها من الانتصار. صرح كمال جنبلاط في حينه، بأن القوى الوطنية ما كانت تهدف إلى افتعال المجازر في بكفيا، بل لتنتقل بلبنان من لبنان الطائفي الممزق داخلياً إلى لبنان الوطن العربي الديمقراطي العلماني، لكن يبدو لاعتبارات لها علاقة بأهمية أن يكون لبنان هكذا على يسار كل البلدان العربية كأنظمة، ولاعتبارات تكتيكية لها علاقة باحتمال مفاوضات سورية مع الأمريكي في جنيف آنذاك، كان الصراع يومها على الورقتين الفلسطينية واللبنانية، فإما أن تكون في يد المفاوض السوري أو تتكامل معه بإشتراك فلسطيني ووطني لبناني (…). ولهذا جرت المواجهة بين القوى الوطنية والمقاومة الفلسطينية من جهة مع الجيش السوري الذي تصدى لتقدم القوى الوطنية على مختلف المحاور متحالفاً مع قوى الانعزال، وبذلك ضُربت الحركة الوطنية، نصرة للفريق الآخر تحت شعار عدم الضغط على المسيحيين حتى لا يلتجئوا للاستعانة بـ “إسرائيل”، ولكن ضُرب المشروع الوطني، في وقت لجأ فيه قسم كبير من المسيحيين إلى “إسرائيل.” 29

 

محارب في ساح السياسة …لا تعالٍ ولا وصاية

حفلت فترة تولي بشير رئاسة المجلس الأعلى، وقيادة منطقة الجبل عسكرياً وسياسياً بالإنتاج على أكثر من صعيد، فبالإضافة إلى مهامه القيادية وحضوره اجتماعات المجلس السياسي المركزي للحركة الوطنية، ألقى بشير الخطب في مناسبات حزبية ووطنية، وكتب العديد من المقالات المواكبة للأوضاع التي كانت سائدة، كما عمل مع أعضاء قيادة الحزب على توطيد العلاقات مع بعض الكيانات السورية والعربية، ومنها وصل ما انقطع مع الشام منذ مقتل عدنان المالكي، وها هو في واحدة من كتاباته يمحض دمشق محبته وعتبه:

“دمشق يا حبيبة التّاريخ كم أحسست اليوم بحبي لك بعد طول الفراق.

كنت دائماً أحبك أشتاقك أستذكر طلعتك… أمجاد ماضيك وأخاف.

كنت أخاف يا دمشق أن تبتعد صورتك عن خاطري إذا ما باعدت بين ذكرياتك وبيني. كنت خائفاً أمس. كنت خائفاً من نفسي منك وخائفاً عليك أن تغيرت.

واليوم…

بعد عشرين عاماً. بعد عمر. بعد دهر من الأحداث جئت أحبو إليك، كما يحبو طفل إلى أم فارقها، ولم يشبع من رائحة ثيابها ولم يرتَوِ من تمتمات صلاتها. كنت كعاشق قديم سفح عمراً على أرصفة الموانئ البعيدة وعاد إلى بيته من جديد، إلى رفيقة عمره الّتي ما أشرقت عيناه أول ما أشرقت إلا على بريق الحب في عينيها.

جئت يا دمشق عاشقاً تائباً أكاد أختنق بغصة الألم مما جرى من زمن مضى، وفي صدري حنان وحنين عتاب وأسى وانكسار عنفوان لا ينكسر إلا بين يدي حبيبة كدمشق.

جئت لأني أحبك يا دمشق. أحبك قبلُ وأحبك بعدُ، وسأبقى أحبك كما لم يعرف المحبّون حباً.

دمشق، بردى، قاسيون، ميسلون، دمر والهامة، ورفاق العمر الّذين قضوا نحبهم والّذين ينتظرون وما بدلوا تبديلا.

دمشق الأسواق العتيقة وأسراب الحور المشيقة والمآذن توقظ الفجر تنزيلاً وترتيلاً.

دمشق النّضال والتظاهرات والانقلابات والبلاغات، وكل دنيا العرب تترقب دمشق. تنتظر الشرارة من دمشق وتمسك قلبها على دمشق، إن بدأت بدأوا وإن همدت همدوا.

دمشق المؤمنة حتى الاستشهاد الكافرة حتى الجحود.

ترفع على الأكتاف. تفدي بالدماء أنطون سعاده وآخرين ثم تتآمر عليهم. ترميهم في السجون أو خارج الحدود أو تهدر حتى دماءهم. كأنها فرس أصيل وحرون تأبى الترويض الدائم. تريد فارساً من غير طينة البشر فهي لم تسلس القياد مرة إلا للآلهة والأنبياء.” 30

جاءت مقالة بشير عن دمشق بعد زيارته لها في بداية تشرين الثاني عام 1975، “رئيساً للمجلس الأعلى مع رئيس الحزب إنعام رعد، وجاءت هذه الزيارة تلبية لدعوة رسمية تلقاها الحزب من القيادتين القومية والقطرية لحزب البعث، وذلك للمشاركة في اجتماع عقد في العاصمة الشامية، لممثلي الجبهة المشاركة للثورة الفلسطينية، التي كانت تضم كل الأحزاب والقوى العربية والتقدمية الحاكمة والمعارضة، فبدت العلاقة مع الشام إيجابية. حاول الوفد خلال الزيارة إعادة وصل ما انقطع بعد مقتل المالكي. بدت الأمور مقبولة. كما عملت بعدها قيادة الحزب على المساعدة في إنجاح مهمة رفاقية وأخوية كان يقوم بها وفد القيادة القومية الذي حضر إلى بيروت خلال ربيع العام 1976.”  31

يذكر الرئيس حسين الحسيني أنه: “يوم دخل الجيش السوري إلى لبنان (1976) أحرج الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي كان عضواً في الحركة الوطنية اللبنانية، فهو لا يريد الخروج على الإجماع الوطني الرافض لدخول القوات السورية، وفي الوقت عينه لا يريد معاداة السوريين، وكانت لقيادة حركة أمل العديد من الأصدقاء في قيادة الحزب القومي من إنعام رعد إلى بشير عبيد ومصطفى عز الدين، إلى مسؤولي منطقة البقاع وغيرهم كثر. وبناء عليه رفضت اضطهاد القوميين أو المس بهم، وقد وجهوا لي عدة رسائل، حول التعاون الذي كان قائما بيني وبينهم، واستعنت بالإمام موسى الصدر للطلب من السوريين عدم المس بالقوميين، كما قمت بدور الوسيط مع الرئيس حافظ الأسد، فالعمل الوطني القومي كان عملاً مهماً في تلك المرحلة، وعندما نقارن ذلك الوقت بما يحدث اليوم، يظهر حال الانحدار التي وصلنا إليها، بعد غياب المسؤولية والقيم والأخلاق، وباتت القومية تهمة، علما بأن جمع الكلمة هو الذي يؤسس للنهضة، وذلك بالتعاون والتضامن والتكافل.

بشير عبيد صاحب شخصية قوية لا يتكلم بموضوع لا يملك كل تفاصيله، لا يشت ولا يضيع، خياراته معروفة وواضحة، هو صلب بالدفاع عنها. كنت ألتقيه من وقت لآخر، والمؤسف أن التفريط بأمثاله خطأ كبير، كان لا بد من الاستفادة من هكذا قيادات لتحصين البلد من الأخطار التي كانت محدقة به، فالخطة التي وضعت يومها، حسب الاستراتيجية “الإسرائيلية”، كانت تهدف إلى قبرصة لبنان، وخلق كيان خاص لكل طائفة، وهذا ما كان يستوجب الحفاظ على المناضلين لدورهم الريادي في المهام الصعبة، خصوصاً في وقت بات فيه الضياع شاملاً. فتشكلت جبهة لم تأخذ بالاعتبار الانتماءات، بل ركزت على الهدف الأهم وهو عدم تقسيم لبنان، ومواجهة العدو مشترك، ولم يكن من الممكن مواجهته، لو لم نقم بهذا التواصل بين القيادات الوطنية، وبشير عبيد كان واحداً من تلك القيادات المهمة.” 32

وبعد دخول الجيش الشامي إلى لبنان، والمواجهة التي حدثت بينه وبين القوى الوطنية عمل الدكتور عبد الله سعادة على إعادة العلاقة الطيبة مع الشام، وبعد مساعيه، التي يصفها بالمضنية، مع المعنيين هناك، “توفق إلى إقناعهم باستقبال وفد حزبي رسمي، ضمه إلى رئيس الحزب إنعام رعد، ورئيس المجلس الأعلى بشير عبيد، ورئيس مجلس العمد كامل حسان، ورئيس المكتب السياسي جمال فاخوري، وناموس لجنة الطوارئ مصطفى عز الدين، وذلك في شهر نيسان 1977.”  33

تحدث مرافق بشير عن هذه الزيارة بأنه: “بعد الدخول السوري إلى لبنان وقبيل وحدة الحزب زار وفد من القيادة الحزبية (عبد الله سعادة وإنعام رعد وكامل حسان وبشير وآخرون) الشام للقاء عبد الحليم خدام، الذي تأخر عن استقبالهم، وتركهم ينتظرون لساعات، وبعد أن انتهى اللقاء قرابة منتصف الليل، خرج بشير متوتراً وقرر مغادرة دمشق على الفور، بينما بات الآخرون ليلتهم هناك، وخلال الطريق عبر الرجل عن غضبه، لأن خدام مقتنع بجدية مواقف الجبهة اللبنانية إلى جانب سوريا، ولم يتصرف بلياقة مع الوفد القومي، بل حاول أن يملي عليه أوامره، وهذا ما استفزّ بشير.” 34

بالإضافة إلى العلاقة مع الشام، شارك بشير بنسج العلاقة مع العراق، من خلال “اجتماعات عقدت مع وفود عراقية عديدة زارت العاصمة اللبنانية، كما قرر الحزب في مطلع العام 1976، زيارة العراق تلبية لدعوة من القيادة القومية فيه، ضم الوفد القيادي كل من بشير وعبدالله سعادة، وهناك صيغ بروتوكول تعاون بين القيادة الحزبية والقيادة العراقية.” 35

“وفي إحدى زياراته للعراق التقى بشير بصدام حسين فأعجب به كثيراً، ورأى فيه القائد الشجاع الفارس، ولأن بشير كان فارساً فهو يحب الفرسان، وقد أحبه حتى يعتقد من يسمع رأيه به، أنه يتحدث عن شقيق له.”  36

ويقول شقيقه اسعد عن موضوع الشام والعراق: “بشير في المرحلة الأخيرة من نضاله كان يركز على أهمية الوحدة بين بغداد والشام. همه أن يتوحد الكيانان.” 37

تكررت زيارات بشير إلى العراق ، وفي واحدة من تلك الزيارات، عمل بشير على إطلاق سراح الأمين عارف فياض الذي كان “في طريقه براً إلى الكويت مع عائلته وثلاثة رفقاء مع عائلاتهم، وكان يحمل معه رسائل لبعض الأشخاص المغتربين، ومن بينها رسالة لمواطن يعمل في السعودية، كان عليه أن يودعها البريد عندما يصل إلى الكويت، وعلى الحدود العراقية اطلع الأمن العراقي على مضمون الرسائل، وأوقف عارف على خلفية الرسالة المرسلة إلى السعودية، والتي ورد فيها كلام عن السلاح والمسلحين في لبنان، فطلب من رفقائه اصطحاب زوجته وابنته ومتابعة السفر إلى الكويت، وإجراء الاتصال بلبنان وإعلام الحزب بالأمر، لكنهم سمعوا قبل مغادرتهم العراق أخباراً عن وصول وفد من الحركة الوطنية اللبنانية إلى بغداد، وهو مقيم في فندق الرشيد، فقصدوا الفندق على الفور، وهناك التقوا بعصام نعمان وأخبروه بما حدث معهم، وأخبروه أن عارف عميد المالية السابق في الحزب موقوف، وبعد يومين وصل بشير إلى بغداد مع آخرين من أعضاء وفد الحركة الوطنية، فأعلمه عصام بالأمر، وذكر له اسم عاطف، بدل عارف، فأنكر بشير وجود قومي بهذا الاسم. لكن بشير بقي يهجس بأمر الرفيق المعتقل، وفي اليوم التالي عاد وسأل عصام هل هو متأكد من الاسم، فأخبره أن الشباب قالوا أنه كان عميداً للمالية، عندها عرف أن المقصود هو عارف فياض، راح يبحث عنه حتى عرف مكان احتجازه، فتواصل مع المسؤولين العراقيين، وعمل عل أطلاق سراحه، واصطحبه إلى الفندق حيث قضى ليلته برفقته، قبل أن يواصل طريقه إلى الكويت، وكان هذا آخر لقاء بينهما.” 38

كما زار بشير ليبيا عدة مرات، وفي واحدة من تلك الزيارات، تشكل الوفد منه ومن رئيس الحزب إنعام رعد والدكتور عبد الله سعادة، عن هذه الزيارة يروي سعادة الحادثة التالية: “في هذه المناسبة أحب أن أنوه باللفتة اللطيفة التي بدت من الأمين بشير عبيد، فحسب التقليد البروتوكولي، أفرد جناح في الفندق لرئيس الحزب، وجناح لرئيس المجلس الأعلى، وغرفة لي، إلا أن الأمين بشير، وبعلم رئيس الحزب، حلّ في غرفتي، وترك الجناح الخاص به لي، وحرص ألّا أعلم بالأمر.” 39

لم يترشح بشير لعضوية المجلس الأعلى في انتخابات 1977، لأنه كان يرفض الانحياز أو المواجهة لأي جهة داخل الحزب بحسب الأمين حافظ الصايغ، الذي يتابع: “فلا أحد يمكنه أن يمنع بشير عن اتخاذ موقف هو يريد اتخاذه، لكنه كان يرفض قطعاً مواجهة أي محور ضد محور آخر حتى لا يكون طرفاً في نزاع لا يستسيغه، ولم يكن مع خلق أي شرخ في داخل الحزب، فهو لم يكن شخصاً هامشياً، بل كان حضوراً متقدماً، وموضع رهان الكثيرين في الحزب الذين كانوا يرون فيه قيادياً متميزاً، لذا تحاشى أن يدخل في خلافات مع الأشخاص الطامحين. وعندما طرح موضوع وحدة الحزب من قبل الدكتور عبد الله سعادة، لم يكن بشير ضد الوحدة بالمطلق لكنه كان متشدداً وعنيداً في موضوع الانتصار للمؤسسات، رافضاً المساومة على القواعد والأصول الحزبية. إن طباع بشير وسلوكياته كانت قريبة من طباع عبد الله سعادة وسلوكياته، لكن سعادة يتقن اللعبة السياسية إلى جانب تمسكه بالحزب، أما بشير فلم يساوم يوماً على الأمور العقائدية ولم يخلق المبررات لاتخاذ مواقف لا تتماشى مع منطلقات الحزب وأهدافه.” 40

 

المراجع

1ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص: 262

2 ـ بشير عبيد، مقالات ومواقف ص: 12و13

3 ـ من مقابلة المستشار السابق لياسر عرفات والقيادي الفلسطيني بسام أبو شريف، ت: 04/04/2014

4 ـ انعام رعد، الكلمات الأخيرة ص: 189

5 ـ من مقابلة أمين عام الجبهة الشعبية – القيادة العامة احمد جبريل، ت: 10/02/2017

6 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

7 ـ من مقابلة الأمين رضا كبريت

8 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

9 ـ من مقابلة الرفيق منير خطار، ت: 19/3/2019

10 ـ من مقابلة القيادي الشيوعي مسؤول منطقة الجبل في الحزب الشيوعي اللبناني، خلال الحرب الأهلية موريس نهرا، ت:16/03/2017

11 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

12 ـ من مقابلة الأمين رياض عيد، ت: 17/12/2016، وقد تحدث بشير عن هذه الزيارات الصباحية في مقالته التي كتبها إثر استشهاد كمال جنبلاط وحملت عنوان “كمال جنبلاط تجاوز الحدود”: “ذهبت إليه كعادتي صباحاً قبل أن يغوص في دوار السياسة وتغصّ الدار بالزوار، كان ذلك بعد بضعة أيام من محاولة اغتياله الفاشلة أمام منزله، وخلافاً لعادته معي قبلني مرحِّباً وهو الّذي يكره عادة التقبيل(…)” بشير عبيد، مقالات ومواقف، ص: 72

13 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

14 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 194

15 ـ من مقابلة الرفيق سامي العريضي، ت: 12/12/2016 ومقابلات الأمين رياض عيد ومرافقي بشير غسان الغريب (22/11/2061) ومنير خطار

16 ـ من مقابلة الأمين علي الحاج حسن، ت: 29/4/2017

17 ـ من مقابلة الأمين وليد زيتوني

18 ـ من مقابلة الأمين رياض عيد

19 ـ من خطاب بشير خلال تأبين الشهيد لطفي عبد الخالق في مجدلبعنا. مجلة صباح الخير، 26/01/1976

20 ـ من خطاب بشير خلال تأبين الشهيد نجيب ملاعب. في بيصور، صباح الخير، 06/12/1976

21 ـ من مقابلة الأمين غسان الغريب

22 ـ بشير عبيد، مجلة صباح الخير،05/01/1976

23 ـ من مقابلة أسعد عبيد مع مجلة صباح الخير

24 ـ د. ميلاد سبعلي، في ندوة حق وخير وجمال

25 ـ من مقابلة النائب السابق د. أنطوان حداد، 18/02/2017

26ـ من مقابلة منير خطار، ت: 19/03/2017

27 ـ من مقابلة الأمين غسان الغريب

28 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

29 ـ من مقابلة موريس نهرا

30 ـ بشير عبيد مقالات ومواقف، ص: 29و30

31ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة ص: 169و197

32 ـ من مقابلة الرئيس حسن الحسيني، ت: 14/01/2017

33 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص: 279

34 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

34 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 198

36 ـ من مقابلة جوزف سبعلي

37ـ حديث اسعد عبيد لمجلة صباح الخير ـ البناء

38 ـ من مقابلة الأمين عارف فياض

39 ـ عبدالله سعادة، أوراق قومية، ص: 301

40 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

الفصل الرابع: قائد المحاور بعيد عن “المحاور”

 

استمرار النضال بعيداً عن المحاور الداخلية

تحدّث الدكتور عبد الله سعادة عن أوضاع الحزب في مطلع الحرب الأهلية اللبنانية بقوله فرأى “أن” معادلة القوى على الساحة في بداية حرب لبنان بعد نيسان 1975، أثرت بدورها تأثيراً كبيراً على القوميين الاجتماعيين وأدت إلى تشتتهم بين فريقين. وقف مركز الحزب برئاسة إنعام رعد إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية ذات الوزن الكبير على الساحة اللبنانية، بينما وقف التنظيم المستقل إلى جانب السياسة الشامية (…). وعلى الرغم من علاقات الوِد الظاهرية بين المقاومة الفلسطينية والشام، (إلا) أنها لم تكن سليمة.” 1

وبعد أن وضعت حرب السنتين (1975 و1976) أوزارها مع دخول الجيش الشامي إلى لبنان، بدأ الحديث الجدي عن وحدة الحزب، التي أضحى الدكتور سعادة عرابها، منذ لحظة انتخابه رئيسا  للحزب، (20/07/1977)، من قبل مجلس أعلى جديد برئاسة مصطفى عز الدين، وإن كان يحمل هم تلك الوحدة من لحظة حدوث الانقسام، وقد عبر عن ذلك في سياق مذكراته: “كان همُّ توحيد الحزب يلاحقني باستمرار، ففي فترة تكليفي بمهمة مندوب مركزي للحزب في الشمال اللبناني، لم أغفل هذا الأمر، وكنت أسعى دائماً في الكورة للتعاون مع التنظيم الحزبي المستقل (الخوارج)، ضمن الحدود الممكنة (…) وبعد سقوط الكورة، (…) وبناء على رغبة البطريرك الياس الرابع، اجتمعت في دار البطريركية في دمشق مع الأمين عصام المحايري، وتباحثنا طويلاً في موضوع توحيد الحزب، (…) وبعد انتخابي رئيساً أكملت المسعى.” 2

وُحِّد الحزب، على االرغم من اعتراض المجلس الأعلى. وقد ربط سعادة بين تحقيق هذه الغاية وما شهدته الساحة القومية، بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس، وقيام جبهة الصمود والتصدي، وقاعدتها الأساسية دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. 3

“خفّ التناقض بين الشام ومنظمة التحرير، وتصاعد وزن دمشق السياسي، وبدأ التعديل في سياسة الحزب تجاهها ما ساعد كثيراً مساعي الوفاق الداخلي في الحزب، فازدادت لقاءاتنا وحواراتنا مع التنظيم المستقل، كما خفّت حدة رفض المجلس الأعلى لمبدأ الوحدة، ما أفسح في المجال أمام رئيس الحزب أن يمضي في مسعاه آمِلا بالنجاح. وبدأت مناقشة تحفظات المجلس الأعلى وشروطه للوحدة، لكن جرى التوافق على مبدأ إمكانية حصولها. إلى أن توصلنا إلى صيغة وفاقية رضي بها الطرفان. حيث اتفقا على إعادة العمل برتبة الأمانة. وهكذا جرى الإعلان عن الوحدة الحزبية في 9 تشرين الثاني عام 1978. وأعلنت لجنة الطوارئ، وانضم إليها الرؤساء السابقون في التنظيم المستقل، واستؤنف العمل في مناخ الوحدة الحزبية. (…) عمَّت حالة فرح واعتزاز الحزب في الوطن والمغتربات، قيادة وقاعدة. ولكن النفوس ما لبثت، بعد فترة قصيرة، أن عادت إلى حساسياتها السابقة. وقد استمرت الفئوية فاعلة عند قسم كبير من القيادات والرفقاء في الفريقين، واستمر التعامل الحزبي بين الرفقاء والقيادات فئوياً على الأصعدة الاجتماعية وفي اللقاءات الخاصة.

وكان أعضاء المجلس الأعلى شديدي الحساسية لجهة إشراك الفريق الحزبي المستقل في مسؤوليات قيادية مركزية، أو في مسؤوليات على صعيد المنفذيات والنظار. وكنت أصّر على إشراكهم في هذه المسؤوليات لإلغاء المناخ التفريقي بين القوميين الاجتماعيين، ما خلق حساسيات بين رئيس الحزب وأعضاء المجلس الأعلى، قوامها توّهم المجلس الأعلى أنّ رئيس الحزب يسعى لإنشاء تكتل حوله شخصياً مرتكز في الأساس على التنظيم المستقل، فلا بدّ بالتالي لأعضاء المجلس الأعلى أن ينشئوا تكتلهم المتشنج والمناهض لتوجهات رئيس الحزب. وتصاعد هذا المناخ الفئوي حتى عمّ اللقاءات والنشاطات الحزبية كلها.” 4

“لم يكن بشير، كما ذُكر سابقا، ضد وحدة الحزب بالمطلق، إلا أنه لطالما عارض السياسة التوفيقية التوافقية، على حساب دستور الحزب ونظام المؤسسات.” 5

إذن تحققت الوحدة بصورة شكلية واستمرت سياسة المحاور، التي ابتعد عنها بشير، منذ فجر انتمائه، هو صاحب الدور الفاعل في مؤتمر “ملكارت”، إلا أنه رفض المشاركة في حركة التنظيم السري. وابتعد عن المحاور المستجدة، التي أدت إلى تأزم الوضع الحزبي الداخلي إلى درجة من السوء حملت الدكتور سعادة على “تقديم استقالته من رئاسة الحزب، ولكن المجلس الأعلى رفضها بالإجماع.” 6

بدوره قال الأمين منير خوري: “دفعتني أزمة الحزب إلى الانكفاء قليلاً، ورحت أكرس وقتي لأجل نشاطات اجتماعية وتربوية وأتابع أخبار الحزب عن بُعدٍ من دون أي ممارسة عملية تذكر.” 7

وكأن بشير استشرف تلك الحالة، فنأى بنفسه في وقت مبكر، وانصرف إلى الانخراط في الحياة الاجتماعية والنضالية، وتدبير بعض شؤونه العائلية، و”لم يسمح يوماً لليأس أن يدخل ذهنه، أو أن يزلزل إرادته، وهو لم يعرف الخوف في حياته، بل كان شجاعاً مؤمناً، زوده إيمانه بإقدام لا يتزعزع للعمل من أجل الأمة وحريتها وإنسانها، حتى خلال جلساته مع الأصدقاء والرفقاء، كان حديثه يوحي أنه في حال تحفز دائم للذهاب إلى ميدان المعركة، وكأنه على قاب قوسين أو أدنى من مواجهة جنود الأعداء، يطمح أن يكون أبناء أمته كلهم جاهزين للمعركة المصيرية، وكم كان يؤلمه ابتعاد الكثيرين عن المزاوجة بين الإيمان العقائدي والانغماس في العمل الجاد من أجل تحضير قوة قادرة على حماية الأمة وتراثها وجذورها العميقة. حتى على مائدة الطعام التي لطالما جمعنا حولها بشير، لم يكن الحديث مسامرة، بل يتحول معه لكل ما هو جدي وأساسي عن ضرورة وحدة الأمة وتوحيد الجهود لمواجهة أعدائها، لم يشارك مرة في حديث إلا وأدخل خلاله همَّ الأمة وضرورة نهوضها ومقاومتها للعدو.” 8

“في تلك المرحلة شكل بشير مع الأمين كمال خير بيك ثنائياً نضالياً، إلى جانب الحزب وعملا سوياً من أجل فلسطين.” 9

” التقى بشير مع كمال للقيام بأمور لا يمكننا ذكرها، في مطارح فيها قوة واندفاع حتى الموت، من أجل القضية الفلسطينية، وهي كانت قضية أنطون سعاده أيضاً، الذي نبه وهو في الثانية والعشرين من عمره من خطر الحركة الصهيونية على الأمة، صحيح أن بشير لم يكن صاحب دور تنفيذي أساسي في الأمور الدقيقة، لكنه كان هو وكمال يتشاوران في اختيار الأشخاص، للمهام السرية والصعبة، مع العلم أن العنصرين الأساسيين في منظمة أيلول الأسود، بعد الدكتور وديع حداد، كانا كمال وفؤاد الشمالي، بينما حضر بشير بالحجم الذي يتطلبه العمل، وقد ساهم مساهمة فعالة بقدر ما طلب منه بكل دقة وحرص. كانت قضيته الحزب، والقضية الفلسطينية هي قضية الحزب، فلم يجد حرجاً بما يقوم به.” 10

جمعت بشير وكمال روح رفاقية ونضالية عالية وصداقة جعلت منهما ثنائياً متلاصقاً في كل أمور الحياة، حتى في الأعمال الخاصة، “فقد أسسا معا مكتباً مشتركاً للاستيراد والتصدير في منطقة كركاس البيروتية.” 11

 وقبيل استشهادهما كانا يحضران لعملية استيراد سيارات إسعاف هي عبارة عن مستشفيات نقالة، نسقها بشير مع العراقيين، وكمال مع شركة ألمانية، وقد سمعت خزامى قاصوف من زوجها كمال أن هدف العملية إقامة مؤسسة اقتصادية للحزب لتشغيل القوميين.” 12

البحث عن فرص عمل لتشغيل القوميين شكل هاجساً لدى بشير ” ذلك الرجل العصامي، الذي وهب حياته كلها للحزب، اهتم بعمله الخاص ليتمكن من تأدية دوره القومي، وأكثر ما كان يؤلمه أن الحزب لم يسع إلى إقامة مؤسسات اقتصادية تدعم نضال أعضائه، وتصون حياتهم، وتبعد عنه كأس سياسة الارتهان إلى الآخرين.”  13

“ابتعد بشير عن المسؤولية المركزية بسبب سفره واختياره الابتعاد عن الصراعات الداخلية، فقد كانت له ملاحظات كثيرة على ما يجري داخل المؤسسة الحزبية.” 14

كل ذلك لم يحل بينه وبين هاجس الهَمّ الحزبي والتزام السلوك النظامي، يومها تحول بيته محجة للقوميين، “إذ قصده كل من اعترضته مشكلة، أو واجهته صعوبات الحياة، فكان يساعد من جيبه الخاص، أحياناً، على قدر إمكانايته.” 15

شدد بشير على أهمية التمسك بالمؤسسات، وإن كانت له مواقفه المعترضة، لكنه رفض رفضاً قاطعاً قيام أي نوع من المواجهة الحادة بين القوميين. (التي وصلت فيما بعد إلى حد التصفات المتبادلة).

بعد إشكال حدث ذات يوم بين بعض المسؤولين الأمنيين وبين رئيس شعبة العمليات المركزية الرفيق سامي العريضي، زار الأخير منزل بشير، وشكى له ما واجهه من ظلم وتعدٍ، وروى العريضي القصة على الشكل التالي: ” تطور الإشكال معهم إلى حد الاعتداء المباشر علي، وزاد الوضع تأزماً إلى حد قارب الإلغاء الجسدي، كما جرت محاولات لاستصدار قرار بفصلي عن جسم الحزب، عندها تدخل كل من الأمينين كامل حسان وجمال فاخوري لوقف الأمور عند حدها، ومنع حسان صدور قرار الفصل، بينما انفعل فاخوري وشهر مسدسه مطالباً بوقف هذه المهزلة. توطدت العلاقة بيني وبين الأمين جمال الذي أخبرني أن الأمين بشير مستاء مما أتعرض له، ولم أكن على علم بما يدور بين المسؤولين من نقاش داخلي، وفجأة وُوجِهْتُ بتهمة التمحور مع الأمينين بشير وجمال وآخرين لإحداث انقلاب ضد القيادة الحزبية، وكان كل هذا الكلام افتراء وتجنٍّ ولا أساس له من الصحة، وهنا شعرت بأن هناك استهداف ما للجميع! بحثت ما يقال مع الأمينين، وكان رأي الأمين بشير أن لا أهمية لكلام فارغ ولغط لا قيمة له، واللغط ساد العمل الحزبي ويسوده في كل المراحل منذ أيام الزعيم، وعلينا الاقتداء بسعاده وتخطي هذه المسائل ومواصلة التزامنا بالعمل الحزبي من دون الالتفات إلى الصغائر.

بعد ذلك قررت مغادرة لبنان، وزرت الأمين بشير ليلة سفري لأودعه، دار بيننا حوار حول الأوضاع القائمة، شعرت خلاله أن بشير غير مرتاح، بل هو مستاء جداً مما آلت إليه الأمور، ومن الوضع الحزبي المتردي، من دون أن ينبس بكلمة سلبية بحق أي مسؤول، لم يشهّر بأحد، ولم ينتقد أشخاصاً بعينهم، لكنه كان يحاول العثور على وسيلة لإيجاد الحل المناسب للأزمة القائمة، مشدداً أن على القوميين الثبات في عملهم الحزبي، والبحث عن أصحاب الإرادات الطيبة، وعدم الاستسلام للأمر الواقع أو الهروب منه بمغادرة البلد، هو يرفض أن يَفْرغ الحزب من كوادره الجيدة، التي إما تسافر، أو تنأى بنفسها عن المسيرة، وأصر على عدم سفري، مؤكدا أن الحريص على مصلحة الحزب لا يغادر ساحة الصراع، وطلب مني البقاء لمواصلة العمل الحزبي إذ لا بد لنا أن ننتصر أخيراً، كان متفائلاً بالإصلاح وأهمية العمل من أجله.  لكني أصريت على السفر، لأبتعد عن الحل الآخر أن أَقتُل أو أُقتَل، وعرضت أمامه كل مسيرتي الحزبية وما تعرضت له من ضغوط واضطهاد، عندها تأملني طويلاً وقال: “أنت ما زلت في ريعان الشباب وأعطيت إمكاناتك، أوكي، أوكي فل، أنا بحبك شخصياً كإنسان وبتجرد، من شخص لآخر، بقلك فل وارتاح بهذي المرحلة لأنها مرحلة خطيرة.” صدمني قوله وتساءلت بيني وبين نفسي كيف ذلك؟ كيف نشعر بالخطر ونحن أقوى الحاضرين وأكثرهم تماسكاً ونظاماً؟! ومن هو الذي سيشكل خطراً علينا!؟ ولكن يبدو أن بشير كان يدرك حقيقة الأمور ودواخلها ويعرف إلى أين نحن سائرون. خلال حوارنا تلقى الأمين بشير اتصالاً هاتفياً أنهاه سريعاً، بعدها بقليل، وكانت الساعة قد قاربت الثانية صباحاً، قرع باب بيته وكان القادم الأمين كمال خير بيك، حيَّانا الرجل وأخذ لنفسه مقعداً، ثم تبادلنا أطراف الحديث حول أمور عامة وعادية، فشعرت بأنه يود الانفراد بالأمين بشير، لذا ودعتهما وانصرفت، مخمِّناً أن هناك أموراً أشد أهمية وخطورة يبحثها الرجلان، وإلا ما الذي جاء بالأمين كمال في هذا الوقت من الليل؟” 16

حاول بشير جاهداً إيجاد موقع مستقل للحزب بعيداً عن محاور الوصاية، وهو المتمسك بمقاومة العدو اليهودي وبضرورة نصرة المقاومة الفلسطينية إلا إنه رفض، كما مر سابقاً، أسلوب ياسر عرفات الاستعلائي، وفي الوقت عينه لم يكن راضياً عن طريقة تعامل عبد الحليم خدام مع القيادة الحزبية، فوطد علاقته مع القيادة العراقية، التي بدأها في وقت مبكر من الحرب الأهلية اللبنانية، “فكان يتبادل الزيارات مع السفير العراقي، ويبحثان الشؤون القومية المستجدة.”  17

“وبعد أن تولى صدام حسين سدة الرئاسة في العراق زاره بشير وإنعام رعد للتهنئة والمطالبة بدعم مواقف الحزب، وعاد بشير معجباً بشخصيته القيادية، ولم يكن صدام على علاقة طيبة بحركة فتح، بل كانت متوطدة أكثر مع باقي الفصائل، منها جبهة التحرير العربية. كان الأمر محرجاً في ذلك الزمان. فإن زارت قيادة الحزب العراق هناك إشكال، وإن زارت الشام هناك إشكال أيضاً، وحاول الحزب أن لا يكون طرفاً مع هذا أو ذاك، بل على العكس بذل محاولات لتصغير حجم التباين الذي كان بين القيادتين السورية والعراقية، عبر مواقفه وتصريحاته الإعلامية، إذ لا يجوز استمرار التباين بين أكبر كيانين في أمتنا.” 18

 وكما ذكر سابقاً، كان بشير في المرحلة الأخيرة من حياته النضاله يركِّز على أهمية الوحدة بين بغداد ودمشق. فهو يدرك جيدا أن مصلحة الأمة تكمن في وحدة الشام والعراق.” 19

لقد قدر العراقيون لبشير مواقفه الجذرية، ورؤيته القومية الواضحة، وصلت إلى حد يذكر “أن السفير العراقي قدم ذات مرة شيكاً من المال إلى بشير، فما كان من الأخير إلا أن وقعه على الفور، وأرسله مع مرافقه رجا عبد السلام إلى عمدة المالية.” 20

بعد انتهاء ولاية المجلس الأعلى برئاسة بشير، وانتهاء فترة رئاسة الأمين إنعام رعد، انْتُخِبَ مجلس أعلى جديد برئاسة الأمين مصطفى عز الدين، وانْتَخَبَ هذا المجلس الأمين عبد الله سعادة لولاية رئاسية جديدة، وكان بشير في ذلك الوقت في فرنسا، كما ذكر سابقاً.

بعد عودته من الخارج، وهو البعيد عن سياسة المحاور، ظل على تواصل مع مركز الحزب بصفته عضواً في المكتب السياسي. زاوج بشير مزاوجة تامة بين إيمانه بفكر سعاده وقناعته أن الحزب هو الضامن الوحيد للعقيدة، وقد كرس هذا الإيمان سلوكاً وقولاً في أوائل طلاته المنبرية، فقد ساهم خطيباً في إحياء المناسبات الحزبية، وشارك باحتفال عيد التأسيس سنة 1957 والذي أقيم في بيروت: “ها نحن نجتمع الليلة، ونقول مع سعاده: إن الأمة السورية إذا كانت قد مرت عليها فتوحات وغزوات، فسنضع نحن حدا للفتوحات والغزوات. نجتمع الليلة، لا لنحتفل بذكرى عقيدة فلسفية، كتبت في مجلدات ووضعت على الرفوف فحسب، بل لنحتفل بذكرى انطلاق تيار حياتي جديد بعيد عن الجمود الأكاديمي، نحتفل بالنهضة، بالحزب السوري القومي الاجتماعي، الجهاز الضامن الأوحد للعقيدة، نحتفل بذكرى رسوخ النظام القومي الاجتماعي، الذي استطاع وحده أن يضمن استمرار النهضة. نحن عند ثقتك يا زعيمي، فلن نتخلى عن الرسالة التي تركتها أمانة في أعناقنا، ونحن سائرون قدماً إلى حيث نلقاك باسماً تفتخر بنا وتعتز.” 21

… وكان خطيب المركز في آخر احتفال تأسيس حضره وفي بيروت بالذات، وحضره رئيس الحزب عبد الله سعادة ” 22

تحدث في هذه الكلمة عن انحطاط شامل شهدته بلادنا، وجاء السادس عشر من تشرين الثاني ردّا تاريخيّاً شاملاً أيضاً: “الشمولية هي أول سمة من سمات هذه الحركة العظيمة. ليست هذه الحركة حركة تحرّر وطنيّ وليست حزباً سياسياً فقط، وليست دعوة ثقافية فكرية، وليست حركة إصلاح اجتماعيّ. إنها نظرة جديدة وتفسير جديد للإنسان والمجتمع والتاريخ والحضارة، وكشف كامل لهويتنا وحياتنا وقيمنا ومثلنا، ورسم لصورة حياة جديدة كاملة. إنّها نهضة شعب كاملة شاملة. إنها عقيدة تتناول الوجود كلّه. ولأنّها شموليّة فهي توحيديّة. إنّها ترمي إلى تحرير الإنسان وتوحيده في مجتمعه. وتحرير الأرض وتوحيدها، وتوحيد الإنسان مع الأرض. إن اعتماد الأرض كأساس ماديّ لارتباط الإنسان هو أحد أبرز مميزات هذه النظرة، واعتماد التطور الماديّ الاقتصاديّ كأساس للتّفاعل مع الارتقاء النفسي الثقافي، هو أحد أسس بناء الفلسفة المدرحيّة التوحيديّة، هو السمة الثانية لهذه الحركة.

(…) فمن سومر وأكاد، من بابل وآشور، من آرام وكنعان كانت هذه الأمة أمة العقل. العقل المبتكر الخلّاق الرافض السّائل المتسائل المشكّك المجتهد. من ابتكار المحراث حتى رصد الفلك حتى الأبجدية، حتى أنسنة الله وتأليه الإنسان، كانت أمتنا أمّة العقل. في الرواقية التي مدّت ظلالها ستمئة سنة على العالم المتوسطي القديم، فركزت العقل والإرادة والفضيلة. إلى النساطرة واليعاقبة والأيوبيين والموارنة في المسيحية إلى الشّيعة والقرامطة وأخوان الصفا والمعتزلة في المحمدية بقيت هذه الأمّة أمّة العقل المتوثّب.

وبعد ألف سنة من الركود، كانت يقظة العقل من جديد.

كان سعاده الذي جمع في عقله كلّ عقل الأمة، في وجدانه كل ماضيها العريق، فكانت هذه الحركة الشاملة الموحدة العقلانية لحلّ مشاكلها ومشاكل كل الأمم التي تعاني ما نعاني، في صراعها الإنسانيّ والقوميّ.” 23

 وختم كلمته بنص من الشعر الحرّ جاء فيه:

“وعهداً إننا على الطريق…

أبداً نمشي على هذي الطريق

نفنى فدى سنبلة حبلى.. زهرة دفلى.. طفل رضيع..

عصفورة عاشقة.. سحابة باكية.. صنوبرة، أم الربيع..

نمشي قوافل للفداء..

نحدو جحافل للنداء..

والجراح رايات كفاح..

ملء الحناجر،

أقوى من كل الخناجر،

وصلاة نشيد..

نتلوه نصليه ونعيد،

يا وطني..

عز السواقي أنها تفنى فدى النهر العميق.” 24

قفز فوق “المحاور” إلى المجلس الأعلى

إذن شهدت رئاسة الأمين عبد الله سعادة وحدة الحزب التي لم يكتب لها النجاح الكامل كما تبين سابقاً وقبيل انتهاء مدة رئاسته، دعي إلى المشاركة في مؤتمر كبير يعقد في مدينة كابول، نظمه الاتحاد السوفياتي السابق، يشير الأمين سعادة في سياق مذكراته، إلى حادثة، تنبئ طياتها تعرضه لعملية إقصاء في تلك المرحلة الدقيقة: “كانت إعدادات انتخابات المجلس الأعلى تجري على قدم وساق، حاولت الاعتذار من السوفيات على أن أنتدب ممثلا عني إلى هذا المؤتمر. فرفضوا وأصروا على حضوري الشخصي. غادرت بيروت إلى موسكو، ومنها إلى كابول، حيث ألقيت كلمة نالت إعجاب الوفد السوفياتي. ثم عدت إلى موسكو حيث كان مقرراً أن أغادرها في اليوم التالي مع سائر أعضاء الوفود، ففوجئت بالسوفيات ينقلونني من غرفتي العادية في الفندق إلى جناح فسيح مجهز أفضل تجهيز، وأبلغوني أن سفري تأجل، فأصررت على السفر، لكنهم أصروا بدورهم، وكان القرار لهم حكماً. في اليوم التالي بدأت اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحافية معي لمدة ثلاثة أيام. وقد صرح لي، آنذاك، نائب رئيس لجنة التضامن الأفرو– أسيوية السوفياتية (ساروخوف) بأن علاقته مع الحزب تختلف بشكل واضح بين مرحلة ما قبل عبد الله سعادة وما بعد عبد الله سعادة. ورجعت إلى بيروت عن طريق دمشق. ووجدت أن الأمناء المركزيين وفي طليعتهم إنعام رعد، وداوود باز، ومحمود عبد الخالق، ومروان فارس، ومحمد سليم، يخوضون ما سموه معركة “الفرز”. والمقصود بالفرز من وجهة نظرهم، فرز التنظيم المستقل عن المركزيين، واستئثار هؤلاء بالسلطة. ولما سُئل مروان فارس من قِبَلِ أحد الأمناء عن موقفه وزملائه من الأمين سعادة، أجاب بوضوح: “نحن نريد معركة فرز، ونرفض التوفيقية، والأمين سعادة ينهج نهجاً توفيقياً بين المركزيين والخوارج.” فالفرز في الحزب مع الأسف كان وما زال له دعاته الذين نظروا له وشجعوه.” 25

تحدث الأمين محمود عبد الخالق عن تحالفه في تلك الانتخابات مع: “إنعام (رعد) ونبيل العلم، الذين كانوا مع آخرين في محور واحد، ومع ذلك ربطتني أنا وإنعام ببشير علاقة طيبة ولم تنتقل هذه العلاقة إلى نبيل، كنت أزوره في منزله بشكل دائم مع الأمين داوود باز، ونلتقي عنده بكمال خير بك، فالعلاقة على الصعيد الشخصي كانت أكثر من ممتازة.

وكان كمال يرأس تنظيماً خارج الحزب، وعلى الرغم من ثورية هذا التنظيم، فقد أثار بلبلة في صفوف القوميين بسبب ازدواجية الانتماء، وبشير ربطته بكمال علاقة ممتازة، وهو، حسب ما أعتقد، لم يشاركه في عمل التنظيم، لكنه على الأقل كان على علم بما يقوم به كمال، وربما تسبب ذلك باتخاذ بعض الناس موقفاً سلبياً من بشير، الذي كان يدافع بشراسة عن كمال وعن شباب التنظيم.” 26

ناظر تدريب منفذية بيروت رياض عيد يقول:”تقرر أن تعقد جلسة انتخاب المجلس الأعلى الأخيرة التي حضرها بشير، في القاعة التابعة للمنفذية في وقت عصفت بالحزب مشاكل لا تعد ولا تحصى سنة 1980، وحرصاً على سلامة المؤتمر وحتى لا يحدث أي إشكال، طلب مني عميد الدفاع محمد سليم حفظ أمن المؤتمر، وعدم السماح لأحد بإدخال السلاح إلى قاعة الاجتماع.

قبيل جلسة الانتخاب حضر بشير إلى قاعة الاجتماعات منفرداً، يقود سيارته بنفسه، وقد حرصت على القيام بالمهمة التي كلفت بها، ولكني وقعت في حيرة من أمري تجاه شخص واحد هو بشير عبيد، فهل سأجرؤ على طلب مسدسه منه؟ واحترت كيف أتصرف، وهل سيسمح رياض عيد لنفسه أخذ سلاح بشير عبيد؟! وأنا الذي طلبت من كل من دخل القاعة أن يضع سلاحه خارجاً، بعد الكثير من التفكير قررت أخيراً أن أحتضن بشير وأدخل معه إلى الاجتماع، وإذا سُئِلْتُ سأقول فتشته ولم أجد أنه يحمل سلاحاً. وصل بشير ونفذت الخطة، غمرته وتبادلنا القبل، ولففت زندي حول خصره ودخلنا القاعة معاً، فلاحظت إنه لم يكن يحمل مسدسه، بادرته بالقول: غريب أين مسدسك ليس من عادتك الخروج من دونه؟ فأجابني ضاحكا: “إنت بتعرفني لما صاروا خريوات الزمان يحملوا مسدسات صرنا نستحي بحمله”، همست لنفسي هذا هو بشير عبيد.

كانت الجلسة صاخبة، وصوت بشير فيه يقارب الصراخ وفيه الكثير من الحدة، فجأة خرج غاضباً، لكن بعض الأمناء تبعوه، وأعادوه ليتابع الجلسة، أزعجني غضبه ونحن الذين ربانا حزبيّاً الأمين كامل حسان ابن بشامون، وكان يحدثنا عن الأمين بشير باعتزاز واحترام منقطعي النظير، ويقول أنه “قامة قيادية كبيرة، بل من أهم القيادات ليس في الحزب السوري القومي الاجتماعي وحسب، بل في كل أحزاب وفئات العمل الوطني والقومي، مثقف بامتياز، ورجل وقائد بامتياز، صاحب قرار بامتياز متجرد من أنانيته وذاتيته، ومنخرط في العمل الحزبي، بل راهب في الحزب بكل ما في الكلمة من معنى.” ويطلب منا أن نقتدي بأمثاله. وهكذا خبرته خلال عملي تحت إمرته في معارك الجبل، وبعد كل ما سمعناه عن بطولاته أيام السجن، كيف يصل الأمر إلى حد إغضابه بهذا الشكل؟!” 26

خاض بشير انتخابات المجلس الأعلى “ولم يحالفه الحظ في الدورة الأولى، فغادر قاعة الاجتماع غاضباً، لكن الأمينين جوزف السبعلي ومفضل علّو تبعاه إلى الخارج، وطيبا خاطره متمنيان عليه العودة والترشح للدورة الثانية.” 27

وفي الدورة الثانية: حاول الأمين إنعام رعد تشجيع الأمناء على انتخاب الأمين جبران جريج بدلاً من بشير، على ما جاء في مقابلة الأمين يوسف زيدان الذي قال: “قصدت بيروت للمشاركة في العملية الانتخابية، مع الأمينين ساسين حنا وخليل دياب، ودخلنا معاً إلى جلسة الانتخاب، حيث جلسنا متلاصقين، لم ينجح بشير من الدورة الأولى، ومع بدء الدورة الثانية، سار الأمين إنعام من أول القاعة متوجهاً إلى آخرها وهو يهمس يميناً ويساراً جبران، جبران، وعندما أصبح قربي، وبشكل عفوي شتمت أمه وأم جبران، فتراجع إلى الخلف وبخطوات سريعة ليبتعد عني، وكان يريد أن ينجح جبران على حساب بشير عبيد. الأمين جبران مناضل ونحترمه جميعاً، ولكن بشير عبيد رفيق شاب ومناضل، ورجل شجاع ومقاتل شرس من أجل الحق القومي، وقائد واعد، بينما الأمين جبران رجل كبير ومتقدم في السن يستحق الاهتمام والراحة ليكتب تجربته الطويلة. انتخبت أنا وخليل وساسين بشير، متجاوزين العلاقة الطيبة التي تجمعنا بإنعام، في وقت لم تجمعنا علاقة مباشرة مع بشير، ولكن أمراً كهذا يثير حفيظة العاقل، نحن يومها لم ندخل ب “كليك” لنجعل بشير يفوز، بل كان هذا منطق الأمور، وهم من عملوا “كليك” ضده، وقيام “الكليكات” أنهت الحزب.

انتخبنا بشير لأنه أهل لذلك وضميرنا ووجداننا القوميين دفعانا إلى انتخاب قائد صاعد، ورجل مؤهل للقيادة والمواجهة، فكيف لا ينتخبه صاحب الضمير الحزبي؟” 28

يعزو محمود عبد الخالق سبب عدم فوز بشير في الدورة الأولى من تلك الانتخابات “إلى الشائعات التي أثيرت حول علاقته بكمال، وقد فاز في الدورة الثانية، وهو، أي بشير، لم يكن ضد انتخاب إنعام (رعد) لرئاسة الحزب تلك السنة.”  29

 

المراجع

1 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 262 و263

2 ـ مصدرسابق ص: 287

3 ـ ضمت جبهة الصمود والتصدي ليبيا، والشام، والعراق، والجزائر، ومنظمة التحرير الفلسطينية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وأُسست في تشرين الثاني 1977، في أعقاب إعلان الرئيس المصري أنور السادات أمام مجلس الشعب المصري استعداده للتوجه لزيارة “إسرائيل”، (ويكيبيديا)

4 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية ص: 289 و290

5 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

6 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص: 290

7 ـ الأمين منير خوري، سفينة حياتي، دار نلسون، طبعة أولى، 2003 ص: 179

8 ـ من مقابلة بسام أبو شريف

9 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

10 ـ من مقابلة الياس الديري، ت: 10/07/2017

11 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

12 ـ من مقابلة خزامى قاصوف، 06/01/2017

13 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

14 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

15 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

16 ـ من مقابلة سامي العريضي

17 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

18 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

19 ـ من حديث أسعد عبيد إلى مجلة صباح الخير

20 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

21 ـ جريدة الزوابع، 22 تشرين الثاني 1957، العدد 242

22 ـ مجلة صباح الخير، 1 كانون الأول 1979 العدد 224

23 ـ المصدر السابق

24 ـ عبد الله سعادة، أوراق قومية، ص:291

25 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

26 من مقابلة الأمين رياض عيد

27 ـ من مقابلة الأمين جوزف سبعلي

28 ـ من مقابلة الأمين يوسف زيدان، ت:29/01/2017

29 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

الفصل الخامس: الطبع الإنساني وتنمية المواهب…

 

الانسان العارف الرؤوف

اتخذ بشير قرار الانتماء إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي عشية استشهاد الزعيم، ومنذ أن رفع يمينه مردداً قسم الولاء وحتى استشهاده في 5/11/1980، وهو يتنقل من مسؤولية إلى أخرى، يخوض فيها حروب الحزب، من حرب 1958 إلى انقلاب 1962، وصولاً إلى الحرب الأهلية اللبنانية، في وقت لم يكن الداخل الحزبي أحسن حالاً، إذ عاصر بشير أول انشقاق شهده الحزب بعد طرد الأمين جورج عبد المسيح، وحال الضيق الذي عاشه القوميون بعد حرب 1958، ثم كان من قادة الانقلاب وبعد أن ذاق مرارة السجن وعذاباته، شارك في مؤتمر ملكارت، وابتعد عن التنظيم السري، وشهد حركة المنفذين العامين والانشقاق الثاني، الذي فرز من حزبه حزبين، عرف أحدهما بالمركز، والثاني بتنظيم الخوارج.

ابن العقيدة الملتزم نظام المؤسسة صارع من خلالها في الحرب والسياسة والفكر، والكتابة، ( نشر معظم مقالاته في مجلة صباح الخير)، وقع باسم “صنين” المقالات ذات الطابع النقدي الساخر سخرية مُرَّة، لما شهدته المرحلة من مفارقات، بينما وقع مقالاته السياسية والفكرية باسمه الصريح. كما ألقى العديد من الخطب في مناسبات حزبية وسياسية واجتماعية، (جمع ما توفر منها بعد استشهاده في كتاب حمل عنوان” بشير عبيد مقالات ومواقف 1975 – 1980)1

ابن بيت شباب المستظلة شموخ القمم الناصعة، أحب أرضها الخيِّرة واستمد من ثلج صنين صفاء نفسه، التي ما ارتاحت يوما إلا في الكتابة. حلق في فضاء المتن الشمالي العابق بالعلم والمعرفة والأدب والشعر والفكر، فغرف من معينه زاداً أهّله لأن يكون ذلك الخطيب المفوّه، والكاتب والناقد والشاعر في بعض النصوص. وُجدت له العديد من المقالات الفكرية والوجدانية التي كتبها في السجن منشورة في جريدة الشمس، موقعة باسم “نذير الشويري”. 2

لم يقيض لبشير أن يكمل دراسته الجامعية، كما كان يطمح، وإن أُلقِيَتْ على عاتقه من مسؤوليات عائلية حزبية جسام، فقد وجد لنفسه الوقت لبناء شخصية عرفت بحضورها المتميز بين أبناء جيله. “فهو من الذين انتموا بقلبهم وروحهم وعقلهم، لا بجيوبهم ولا بطموحات أخرى، لرئاسة أو ثروة، ليس له أي مأرب شخصي، وهو من الرجال النادري الوجود، سواء في الحزب القومي أو في أي من الأحزاب والطوائف كلها. إلا أنه من الصعب جداً أن يختصر المرء بشير “بشوية كلام،” ولكن يمكن تعداد بعض خصاله، ومنها التواضع، الرقي النفسي والشجاعة، وصدق الانتماء، والإيمان، ليس بأنطون سعاده بل بفكره، بدعوة أنطون سعاده، وليس بالحزب وحسب، بل بوجهة النظر التي وضعها أنطون سعاده لأمته. امتلك زاداً فكرياً وثقافياً كبيراً، وكان شديد الدقة في اختياراته، فلا يدخل مجالاً ليس ضالعاً فيه. محاور ممتاز، يتقن فن الإصغاء ويملك ناصية الفكرة التي يحاور فيها.” 3

“رجل من الرجال الصادقين مع نفسه ومع العقيدة، وهو من القادة الشجعان الذين يقدمون على العمل بكل همة، من دون أن يهتم بالمخاطر التي قد تواجهه، بالإضافة إلى ذلك، رجل فكر وعقيدة، تتمثل العقيدة عنده بإيمان مطلق، ويعمل على أساس أن الممارسة العقائدية تتفوق على الكلام فيها، لذا تمكن أن يشكل لحضوره داخل الحزب حالة خاصة يحبه كل من عرفه ويكن له الاحترام.” 4

 

سياسي خارج المألوف.. مرافق لمرافقيه

تحدث الكثيرون ممن عرفوا بشير عن اتسام شخصيته بالقسوة والصرامة والجدية، لكن أقانيم المحبة والاحترام والثقة سادت علاقته بالكوادر الحزبية؛ قيادات كانت أم عناصر، يشدد أمامهم على ضرورة الالتزام بالعمل وتحمل المسؤولية الملقاة على عاتق كل فرد في موقعه، وكان القدوة في ذلك، ولعل القسوة والشدة التي وُصف بها أيام توليه عمدة الدفاع تحولت إلى حال من البساطة والتواضع والدفء في علاقته بمرافقيه ومن هم بإمرته، وإن لم يتخلَ الرجل عن حزمة وصلابته في اتخاذ المواقف.

“هو القائد المتواضع”، يروي مرافقه رجا عبد السلام، “يعامل مرافقه وسائقه معاملة الأخ أو الإبن، كان دائم القلق على القوميين وعائلاتهم، فيقول: إنهم يتحملون المعاناة والحاجة، وفي كل معارك الحزب يجرح من يجرح ويصاب بالإعاقة من يصاب، ويستشهد من يستشهد، ولا من يفكر بإيجاد مؤسسات تحمي العائلات، وتؤمن المستقبل الكريم للأجيال. ينقصنا المليون الأول لنبني مؤسسات تنهض بهذا الحزب وتؤمن مستقبل أتباعه، فالقوميون جاهزون للبذل والعطاء في العمل كما في النضال، ولكن تنقصهم الفرص، ولا مجال لإيجادها إلا ببناء المؤسسات.” 5

توافق رأيه مع ما قاله كل من سميح الصايغ وغسان الغريب اللذين أكدا أن بشير: “تصرف مع مرافقيه على أنهم أفراد العائلة لا يجلس إلى مائدة الطعام من دونهم، سواء كان لديه ضيوف أو مع أفراد العائلة. ويضيف سميح: “ليس من السهل وصف إنسانية ورقته مع كل المحيطين به، فلم تثنه الظروف الأمنية والمشاغل الكثيرة التي انهمك بها، عن الاهتمام بكل من حوله، هو قمة في التواضع، تواضع وبساطة لم أعرفهما في عدد وافر من قادتنا الذين خبرتهم عن قرب.” 6

 بينما أضاف غسان: “لقد رفض أن ينام مرافقوه في غرفة الحرس خارج المنزل، بل أصر على وضع أسرتهم في غرفة الطعام داخل بيته المتواضع، عامل من يرافقه معاملة رفقاء لا حاشية.

قائد شجاع، بل أكثر من قائد هو فارس قل نظيره، مقدام لا يهاب الموت، ويمتلك حساً إنسانياً راقياً يتصرف بروحية راقية مع رفقائه. تصرف بما كان على مرافقيه أن يتصرفوه، وها هو يحرسهم بدل أن يتولوا حراسته، ففي إحدى ليالي الحرب الأهلية، زار جورج حبش وخرجنا بعد منتصف الليل، وقد هدنا التعب من طول السهر، وقفنا ننتظر وصول المصعد، وفجأة شهر بشير مسدسه واستدار صارخاً قف! فإذا بشاب مسلح برشاش يقف خلفنا، سأله بشير بصوت حازم عما جاء به، أجاب سمعت حركة في المبنى فجئت أتفقد ما يجري، تركه ينصرف ولم يعلق على الأمر، من هنا أقول أنه حرسنا بدل أن نحرسه.

بشير القائد المتميز طالما نظر إلى رفقائه نظرة رجل مسؤول عنهم أكانوا في جهاز مرافقته أو خارجه، لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، لا يمارس السياسة خارج النضال. هو المقاتل على الجبهة لا يعرف متى يستشهد، لا يهاب الموت، ويقصد أي مكان تفرض عليه مسؤوليته الوصول إليه من دون أي حساب للمخاطر. بعد أن تركت مرافقته تزوجت وسافرت مع زوجتي، قصدنا بشير للتهنئة، مر من أمام دكان والدي الذي كان يلبي طلب الزبائن الكثر، دخل مرافقه ليخبر أبي بحضوره لتهنئتي، ترك زبائنه على الفور وأسرع للترحيب بالضيف، سمعه يلوم المرافق ويقول له ألا ترى أن الرجل منهمك في عمله، فتدخل أبو غسان مصراً على إغلاق الدكان ومرافقة بشير إلى منزله، لكن الأخير رفض بشدة معتذراً وواعداً بتكرار الزيارة. فعلا بعد أن عدت من السفر زارني وأحضر لي هدية مباركاً زواجي. أكرر هو يحميك بدل أن تحميه يمتلك من العاطفة الإنسانية الراقية ما لم ألمسه بمسؤول سواه في الحزب، أو خارجه، يحترم الرجال، ويحب الشجعان.” 7

يوم توليه رئاسة المجلس الأعلى وقيادة الجبل، تصرف بالتواضع والبساطة ذاتها مع رفقائه، ومرافقيه، ينتهز الفرصة في زحمة مسؤولياته، ليزور بعض بيوتهم، يروي غسان الغريب أنه “يوم كان مرافقه زار منزل عائلته أكثر من مرة، يتفقدها ويطَمْئِن أمي الملهوفة على سلامتي، وكلما أطل عليها يقرأ في عينيها الشوق المقترن بالقلق والخوف على ابنها البكر.

ترتبك والدتي وتحتار كيف تكرم الضيف المصرّ على عدم دخول غرفة الصالون، يختار الانضمام إلى الجالسين فوق السطيحة. تحضر القهوة، وتحاول أن تحضر طاولة تليق بمقامه، لكن بشير يجر قسطلاً عليه علبة تنك فارغة مركونة قربه، ويأخذ صينية القهوة من يدها ويقول: مافي داعي تعذبي حالك هيدي بتكفي.

بعد حصار بلدة ضهور الشوير قررت قيادة الحزب تغيير الآمر العسكري، وتعييني بديلاً عنه، لكن بشير رفض تسلمي هذه المسؤولية، غضبت وأعربت له عن انزعاجي، معتقداً أن بشير لا يثق بقدرتي على تحمل مسؤولية رئيسية في تلك المنطقة المحاصرة، لذا اقترحت أن أكون مساعد آمر الموقع لعدم علمي الدقيق بجغرافية المنطقة، لكنه أصر على الرفض، وعندما واجهته بهواجسي، قال: “تريدني أن أوافق على إرسالك إلى منطقة محاصرة، وأنا الذي خبرت شدة قلق أمك وخوفها عليك؟ لم أستطع أن أوافق على هذا الأمر حرصاً عليك وعليها.” 8

يؤكد سميح الصايغ على ما ذكره الأمين غسان الغريب عن حرصه وقلقه على حياة المولجين بحمايته: “قبل فترة قصيرة من استشهاده حصل أشكال أمام البناية، تطور إلى إطلاق نار وقد ابتعدت قليلاً عن البناية لملاحقة المسلحين، أطل بشير من شرفة الطابق الرابع يصرخ بي كي لا أذهب بعيداً بمفردي، وعند انتهاء الإشكال جلسنا سوية فقال لي: لا احتمل أن أفقد رفيق بسببي، سيعذبني ضميري كل العمر. وبقي حوالي اسبوع يعيد علي أن لا أتهور، عبر لي عن مشاعره الوجدانية الصادقة.” 9 ( لعل قلقه على حياة مرافقه رجا عبد السلام، كلفه فيما بعد حياته وحياة صديق عمره كمال وأبنة شقيقته ناهية)

 كما اهتم بمن حوله، أولى ما يزرعه العناية ذاتها، يقصد بلدة سوق الغرب صيفاً: “يهتم بالمردكوش والحبق والزعتر يلمس النبتات  يحدثها برقة وسعادة. قصد يوماً عرزال الزعيم في ضهور الشوير، وقف هناك حوالي ربع ساعة ينظر باتجاه بلدته غير المرئية متأثراً أنها لا تبعد عنه سوى عشر دقائق ولا يمكنه زيارتها. يخبرني كم هي جميلة بيت شباب. استشهد ولم يرَها، وحتى لم يكرم فيها ولو بعد حين.” 10

يصفه الأمين علي الحاج حسن بالقائد: “السريع الحركة والعبارة يبتسم للصعاب إذا احتدم الموقف، يقدم بلا يتردّد، يكفي أن يذكر أسمه (في أي مناسبة) ليحتشد القوميون والمواطنون لسماعه والتعرف عليه، هو ركن أساسي من أركان النهضة في حزب سعاده، وثائر من المفوّهين العقائديين المميزين بمواقفهم وآرائهم. هو المثقف الثوري كما كان يقال عنه، لذا كنّا نسعى للقائه والإفادة من حضوره.” 11

مُحِبٌّ  …محبوب من العائلة والأصدقاء

“لم يعرف بشير طيش المراهقين، وهو المنهمك بطلب العلم، والتزود من فكر النهضة، والمنتمي إلى الحزب في السابعة عشر من العمر، تحمل مسؤوليات عدة في سن مبكرة، لم تشغله مشاعره الخاصة، ومع ذلك شكل فارس أحلام للكثيرات من صبايا جيله، حتى أن ابنة مسؤول حزبي ثري تعلقت به يوماً. روى لأمه حكاية تلك الصبية التي شغفت به عشقاً، حتى أنها  أدخلته إلى غرفتها، وابتسم وهو يخبرها كيف فتحت واحدة من خزاناتها لتريه عشرات من أحذيتها النسائية، لكن الوالدة رفضت الأمر من أساسه قائلة: نحنا مش قدهم، إبعد عنها، لا تعلقها فيك ولا تعلق فيها. وانتهى الموضوع عند هذا الحد.” 12

          خلال وجوده في السجن تبادل الرسائل مع إحدى الرفيقات، وبدا من سياقها أنه أحبها. ويروي الأمين جوزف سبعلي أنه: “في أول سهرة ليلة رأس السنة بعد خروجه من السجن، دعاني بشير لأصطحبه إلى سهرة تقام في صالة أحد الفنادق، وخلال الطريق عرج على بيت أحد القوميين، واصطحبه إلى السهرة مع شقيقته؛ فتاة رقيقة جميلة وفائقة التهذيب، وقضى الجميع سهرة لطيفة شعرت خلالها بإعجاب متبادل بين بشير والصبية، ومع ذلك لم يظهر من سلوكهما إلا كل تقدير وتهذيب واحترام، وبعد استشهاد بشير أخبرني ذلك الرفيق أنه يحتفظ برسائل متبادلة بين شقيقته وبشير أيام السجن.” 13

لم ينسه سجنه أصدقاء الطفولة، بل انتهز المناسبات والأعياد للتواصل معهم، وإرسال بطاقات المعايدة، وخصوصاً في عيدي الميلاد ورأس السنة، رسائله تلك طفحت بالإيمان الذي يعمر نفسه، وقد احتفظ صديقه المحامي إميل بجاني بعدد منها وزود بها عائلة بشير بعد استشهاده.

كتب في إحداها: “عزيزي اميل

في عيد ابن الله عيد المحبة الالهية التي تأنسنت لأجل خلاص الانسان من سجن وثنيته وعبودية كفره وضعفه، في هذا العيد العميق بمغزاه البليغ بمرماه، تتوجه نفسي عبر السجن المادي إلى الأحرار في نفوسهم، وأنت يا أخي في مقدمتهم. حاملة اليك أصدق تمنياتي وأزكى عواطفي راجياً من إله العيد أن يعاوده عليك وعلى العائلة الكريمة أعواماً طويلة رافلة بالخير والعافية والمزيد من المحبة.

انا في سجني – المطهر الذي لا أتذمر منه ولا أشكو بل أمارس فيه إنسانيتي بصدق المؤمن وشجاعته، وبساطة المخلص وصفائه.

أضرع إلى الله أن يعضد المؤمنين الأحرار المحبين الشجعان، وقد كنت أيها المؤمن المخلص المحب مثالاً، ما هاب العواصف الجامحة والأعاصير الجائحة … كنت لي سنداً وساعداً يوم عزت الإسناد والسواعد، وكنت واحداً من ابناء الله الذين أفتخر بصداقتهم وأعتز بأخوتهم يا اخاً لم تلده أمي …

لقد زادني إيمانك بالله إيماناً وزادتني أصالتك محبة لأصالة أبناء بلدي.

لقد زدت يقيني يقيناً وشجاعتي شجاعة زادك الله عمراً.

فطوبى للإيمان وتباركت الأصالة وهنيئاً لك عمرك.

في عيد ميلاد مسيح المحبة أتمنى لك ولكل مؤمن محب شجاع مخلص محبة متجددة كل عام وإلى أعوام عديدة مديدة …” 14

“خرج من سجنه ليسكن في بيت شقيقته عفيفة، بعد أن خرب رجال المكتب الثاني منزل العائلة، وانتهز المالك اللحظة المناسبة ليسترد البيت من عائلة بشير الذي لم يكن له بيت، في كل حياته.” 15

دأبت عفيفة على زيارة شقيقها بشكل شبه يومي طوال فترة سجنه، وفي الأماسي كانت تروي لصغارها حكايات عن بطولة ذلك الفارس السجين. فعاشوا جميعاً على أمل عودته.

“عانى من الضائقة المادية بعد الخروج من السجن، مما جعل منه إنساناً عصبي المزاج، سريع الغضب، وهذا شأن طبيعي بعد قضاء ما يزيد على سبع سنوات وراء القضبان، لكنه استعاد توازنه بسرعة وعمل على المواجهة وإيجاد المخارج المناسبة لأزمته المادية، ولم يعدم وسيلة في تأسيس الأعمال المنتجة.” 16

بصوت متهدج ونبرات مشحونة بالألم والحسرة، وكلمات تسابقها العبرات المخنوقة يتابع غازي ابن اخته حديثه باعتزاز وحرقة عن خاله: “لم تكن حياته عادية، بعد خروجه من السجن، كان دائم الانهماك بالعمل الحزبي والاجتماعات، مما حرمني من لقائه إلا في أوقات متفرقة، في الصباح الباكر أذهب إلى المدرسة، والبيت يعجَّ بأناس حضروا للقاء بشير، وفي المساء يمتلئ الصالون بضيوفه، “هذا بيت الأمة” جملة يرددها بشير باسماً كلما أزدحم البيت بالزائرين. كنت أجلس، معظم الأحيان، في ركن من أركان الصالون للإصغاء إلى أحاديثه، حضوره ألغى الآحاد والأعياد، لصالح الحركة الدائمة في المنزل واستقبال الضيوف، وحضور الحوارات الحزبية التي لا تنتهي. كل ذلك لم يمنعني من الشعور بالسعادة قربه وهو العائد بعد غياب طويل.

          طالما حرضني على متابعة التحصيل العلمي، وضرورة التميز عمن سواي، وتكبير طموحاتي، وبذلك يمكنني بناء شخصية رجل قادر على مواجهة أعباء الحياة، شعرت بصعوبة تحقيق آماله، ومع ذلك قبلت توجيهاته برحابة صدر.

حرصت على حضور كل المناسبات التي كان خالي خطيباً فيها، تغمرني سعادة عارمة وأنا أرى الناس يصفقون لكلامه بحرارة، لكن حتى هذه الفرص القليلة جاءت الحرب وخطفتها من حياتي، وكلما سألته متى ستنتهي هذه الحرب، يعدني بأن الحالة ستهدأ قريباً، وبدل أن تهدأ كان الشباب يلجأون أحيانا إلى تغيير أسمائهم كي لا يغدر بهم حلفاء الصف الواحد، وهذا الأمر دفعني إلى مغادرة البلد.” 17

تخطى بشير الصعوبات المالية وأسس مع شقيقه أسعد أعمالاً مشتركة، وكان مولعاً بالفن الرحباني عموماً وبصوت فيروز خصوصاً، يتابع أعمالهم المسرحية من بيروت إلى بعلبك مصطحباً معه أفراد العائلة.18

امتد اهتمامه بالعائلة إلى بلدة أمه التي قضى فيها جزءاً كبيرا من طفولته، وقد ربطته بقريبه ورفيقه فارس السبعلي علاقة صداقة متينة تصفه أرملة فارس عبلا السبعلي بالرجل: “العفوي المحب، عرف بشجاعته وتواضعه، وقدرته على تحدي المصاعب، كان صديق بيتنا، ربطته بزوجي فارس علاقة أخوة، يتقرب بنا كثيراً، ولطالما ردد أنه شرب من حليب بيت السبعلي، كان لحضوره شبه الدائم في المياسة وقع متميز، أحبه من كل من عرفه من أبناء البلدة حتى الكتائبيين منهم.” 19

وتصف هالة عبيد علاقتها بسلفها بشير بالقول: “منذ أن عرفته حتى ساعة رحيله، وأنا أشعر بالرهبة كلما التقيته، أو حضرت مجلسه، علماً أنه كان يعاملني معاملة لطيفة تعبق بالحنان والعطف والتقدير، ويشعرني وجوده بالأمان، فهو يفيض حناناً بتعامله مع أطفال العائلة وكبارها، شديد التواضع، قريب من الناس، يحل الفرح والحركة حيثما حل، يتمتع بأخلاق الفرسان، راقٍ سريع البديهة حاضر النكتة، مستمع جيد، يصغي لمحدثه ولا يقاطعه حتى ينهي كلامه، يزن أجوبته قبل أن يجيب على أي سؤال.

كان مولعاً بالأعشاب والتداوي بواسطتها، وهو صاحب ثقافة واسعة في هذا المجال يعرف كل عشبة أين تنبت وتتكاثر، كيف تخزن وتستعمل، وما دواعي استعمالها.

أسس مع زوجي أسعد (شقيقه) مطبعة صنين ولكن ما لبثا أن أقفلاها، ربما لقلة خبرتهما في هذا المجال، ولكن بشير كان يحرص دائماً على إيجاد وسيلة لتأمين الدخل المناسب للعائلة، وكذلك أسعد لذا عملا سوية في غير مجال.”  20

بعد الفرز الذي قسم لبنان إلى مناطق شرقية وغربية، غادر بشير بيت شباب، وراح يتنقل من منزل إلى آخر حسب مقتضيات موقعه القيادي، وكانت شقيقته عفيفة تتبعه حيثما حل وارتحل، “عشت معه في سوق الغرب فترة من الزمن، لكن عائلتي بدأت تعاني من مضايقات الكتائب وتهديداتهم،  مع أن إخوة زوجي أعضاء في ذلك الحزب، لذا قررت بالاتفاق معه أن ننتقل من بيت شباب إلى بيروت الغربية، بعد أن هاجر أبنائي الشباب، اصطحبت بناتي الثلاث ( نهى، الشهيدة ناهية، وتريز)، ليلتحقن بعملهن أو ليتابعن دراستهن الجامعية، متحاشية بذلك تنقلهن بين حواجز المسلحين في المنطقتين، وقررنا السكن في مكان آمن، فأخذ لنا بشير منزلا في الطابق الأول من المبنى الذي كان يقطن في أحد شققه.” 21

استقر صديق بشير الأمين كمال خير بيك في بيروت بشكل شبه نهائي، بداية سبعينيات القرن الماضي، وعاد هو وزوجته نجاة وولدهما زياد المصاب بنوع من الشلل الجزئي، “وقد ربطت بشير بالعائلة صداقة قوية، وما لبث أن وقع خلاف بين الأمين كمال وزوجته، حاول بشير أن يصلح بينهما، ولكن لم يكتب لمساعيه النجاح – على حد ما سمعت هالة من زوجها أسعد – وبعد أن وقع الطلاق تزوج كمال من خزامى قاصوف، ويبدو أن ما تمتعت به نجاة من حضور ونضج واتزان أعجب بشير، وبعد ذلك أصبح الإعجاب متبادلاً.

تعرفت إلى نجاة يوم زارت منزلنا لأول مرة بصحبة بشير عام 1974، رأيت فيها سيدة رقيقة لطيفة ومثقفة، وبعد مدة سمعنا بأنهما قررا الزواج، لم يحضر زواجهما أحد، ولم يكن أحد يجرؤ أن يسأل بشير عن أي أمر يخصه، لذا لم يسأله أحد أين أوكيف تزوجا، ولكن أذكر أنهما عادا من سفرة إلى الخارج متزوجين.” 22

اقترن بشير بنجاة واحتضن ابنها زياد فسهر على تربيته وكأنه ولده الوحيد يلاعبه ويحتضنه بلهفة الأبوة، ويتابع وضعه الصحي ويهتم بكل تفاصيله، يوصله، أحياناً، إلى المدرسة التي يتعلم فيها.” 23

 صودف مرة أن التقى بشير بناصيف السبعلي أحد أقربائه، أمام مدرسة زياد. “فوجئ الاثنان باللقاء، وبعد تبادل السلام علم بشير أن قريبه عُيِّن مديراً للمدرسة، كما عرف ناصيف نوع العلاقة التي تربط بشير بزياد، تبادل الرجلان الأحاديث، وقبل أن يفترقا طلب بشير من ناصيف أن يثبت قرب الدرج درابزين من الحديد ليتمكن زياد من صعوده، فلا يحرج أمام زملائه من مساعدة السائق له، وكان لبشير ما أراد.

اهتم بشير بقريبه، واعتاد على إرسال سائقه بطلب ناصيف في معظم الأوقات ليتناول الطعام معه، وهكذا توطدت العلاقة أكثر بين الرجلين، وشعر ناصيف بالأمان في زمن الفرز الطائفي والقتل على الهوية.” 24

يشيد ناصيف “بعصامية بشير وتميزه والتزامه بوعوده ومواعيده، فلو اضطر للتأخر عن موعد ولو دقائق يسبقه اتصاله الهاتفي للاعتذار عن التأخير، هو المبدئي العقائدي صاحب المناقب العالية، الذي يصر على الحفاوة بضيفه بنفسه، فهو يرى أن الحفاوة الشخصية بالضيف دليل محبة، فلا يسمح لعاملة المنزل أو لربة البيت أن تقوم بواجب الضيافة، بل يصر هو على القيام بذلك. بشير كان مدرسة كاملة يحرص على تنمية قدرات كل القريبين منه.” 25

يؤكد الياس الديري على سعادة كمال بالتفاهم الذي حصل بين بشير ونجاة، واستمرت العلاقة العميقة بين العائلتين والرجلين، لما يتمتعان به من قوة نفسية وأخلاقية وفروسية، يسمو في هذه المسألة المنحى الوجداني الخالص عند الرجلين، فكمال كان يحب بشير ويقدره، وقد تبادلا هذه المحبة التفاهم والاحترام، وكان لدى كمال قناعة كبيرة بشخصية بشير وصداقته، وقد بذل نفسه من أجل بشير، وكان الواصل الوحيد إلى بيته، بينما لم يصل صوتهما إلى كل من اتصلا بهما، والجميع كان جوابهم سنرسل نجدة. اغتيلا ولم تصل نجدتهم.” 26

 

رجل في عدة رجال وعاشق من خلف القضبان

“هو عدة رجال في رجل”، كما يصفه رضى كبريت، “تميز بحضوره الفذ، وتعدد لغاته الاجتماعية، يخاطب كل شخص باللغة التي يفهمها، لا يظهر حقيقته لكل من يلقاه، قليلون أولئك الذين حظوا بثقة بشير، وقيض لهم معرفته بعمق، هو ذلك الرجل المتميز، المنطلق على سجيته، المهموك بالحياة من دون محاذير. ينتقي عن أصدقاءه من النخبة المثقفة، يعاشر أولئك الذين يهجسون بالمعرفة ويبحثون عنها، وفي كل أحواله يسكنه هاجس النهضة ونصرة الحزب. سهر بشير على تنمية المواهب الفنية والإبداعية عند رفقائه، وشجعهم بهذا الاتجاه، فهو لاحظ أن لدي شخصية طريفة، فدفع بي لتنميتها واحتراف التمثيل، كما عمل على تشجيع بعض رفقائه للكتابة في مجال الصحافة من أمثال أياد موصللي وغسان مطر. لديه ملكة نقدية متميزة، وقد شهدت العديد من الجلسات الثقافية النقدية المباشرة مع الشعراء من أمثال أدونيس ومحمد الماغوط، وكان أدونيس يرفض النقد، ومع ذلك لم يسلم من انتقادات بشير لبعض نصوصه.” 27

“شكل الحزب في الخمسينات فرقة مسرحية تولى الإشراف عليها حزبياً نزار محايري وفنياً رضى كبريت وسليم جمال الدين، وأنطون أكزم واحداً من أعضائها. وكانت الفرقة تتنقل في مختلف المناطق اللبنانية لتقدم عروضها، وفي عام 1959 كانت الفرقة تعرض مسرحيتها “حالة طوارئ” في منطقة الأشرفية، يومها كان بشير، الشغوف بالأدب والفن، بين الحضور. وقد نالت المسرحية إعجابه، كما أعجب بأداء أكزم للدور الذي كان يؤديه، وهو شخصية “الأزعر البيروتي”. فطلب من الفرقة أن تقدم عملها هذا في بيت شباب، حيث غصت قاعة إحدى الكنائس بالحضور، وبعد انتهاء العرض أولم بشير للممثلين في منزله، وأعرب عن إعجابه بإتقان أنطون لدوره، حتى أنه كان يناديه بلقب “الأزعر البيروتي” كلما التقاه.” 28

كما انهمك بشير بمتابعة المواهب الكتابية الناشئة، مشدداً على دور النقد في تصويب النصوص الأدبية، وأخذها باتجاه خدمة المجتمع، خلال وجوده في السجن اطلع على نصوص لرفيقة زغرتاوية تدعى أليسار، وهي صديقة له وربما حبيبة، أخبرته أنها بصدد كتابة قصة عارضة عليه بعضاً من كتاباتها، كلما سنحت الفرصة. وفي إحدى الرسائل قرأ بشير نصاً خيمت عليه سحابة من كآبة، فكتب لها، وهو المحكوم بالإعدام، يقول: “إن أفكارنا ومشاعرنا الشخصية هي شخصية وليست للعموم.. ليست للنشر(…) تمر بي، كما تمر بكل واحد منا، حالة عرضية من قرف، من ملل، من تعب، من تمرد على ذاته، وعلى كل النواميس والقواعد، من ثورة على الواقع وقيوده، فهل يحق لي يا ترى أن أنشر حالتي هذه على الناس؟ طبعاً أنا حر في تفكيري ومشاعري. أنا لي الحق أن اجتاز هكذا حالات (…) ولكن أفكار ومشاعر المجتمع التي أريدها على غير حالتي العارضة، ليست ولا يجوز ان تكون ميداناً لتفريغ دواخلنا ورميها أمامه. وجداننا الاجتماعي، وجداننا القومي، وجداننا القيمي المناقبي هو هو الذي يفرض ويقرر ويسمح ويمنع. ووجداننا هذا هو الذي يدفعنا أن ندفع ذاتنا وغيرنا للصراع والعمل والانتصار. (…) كآبتنا الشخصية… تمزقنا الداخلي… ثورتنا على “المنهج البالي والأسلوب الميت” وخروجنا عليه، قلقنا وحزننا حتى الموت، كلها نتداولها في ذواتنا ومع بعضنا بعضاً للخروج منها والتغلب عليها بالإيجابية، بالوصول إلى الطرق والأساليب والمناهج السليمة المنتقاة، الموصلة إلى درب الانتصار والتقدم. وهذا حقنا وهذه حريتنا، بل هذا واجبنا وهذا دليل حياتنا وحيويتنا ووجداننا الأصيل الفاعل… ويبقى لهذا الوجدان الجماعي أن ينشر ما ينشر ولا ينشر ما لا ينشر، وهذه فضيلة الاجتماعية وقدرتها على الاقتراب من الحق والصواب والصحيح.” 29

ويحدثها عن أهمية التكامل الذي ينضج “بالتفاعل في الرأي والأفكار والمشاعر مهما كانت خطأ أو صواباً هذا أولا. وألاحظ ثانياً تبرمك بالنقد مما يجعلني مرات كثيرة أن أكظم بعض آرائي وكيف لنا أن نتكامل بدون نقد إيجابي عميق صريح؟ ثم كيف لنا أن نمارس النقد من دون مدح عندما يستحق (النص) الثناء والتقريظ، ومن دون إيضاح الضعف والخلل والخطأ عندما يصح اللوم والعتب والملاحظة، (وفي النص) مسحة كآبة كنت أفضل أن لا تكون، مع أنها موجودة عندك وعند حزبنا كله، وذلك بقصد عدم نشرها على الناس لأني أتوخى وآمل شد أزرهم لأنهم ضعفاء. أنتِ من رأيك أن التعبير عن الواقع هو أجدى لأنه واقع، وهو الطريق الأسلم إلى شد أزرهم وتحريكهم لأنهم ضعفاء. كلانا ثائر على الحالة متمرد على شللها رافضاً لوقعها. وكلانا يرى وجهة نظره مصيبة. جيّد. اليس من وجهة نظر جديدة Synthese   تجمع وتوفق الاثنتين؟ ساءلت نفسي وأجبت. بلى. أن نصور الواقع بمرارته ونصور تمردنا عليه ورفضنا له. أولاً وثانياً ان نصور ونلمّح لقدرتنا على الانتصار ولمثلنا وقيمنا وطاقاتنا وآمالنا وأحلامنا.. وأخيراً أن ندعو للصراع والعمل ونرسم الطريق… اعتقد ان هذا رأيك وهذا رأيي. وهذا ما فهمته من خطوط قصتك العريضة وملامحها الواسعة.” 30

ويتابع في هذا السياق مشجعاً: “لهذا دعوتك إلى الكتابة عدة دعوات إيماناً مني بقدرتك في هذا الحقل، على أن تزرعيه بذوراً جيدة وإيماناً مني بأن زراعته تبهج نفسك وتجعل عرق قلقك يرشح منك، وإيماناً مني بأن بذورك تعطي سنابل شهية للغير، وتعطيكِ تمرّساً وفهماً أقوى وأنضج وأفعل. ولهذا رحّبت وفرحت وعيّدت عندما عرفت أنك تكتبين قصة تعالجين فيها موضوعاً قومياً اجتماعياً وإنسانياً في آن واحد.”31

 

ربيع الفرح والنصر… شجَّع على الإبداع ومارس النقد

وينظر بشير إلى الوضع الذي كان سائدا ليستخلص منه أن ما يقوم به القوميون الاجتماعيون هو صراع في كل المواقع، فيجيب على تساؤلها: “أين هؤلاء التلاميذ لماذا لا يجتمعون ليحل عليهم “الروح القدس” وروح قديسنا كما تعلم لا يسقط من السماء حتى ولا على شكل حمامة، بل ينبع من الداخل، داخل كل من لا يدعي الإيمان. دلّني على هؤلاء لأبشر نفسي وأبشرك بالربيع”. يجيب بقوله: “تسأليني عن التلاميذ أين هم؟ هم في زغرتا يتمزقون ويقلقون ويتحفزون وأنت واحدة منهم، وإن لم يعملوا اليوم فسيعملون غداً. يكفيهم حالياً إيمانهم وقلقهم وتوترهم الدائم. هم في السجن يبنون أنفسهم، ويجمعون عدتهم لليوم الموعود للفرح العظيم، وأنا واحد منهم… هم في إفريقيا يجوبون أقطارها يلمون شملهم، وقد جاءنا منهم أمينان وعدة رسائل للتشاور والبحث ووضع الخطط والعمل.. هم في القارة الأميركية.. ينتقلون عبر المسافات الرهيبة يجتمعون أيضاً، ينشرون مجلتين باسم الحركة، وقد جاءنا أيضاً وزارنا منهم أمين وعدة رفقاء للاجتماع والتباحث والعمل.. هم في الأردن يجتمعون، وهم في الشام يعملون. (وقد جاء) في تقرير عن الرئاسة: أن قوانا الحزبية اليوم في الشام التي تعمل تحت الكابوس هي أقوى من قوة أي حزب آخر، وأن مجموعة القوميين الطلاب في الجامعة والمدارس الثانوية أكبر وأقوى وأفعل من قوى الحزب الحاكم ذاته. وهذا ما يجعل السلطة لا تسمح لنا بالعمل، وفي الوقت ذاته لا تجرؤ على محاربتنا بضراوة، على الرغم من عدائها العقائدي. هم في لبنان يجتمعون ويعملون وينشطون ولو ببطء ولو بشكل لا يرضينا، وأي شكل يرضينا؟ عدد طلابنا في الجامعات تفوَّق هذه السنة على عدده عندما كنا نعمل علانية قبل الانقلاب… هم في بعض المناطق في نشاط يفرح القلب، وهم في بعضها مجمدون جامدون 95 بالماية من دمائهم مثلجة، على حد قولك. ولكن ولكن ولكن هل هذا يكفي؟ هل هذا يرضي. هل هذا كل قدرتهم. لا. وألف لا. ولكنه تباشير، (…) بدء انطلاق، (هو) التململ الذي يسبق، والتحفز الذي يمهد… وعلى طريقة تلاميذ الروح القدس الذين صبروا وصابروا سنين فانتصروا على الزمن بصبرهم، وعلى طريقة كل عمل كبير يلزمه وقت أكبر.” 32

في مجال آخر تشكو أليسار من مرارة الواقع القائم قائلة: “نعم أنا أرفض الواقع كما هو. وأكاد أموت ألماً منه. فإذا لم يقم أحدنا بدفع هذا الواقع إلى مائدة الدرس تمهيداً لمعالجته بسرعة فسنبقى نموت مئات المرات لا من الألم فحسب بل من عدم الموت”. وبشير المسكون بالتفاؤل يجيب: “هذا القول هو الصواب كل الصواب. ولكن كيف ندفع هذا الواقع إلى المائدة للدرس؟.. أي أسلوب نتّبع؟.. أية لهجة وأي تعابير؟ هناك طريقان للتعبير على علمي في كل موضوع. الأول أن نصور الواقع بمرارته وألمه وأوساخه، بمفاسده وضعفه وتبذّله وتفككه وانهياره… أن ننخز النفوس أن نشعرها. أن نطعنها لتفيق وتصحو وتنتفض وتغضب وتثور على هذا الواقع، لتدكّه وتبني لها واقعاً جديداً. والأسلوب الثاني: أن نصور المثال الأعلى… أن نتخطى الواقع الفاسد، ونتجاوز كل مفاسده ومثالبه وضعفه ووو … لننصرف إلى رفع نصال كل ما هو سامٍ جميل خيّر عادل، بأروع وأجمل الصور والأشكال، فتتوق له النفوس وتهفو له القلوب، وتتمناه وتسعى له وتتخذه قدوة ومثالاً. والأسلوبان صحيحان. والطريقتان مفيدتان شرط التوفيق في صياغتهما وإبراز الحساس والنفّاذ والبارز الناتئ في كل منهما، حسب رأيي وحسب تقديري لحالتنا الحاضرة – لأن المقياس نسبي إلى حالة حركتنا وبلادنا- كل أسلوب لوحده غير كافٍ… يلزمنا الاثنين معاً.. ففي حالة المرض لا يمكننا ان نقول للمريض أنه سليم معافى ليأكل ما يريد فيتصور أنه بطل فينتكس ويعود إلى أسوأ ويصاب بصدمة، كما أنه لا يمكننا أن نهوّل عليه ونفصّل له أمراضه فيقع تحت كابوس المرض فيزداد سوءاً… ونحن يا اليسار وأنت تعلمين وتتمزقين من حالتنا نحن في حالة مرض وضعف. لنأخذ مثلاً ونتذاكره معاً… الزعيم صوّر حالة الأمة التعيسة.. أمراضها وانهيارها.. شللها وضياع شخصيتها وكل ما عليها من تخلف… ولم يكتفِ بذلك ولو اكتفى لكان مرضاً فوق أمراضها. لقد راح يفجر ويرسم ويصور قيمها الخالدة وتاريخها والمجيد وتراثها العريق ومستقبلها وأحلامها ويقول للقوميين: إن فيكم قوة لو فعلت … الخ، وهم بضع مئات… أنتم وحدكم تمثلون هذه الأمة… الخ، إن فيكم كل خير وكل حق وكل جمال ووو… الخ. ولا لزوم للشرح في هذا الموضوع فأنت تعرفينه مثلي تماماً.” 33

لا يمكن الفصل بين بشير الإنسان، وبشير القومي الاجتماعي المصارع وها هو يحدد ذلك بقوله: “خذي علماً تبلَّغي وبلِّغي أنني سأبقى أتحدث عن نفسي وعن نفسك، عن الحزب وعقيدته وصراعه وطريق عمله عن الادب والنقد – إذا لم أنتقد اختنق.” 34

وهو بأسلوبه الناقد تناول في رسالته أدب جبران ردا على قولها: “جبران يبقى عندي (وعند الجميع في أمتنا) السابق بالنسبة للنهضة” فيقول: “ومدرسته الأدبية كلنا أكلنا على مائدتها ونعمنا بدسمها وإعلامي بذلك منك سرني جداً. فجبران لو لم تجذبه أميركا لأكمل خطه الاجتماعي الإصلاحي الذي بدأ في العواصف والعرائس وغيرهما. ولكنه يا لخسارتنا غيّم وحلّق بعيداً في رحلته الأخيرة وكتاباته الأخيرة… والسبب في ذلك حياته في أميركا. بالمناسبة لقد اطلعت على وثائق بخطه عند جميل جبر الذي ألف عنه كتاباً وجمع رسائله مع مي… وثائق (تشير إلى) تأليف حزب قومي يحارب الطائفية والإقطاع ويدعو “للوطنية السورية”… طبعاً جبران أديب وشاعر وفنان ينقصه علم سعادة وعمقه وشموله ووو، لكن على كل حال هو رائد وممهد ونبي كبير في كتب هذه الامة، وأنا شخصياً أحبه ومدين له بالكثير مثلك. أما نعيمة (…) فيبقى في نظري أديباً كبيراً (…) ولكنه دون جبران. هو نوع آخر. أما ما ذكرته عن بلاغته فإني مع اعترافي بمدرسة جبران الخاصة التي أنشأها، والتي كان لها أتباع ومريدون ولكنها موقوتة خاصة لفترة خاصة… بينما بلاغة نعيمة الأدبية كأسلوب، طبعاً بقطع النظر عن المضمون، الذي اتفقنا أنت وأنا على مخالفته، يبقى نعيمة صاحب مدرسة في البلاغة الأدبية لا يجاريه أحد بين أدبائنا اليوم.” 35

 ويرى بشير أنه “ليس عيباً أن يسعى المؤلف وراء مجد أدبي نابع من مؤَلف جدير بالحياة… ومن ثقة بإنتاجه وجودته وعمقه. طبعاً المؤلف الذي يسعى فقط وراء المجد الأدبي بالمعنى الأدبي المنفصل عن الحياة ودفعها إلى الأمام – أي أدب اللغة والكتب والبلاغة – فهذا متفقون على أنه ليس أدباً، وصاحبه، بالتالي، ليس أديباً حسب مفهومنا نحن أبناء النهضة للأدب والأدباء. المجد الأدبي هو الذي يلحق الأديب الحق ولا يُعكس.” 36

 

قَتْلُ المعشوقته الخائنة… وحسرة على رجل ضاع

لقد بنى بشير ثقافته الفكرية والأدبية منذ نعومة أظافره، وعرف بولعه بالأدب، عشق البحث عن المعرفة منذ نعومة أظافره، قرأ بشغف، وكتب بملكة إبداعية جميلة، كتب القصة القصيرة، في بداية العشرينيات من عمره، وهي نوع الأدب الملتزم ولعلها من أوائل الأعمال الأدبية التي تناولت موضوع المواجهة مع اليهود فوق أرض فلسطين، وتدور أحداثها في ثلاتينيات القرن المنصرم.  37

حملت القصة اسم بطلتها راشيل، وفيها يمزج البطل إميل بين حبه لأمته وعشقه الخاص فيقول في رسالة بعثها لحبيبته التي غادرته مدعية السفر إلى فرنسا: “إن حبك أشعل في قلبي حب أمتي، فبت أشتهي أن أفديها بدمي وأنا أكثر اندفاعاً من قبل بل أمسيت أستعذب الموت لتحيى هذه الأمة، التي طالما حدثتك عن عظمتها وأصالتها، بل إن أشهى ما لدي هو أن يضرج دمي ترابها المقدس، وأنت تشاركيني الدفاع عن حياتها وكرامتها، ولكن طيفك المطبوع في نفسي سيرافقني في المعركة بين أزيز الرصاص وشهقات القتلى لتحرير القسم الجنوبي من وطننا.”

 لكن راشيل، كانت قد سبقته إلى أرض فلسطين، ليتبن في سياق القصة أنها اختلست وثائق سرية تتعلق بالثورة فوق أرض فلسطين، وفي واحدة من المعارك تعتقل مجموعة إميل ثمانية من مقاتلي اليهود، ليتبين أنهن نساء، وتتقدم إحداهن منه راجية عدم قتلها وهي ترتجف بين ذراعيه، يضعف أمامها ويتساءل: “لماذا يرتجف هو أيضاً هل خانته قواه بهذه السرعة أين شجاعته؟ هل خنقتها هذه الساقطة؟ وبسرعة البرق كشح عن وجهها الخوذة الحديدية على ضوء القمر ليرى وكأنه في حلم ويسمع كأنه في دوار: حبيبي… إميل.. إميل.. أهذا أنت وهزته بقوة وانهالت عليه بقبلاتها وهو مشدود واقف كالحجر وفي ذاكرته تمر صور: “اليهود أشرف منكم.” يهودية عشيقة.. الحلم الثقيل.. الوثائق..

وعاد إليه وعيه وصوت قائده يصيح: إلى القتال.. تهيأ ونسمات الليل تحمل أهازيج رفقائه الخافت العميق، ويده تخضخض الخنجر في صدرها، هي راشيل حبيبته، والدم يصبغ صدره ويتدفق من فمه مردداً مع الصدى البعيد:”أمتي نحن الفدى”

تطرق بشير في كتاباته لما شهدته الساحة اللبنانية من مآس، وقتل مجاني، للروح أحيانا قبل الجسد، وجاءت مقالته التي حملت عنوان “صورة” أقصوصة تختصر بين أسطرها القليلة مأساة مئات المواطنين الذين أُلزموا الدخول في جحيم الحرب من دون خيار اتخذوه، فشهدوا الخيبة والانكسار.38

 روى في الأقصوصة حكاية جار له كان “استاذاً في مدرسة للأولاد …طيباً كان. لا يؤذي نملة … يصلي دائماً دون تعصب. يحب الله كما يحب كل الناس ولا يكره احداً حتى الذين ليسوا من حزبه. فقد كان ينتمي لبيت انتخابي تطور فأصبح حزباً لبنانياً … انتمى إلى الحزب لأن والده لم يتمكن من تعيينه إلاّ بواسطة نائب المنطقة المقطور إلى الحزب …”

يصف بشير حماس جاره ودفعه ثمن الرشاش الذي سيقاتل بواسطته وتلقيه التدريب لمدة شهر واقتناعه بأن… “الدفاع عن الوطن واجب والوطن في خطر … الدين حياة الإنسان والدين في خطر … هو يدافع عن الاثنين معاً … كان صادقاً فصَّدق الآخرين.”

كُلًّف المقاتل بعدها بمهمة سرية أسعدته، “فأحسَّ بالنشوة والاعتزاز … ساعة التنفيذ حملتهم سيارات بعض رفاقه إلى مكان قريب ورئيسهم يشجعهم ويحدد لهم مواقعهم ولا ينسى أن يبلغهم أنّ الحراس هم “من الطائفة الأخرى، وهم مخربون ضد لبنان وعملاء لدول أجنبية وسفلة لصوص.

دقائق وانهمر الرصاص وبدأ الاقتحام وعلت الصيحات والصراخ … وإذا به وجهاً لوجه مع ابن عمه حارس المعمل ودمه يتدفق من صدره وهو يتخبط أمامه كالديك المذبوح … ومرت دقائق أخرى والشاحنات تمتلئ بالبضائع المنهوبة ورفاقه وفي طليعتهم رئيسه يحمسهم ويطلق الشتائم … دقائق طويلة بطول الدوار الذي أصابه وهو يركع أمام جثة قريبه الذي يلفظ أنفاسه .ولم يعرف كيف حملوه مع البضائع على سطح الشاحنات ولا كيف وصل إلى المركز الرئيسي ولا كيف تلقوا الأوامر بنقل البضائع إلى قرية رئيس الحزب ولا كيف وضعوها في الأقبية مع أطنان البضائع الأخرى المكدسة…

كل ما يعرفه أنه لم يعد يحب احداً ولا يؤمن بشيء ولا يصلي … كنت أعرفه جيداً … التقيت به أمس فبالكاد عرفني وعرفته !!!”

يحتج بشير من خلال هذا النص على ما شهدته الساحة اللبنانية من عمليات تضليل وغسل أدمغة، وحرب استبيحت فيها أرزاق الناس باسم الدفاع عن الدين والوطن، وهي لم تؤد إلا إلى محاولة تمزيق نسيج مجتمع كان يعمل من أجل وحدته، وإبعاده عن تجرع كأس التقسيم والتفتيت.

 

الثائر إن لم يكن شاعراً فهو سفاح قاتل والشاعر إن لم يكن ثائراً فهو حشاش هارب من الحياة

أحب الشعر، وملك ناصية اللغة، فهو “إنسان متنوع القدرات، لو تحدث عن الشعر فهو شاعر، وإن تطرق في حديثه إلى شعراء العربية قديمهم أو المعاصر منهم، يشعر سامعه أنه تقمص شخصية من يتناوله، فإن جاء على ذكر المتنبي شعر سامعه أنه المتنبي نفسه، وإن استشهد بشعر بدر شاكر السياب كان كأن السياب يتكلم، هذا لا يعني أنه يحفظ الشعر، بل ينبض بكل جوارحه بما يقول. والأمر نفسه لو تحدث في الاجتماع أو الفكر أو الفن” 39

آمن بأدب الحياة وأدب الصراع، وهو القائل: “الثائر إن لم يكن شاعراً فهو سفاح قاتل، والشاعر إن لم يكن ثائراً فهو حشاش هارب من الحياة”40

فهو لم يعاقر اللغة والكتابة إن لم تكن هادفة للتعبير عما يعتمر في خاطره من هموم قومية واجتماعية، لقد أطلق المقولة السابقة ليلة آخر رأس سنة له في هذه الدنيا، فقد وقف متأملا أطلال عشرين سنة مضت على المحاولة الانقلابية، وكتب نصا يزخر بألم ثائر شاعر:

” ليلة رأس السنة هي ليلة الانقلاب. إنّها محاولة تحقيق الأمل والقبض على الحلم. محاولة الانتصار ثم الفشل والخيبة والتّشنيع والتّشويه والسّجون والجلد والدّماء والأشلاء والإعدام والآلام والمرارات، وإنّها ليالي الصّمود والصّبر والمجالدة والمكابرة والتشبّث، ولو بالاستمرار لعبور نهر السّقوط إلى ضفة الانطلاق للأمل من جديد والحلم إلى أبعد حدود الحلم، ولو في أفواه آلاف الجراح وعبر أطياف مئات الشّهداء.

ليلة رأس السنة وليلة الانقلاب، ليلة الألم العميق والحبّ الأعمق الذي يشدّك ويعصرك ويستفزّك فما تدري إلّا وأنت ثائر تريد أن تقاتل وتقتل بعض الناس، لا حقداً على الّذين جهلوك وحاربوك وآذوك بل حبّاً بالناس، بقية الناس الطيبين الّذين تحمل في وجدانك أنت قضيّتهم. قضيّة خبزهم وكرامتهم وحبّهم وأطفالهم وعجائزهم وسعيهم للحياة الهادئة الدافئة. وعندها تشعر أنّك كبير ـ كبير كبر هؤلاء الناس وكل مشاعرهم وأحلامهم وآمالهم وأن حبّك وحبهم أقوى وأنبل وأشمل مما أتيت وآذيت، لأنه صغير وحقير وغير جدير بأن يستلب الحياة من مستحقيها.

ماذا؟ شعر، خيال، حلم، مثاليات؟ نعم، فالثّائر إن لم يكن شاعراً فهو قاطع طرق، قاتل، والثّائر إن لم يكن ثائراً فهو حشاش هارب من الحياة والناس إلى أوهام يغني في ضبابها لوحده.

أليست ليلة رأس السنة ليلة الخيال والحلم والأمل والمثال ـ ليلة الشعر ـ وهي في آن معاً ليلة التمرّد والانقلاب على النفس والناس والأوضاع والزمن وكل ما سلف لولوج زمن آخر، لخلق زمن آخر تعتقده هو وحده الأخير؟

ليلة الانقلاب تلك كانت منذ حوإلى عشرين عاماً وكانت في لبنان، وفشلت وما يزال لبنان بعدها فاشلاً حتى اليوم. وفي هذه الليلة بالذات وبعد سنوات حرب خمس وصل الفشل بلبنان الذي اتّهمونا يومها بخيانته إلى حبال المشنقة بتهمة الخيانة العظمى!

فأين نحن اليوم؟ وأين لبنان من تلك الليلة؟ وأين لبنان ككيان ودولة؟ أين الغيارى على لبنان الذين ادّعوا وما يزالون احتكار محبته والإخلاص له؟ بل أين المولولون النادبون الحرية والديمقراطية المدّعون الثقافة والإشعاع والحضارة والتمدّن؟ وأين لبنان صاحب الرّسالة؟ وهل بقي له دور أو هل استقر له سعر في سوق النخاسة الدوليّة؟” 41

وبعد أن يستعرض في مقالته أوضاع لبنان، بعد عشرين سنة من الانقلاب يخلص إلى ما هو حال لبنان اليوم ويسأل: “هل تناضل لربح الخلود في السماء؟ وهل تربح الجنة إن لم تربح الأرض؟

هل يستحق الخلود في السماء من لا يحسن الخلود بين الناس؟ ماذا؟ هل تناضل لرضى الله! وهل يرضى الله دون أن يرضى الإنسان ابن الله على الأرض؟ ماذا؟ هل تهرب إلى ذاتك المريضة الخائفة فتزيدها خوفاً من الحياة والناس من حولك أذلاء جياع، تداويهم بعقاقير الوهم فما تزيدهم إلا مرضاً على مرض؟

طيب، الله ذكر الحالم المقاتل القائل: “عجبت لذلك الذي يشعر بالمذلة ولا يجد في بيته قوتاً لأطفاله كيف لا يشهر سيفه يقطع به رقاب الطغاة من الناس…”.

كان ذلك ليس من عشرين عام فقط بل من أكثر من ألف عام. وسيبقى إلى أبعد من ألف عام. ولكل سنة يبقى رأسها كرأس الرمح.” 42

كان بشير قارئاً متميزاً يتابع متابعة دقيقة لما يصدر من أدبيات الحزب، يعرب عن رضاه عن ما  يكتب، ولا يمنعه ذلك من إبداء الملاحظات التي تخدم صوابية النص، وفي هذا المجال كتب الأمين جبران جريج، في مقدمة أحد كتبه “من الجعبة”: ” كما يهمني أن أنوه بالشهيد الأمين الجزيل الاحترام بشير عبيد رئيس المجلس الأعلى السابق الذي كان من متتبعي هذه الحلقات (والتي كانت تنشر أسبوعيا في مجلة صباح الخير قبل جمعها في كتاب) وكان راضياً عن لون الأسلوب التسجيلي للحوادث الحزبية والتنوع في المواضيع، والذي أبدى لي رأيين أخذت بهما فوراً لوجاهتهما وهما:

1 – أن أتوسع قليلاً في تسجيل الوضع السياسي في كيانات سورية الطبيعية الجغرافية لترافق المسيرة الحزبية إن محلياً أو خارجياً.

2 – أن ألخص مضمون البيانات أو المقالات الحزبية إن لم يكن بالإمكان نشرها كاملة، بدلا من أن أشير إلى مكانها في الآثار الكاملة، فقد يكون بين القراء من لا يستطيع اقتناء الكتب المذكورة فتضيع الفائدة المرجوة.” 43

كما قدّم بشير ديوان “مرايا غزالة” للشاعر أنيس كنعان، قائلاً: “خلتُ ان قصائد أنيس كنعان قُصَّت من قلبه وسَحَبَتْ منه شرايين ألغازه وأسالت لفائف أسراره كما يسيل الماء من الينبوع، وأطيب الطيّبات طرف المرارة اللاذع من كلّ غبّة حلاوة كأنها الخمرة المرّة المعتّقة لا تدري لذّتها في حلاوتها أم في مرارتها…مَن هذا الذي جاء يذكّرنا بفؤاد سليمان وأمثاله، بحكايات التمزّق وأساطير الحب؟

هو الأديب بلحمه ودمه حتّى اطراف اظافره… أديب ذو نفس كبيرة يضرب في بحار حياتنا بمجذاف من البراعة والصدق، وآخر من الكبر والمرارة، في شراع اسطوريّ من الحبّ والعبادة.” 44

 

المرأة عشيقة كانت أو أماً.. هي حياة وعماد مجتمع

المرأة عند بشير لم تكن سلعة، أو موقعاً للتشاوف بالعلاقات النسوية بل كان: “كتوماً في كل ما يتعلق بخصوصياته الفردية، بعيداً كل البعد عن المشاعية والعلنية، فالمرأة بالنسبة له لم تكن تلك الضعيفة الخاضعة لنواميس الآخرين، وهي التي تمتلك جوانب إنسانية تجعلها أكبر وأعظم من الرجال، فالمرأة حياة ومجتمع كامل عند بشير، تحيا مع من أحبها نواميسهما الخاصة، ورضاها على من أحبت أكبر أهمية من رضاه عليها.” 45

وهو يرى أن الكثير من الرجال، “لم يتخلصوا من دمغات وثغرات وفجوات ترافقهم في حياتهم، وهذا ما يجعلهم وحتى من ضمن عقيدتهم القومية الاجتماعية يرون في المرأة سلعة. وهذا ما عانيناه ونعانيه كثيراً في الكثير من القوميين الاجتماعيين وحتى العاملين وحتى القادة، وحتى الذين ولدوا وترعرعوا في أحضان النهضة وتحت ظلالها؟؟” 46

يحدد في رسالته إلى أليسار صفات الرجل الذي يتمناه لها وكأنه يتحدث عما تعمر به نفسه من مواصفات: “أتمنى لأليسار عاشقاً يرى نساء الأرض ولا يراهن… يرى في حبيبته كل نساء الأرض ويكتفي بها، من خلالها يتعرف على الجنة، جنة المرأة… ويتعرف على الأرض، أرض القلق والشوق والشهوة الرغبة، ويتعرف على ذاتها وعلى ذاته. ويجدّد هذه الحياة ويعمّقها كل يوم وكل شهر وكل سنة حتى الموت. (…) رفيقاً مؤمناً ويشاركها جهادها ليزرعا دروب بلادنا حباً وجمالاً وصفاء ويزرعان سماءنا كبرياء وطموحاً وتحدياً. ويعلّمان كل انسان وإنسانة في بلادنا دروب السماء، سماء النبل والسمو والتأله. (…) مولهاً يتعبد في هيكل حبها ويصلي لإلهه وإلهها الواحد ويترنم بأناشيد الخير والحب والجمال صباح مساء ولا يضيع وقته إلا ليعلّم الناس التعبّد والصلاة والأناشيد بصوته وصوتها. (…) رجلاً يزايدها في التضحية والحنان والعطف والأبوة وينافسها في التحدي والمغامرة والقتال. تفجّر كوامنه ويفجّر كنوزها ويبقيان فرسي رهان في ميدان الحياة ما بقيت الحياة. (…) رجلاً مختلفاً معها في الأمور العارضة، متفقاً معها في النظرة للحياة والإنسان، متنوعاً عنها في بعض الأساليب والنهج والطرق منسقاً معها في الأسس والأهداف، أتمنى لها رجلاً كما أتمنى لها حباً لائقاً بها وبنفسيتها القومية الاجتماعية.” 47

لقد شغف بشير بالمرأة ووضعها في المكان الذي تستحق منذ أن غرف من بحر حنان أمه، وقد فجعه موتها يوم ألقي القبض عليه، وخلال أيام الأسر ولياليه الطويلة، كان يؤلمه حزن الأمهات على ما يعانيه أبناؤهن، وقد خص الشهيد علي الحاج حسن أثناء معاناته مع المرض، برسالة حدثه فيها عن أمه، التي زارتهم في السجن وقد غلبها القهر:

” أمس مرت من عندنا أمك يا علي.. عينها كسيرة. خطوتها واهنة.. وفي صدرها كلمات مخنوقة.. لم تقلها.. لكننا سمعناها وكادت تخنقنا. قل لصفيتك يا أبا صفية.. قل لأمك أيها الحبيب أن الأمومة ظالمة لفرط حنانها وحبها. طاغية لشدة لهفتها ومحبتها.. قل لها أننا ننحني أمام ظلم عاطفتها ونخشع إزاء طغيان أمومتها لأننا نحبها.. نحب أمك.. وكل أم هي أمنا.. يا لقدسية الأم وألوهية الأمومة. لكن لا تنسى يا علي أن تقول لها أيضاً: أننا في مرضنا الجسدي أصحاء القلب، أقوياء الروح، أعزاء النفس. نأكل من لحمنا ولا نذل، نشرب من جراحنا ولا نقهر. نحمل صليبنا ونمشي جلجلتنا بفرح المؤمن وبساطة المصلوب وعزة الشهيد. نقضي، إذا ما قضينا، لتنبت على دمائنا شقائق النعمان مع فجر كل ربيع، ونبقى لنلوّن كل فجر بربيع الخير والجمال والسعادة. ننسى جراحنا ونحن نبلسم دموع الأسى لكل أم في بلادنا. ننسى صليبنا ونحن ندفع عن كاهل كل أب سياط الظلم والطغيان. ننسى جلجلتنا ونحن نحولها إلى مدارج وعي وإيمان وسعادة لكل أخ وأخت كي لا تؤذي أقدامهم وعورة الطريق. نستشهد كل يوم ونأبى أن تسقط قيم أمتنا، وديعة التاريخ في أعناقنا، فيدب الفناء في قلب الدنيا وعقلها وروحها. قل لها يا علي.. إنك وانت ممدد على سرير المرض أشرف وأعز وأنبل من الكثيرين المتربعين على كراسي الجاه والنفوذ والسلطان. قل لها أنّ من لا يحب حتى الموت لا يستحق شرف الحياة، وأن من لا يتألم في سبيل الحياة ولد ويموت وهو ميت.

قل لها.. قل لأمك يا علي، وهي التي أحبتك بعاطفتها حتى الموت، وتألمت في شعورها لأجل حياتك…قل لها: طوباك يا أماه، طوباك.. ارفعي عينيك وحدقي في وجه الشمس.. شددي خطاك وأمشي بعز وكبر.. أطلقي صوتك.. زغردي.. فأنت أمي… 48

شكل بشير منارة محبة وتفاؤل تنشر نورها في درب كل من عرفه، وهو المزهو ببطولات رفقائه، يدفعهم إلى مواصلة البذل والتضحية، ولا تفوته فرصة إلا ويعبر فيها عن الأمل المرتقب، ويوم صدور قرار الإفراج عن الرفيق مصطفى يزبك عام 1967، وهو من عديد الفرقة 16، والذي قضى في السجن خمس سنوات طلب من الرفقاء المتبقين في السجن كلمات وداع، فكتب له بشير الكلمة التالية:

“رفيقي مصطفى،

أقدس قيم الحياة الحرية، وأمتع ما في حياة الأحرار أن يخسروا بعضاً من حريتهم كأفراد، ليوفروا لمجتمعهم مزيداً من الحرية ومن الإيمان بها والتضحية لأجلها.

فداء لحرية نهضتنا وكرامتها وفداء لأمتنا وعزها وانتصار قيمها، تنازلت يا رفيقي مصطفى عن قسم من حريتك، طائعاً مريداً باسماً معتزاً فخوراً مشاركاً رفقاءك المؤمنين الأحرار. فيا لتنازلك ما أرفعه ولإيمانك ما أروعه!! ويا لعمرك كله ما أمتعه!!

وغداً بعد أن أديت بعض قسطك ستعود من جديد إلى ميادين الحرية مع رفقائنا الآخرين أمضى عزيمة وأصفى إيماناً وأبعد نظرا.

ستعود لتبني مع البنائين، وتحرث مع الحارثين، وتتعهد صروح الإيمان وأرض الخير وبذار الحق.

إن هذا الاعتزاز، يا رفيقي مصطفى، الذي يرافقك بعد أن عبرت مطهر البطولة العقدية هو اعتزاز الواعي المؤمن الذي يعرف ويقدّر جدية المسؤولية وقداسة الواجب، فلا يرضى بالماضي ولا يقنع بالحاضر ولا يرهب المستقبل، بل يشعر بثقل الإيمان المسؤول والوعي الإيجابي البناء والعامل لخير الأمة وعزها وفلاحها.

ثقتنا بك كثقتنا بكل مؤمن طيب مخلص، وأملنا بنشاطك كأملنا بقبلك الطيب وبشجاعتك الشامخة وبراءتك المحببة. وإلى اللقاء.”  49

 

بمرارة سخر سخرية سعيد من الواقع

في السجن كما في خارجه، ظل بشير ذلك المتفائل بالغد، يبحث ويقرأ وينقب وينتقد الواقع المر، حتى أنه عمد مرة إلى تشريح عدد كامل من جريدة النهار، وكأنه يعاين في محتواها ما يحدث اليوم في لبنان، فقدم لمقالته بوصف لواقع لم يتغير حتى الساعة، مخاطبا أنسي الحاج بأسلوب نقدي يحمل كمّا كبيراً السخرية والمرارة تشابه أسلوب صديقه سعيد تقي الدين:

“أخي أنسي: لأن كل شيء في لبنان اليوم غريب متناقض ناشز أراني أكتب اليك، وصناعتي ليست الكتابة. أريد أن أكون لبنانياً واقعياً، قحاً كما يقولون، ووقحاً كما أقول، والذنب ذنبك أنت وذنب جريدة “النهار” في عددها يوم الأحد و”ملحقه” تاريخ 17-2-68، ومن في لبنان يمارس صناعته حتى أمارس أنا صناعتي؟ الأطباء مرشحو انتخابات، ولو تمكنوا لترشحوا جميعاً، ووزارة الصحة وزيرها ملّاك. وزير الاقتصاد محام أديب، ووزير القضاء غير رجل قانون، حتى سائقو الطنابر في وزارة الأشغال سيدات، وكثير من التجار صحافيون. فلماذا أكون أنا “شكل تاني”؟

وهكذا لبنان كل لبنان. لبنان وبناياته الشاهقة في بيروت وأكواخ الكرنتينا ومخيمات الدكوانة وبرج البراجنة وأحياء برج حمود. لبنان مئات الأدباء والمفكرين والفنانين وثلثي أهله الأميين في البقاع والشمال والجنوب. لبنان واحة الحرية في الشرق و”أحزابه الحقيقية” الممنوعة من الحرية. لبنان المصارف والشركات والوكالات والتجارات والتهريب والسمسرة والتجسس ولبنان الجامعات الخمس والثانويات الألف والكنائس والجوامع الألوف.

لبنان الثورات البيضاء والانتخابات الحمراء. لبنان ونصفه المقيم ونصفه المغترب والمتهافتون على بطاقات السفر هرباً من الفقر والظلم والبطالة وترويجاً لتجارة السياسيين في ادعاء توزيع الإشعاع اللبناني.

لبنان العربي ولبنان الفينيقي وغير العربي والفينيقي المتعاون مع اشقائه والمتآمر على نفسه وعلى جيرانه. لبنان مع فلسطين ولبنان الذي ليس مع فلسطين. لبنان مع كل العالم وليس معه أحد.

لبنان المواطن فيه مواطن وليس مواطناً. والمواطنية درجات وأنواع. هو مواطن ولاؤه سني أو شيعي أولاً، ثم للزعيم السياسي خارج لبنان وبعده للمتزعم المحلي.

هو مواطن ماروني أو كاثوليكي أو أرثوذكسي ولاؤه، وسلطة خليفة بطرس عنده أولا ولو كان الخليفة خليفتين. ثم يأتي الولاء اللبناني خليطاً من ولاءات لأساقفة ومتزعمين ومنطقة، وحيّ، وحتى عائلة.” 49

وفي سياق آخر قرأ بشير في مجلة الكاتب القاهرية الشهرية تقريراً عن مؤتمر عقد في مدينة الإسكندرية لمدة ثلاثة عشر يوماً للمبعوثين من الطلبة المصريين إلى الخارج، وحضر إحدى جلساته الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، تحدث في المؤتمر العديد من رجال الفكر، وألقى رئيس المؤتمر كمال الدين رفعت، محاضرة عن “التجربة الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة”، فند بشير محاور المحاضرة ورد على كل عنوان فيها بأسلوب منهجي علمي عرض وجهة نظر الكاتب ورد عليها من خلال مفهومه النهضوي، وقد دارت المقالة حول العناويين التالية: ” نظرة شاملة للوجود وطريق الحياة، أزمة العصر، الحتمية التاريخية، الفرد والمجتمع والبيئة، القومية، خصائص النظرة، الإيمان بالله ومبادئ الأديان، القومية العربية والوحدة العربية، التفاعل المادي والروحي وفكر الإنسان، التراث، التفاعل مع الحضارة الحديثة، وأخيراً، الاشتراكية ليست ردة فعل.”  50

 

المراجع

1 ـ صدر الكتاب عن مؤسسة فكر للأبحاث والنشر ، عام 1982، طبعة أولى ولم تعد طباعته مرة ثانية

2 ـ غسان عز الدين – حوار مع الذاكرة 2 – كتابات فترة السجن – ص 261 – 26 ويذكر فيه كتابات الأسر

“عبدالله فرج، سبع بولس حميدان، قيس الجردي، ونذير الشويري

فكر نهضوي يحطم الأغلال ويمتد في المجتمع والأجيال

إذا كانت السلطة في لبنان قد تمكنت بإرهابها وأجهزتها القمعية أن تحرم الحزب السوري القومي الاجتماعي وقادته حرية النضال السياسي طوال سبع سنوات ونيف، إلاّ أنها عجزت أن تمنع على الفكر حريته وأن تسد أمامه النوافذ وترفع بينه وبين الشعب السدود والحواجز.

وإذا كانت بعض الأسماء ترهب السلطة وتقض مضاجع الرابضين فوق كراسي الحكم، فإن الفكر الحر يعرف جيداً طريقه إلى الشعب ولو عبر الأسماء المستعارة.

فعبدالله فرج وسبع بولس حميدان وقيس الجردي ونذير الشويري أسماء انطلقت من خلف القضبان لتصل بالفكر الذي تحمل إلى كل بيت وإلى كل مدرسة وإلى كل جامعة وإلى كل مصنع وحقل ومتجر. فتحولت إلى مراكز جذب فكري- سياسي يتحلق حولها وينمو بها. جيل جديد حمل مشعلاً جديداً، نهضة اعتقدت قوى السلطة أنها قادرة على خنق نورها الساطع في ظلمات زنزنات سجونها، وأحدثت استقطاباً فكرياً وسياسياً وسرعان ما تحولت هذه الكتابات محرضاً لإنتاج فكري وسياسي واسع النطاق في البلاد.

فالدراسات الفكرية والسياسية التي كتبها أسد الأشقر (سبع بولس حميدان) والدكتور عبدالله سعاده (عبدالله فرج) وبشير عبيد (نذير الشويري) وإنعام رعد (قيس الجردي) وهم في المعتقلات، شكلت في الموضوعات الفكرية والسياسية التي طرحت، تصميماً وتعميقاً لمسار الحزب السوري القومي الاجتماعي فكانت المرتكزات الصلبة التي أثمرت توصيات مؤتمر ملكارت (أواخر عام 1969) وهذه الجلجلة من مسيرة النضال الذي يخوض الحزب غماره اليوم.”

3 ـ من مقابلة الياس الديري

4 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

5 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

6 ـ من مقابلة سميح الصايغ

7 ـ من مقابلة الأمين غسان الغريب

8 ـ المصدر السابق

9 ـ من مقابلة سميح الصايغ

10 ـ المصدر السابق

11 ـ من مقابلة الأمين علي الحاج حسن

12 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

13 ـ من مقابلة الأمين جوزف السبعلي، بناء عليه بُحثَ عن تلك الرسائل، ووُجد بعضها وستثبت أجزاء منها في ملحقات هذا الكتاب

14 ـ من بطاقة معايدة للمحامي إميل بجاني

15 ـ من حديث أسعد عبيد لمجلة صباح الخير

16 ـ من مقابلة غازي بجاني، ت: 05/02/2017

17 ـ المصدر السابق

18 ـ من مداخلة تريز بجاني خلال مقابلة والدتها عفيفة، ت: 07/11/2016

19 ـ من مقابلة عبلا السبعلي، ت: 05/02/2017

20 ـ من مقابلة هالة عبيد

21 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

22 ـ من مقابلة هالة عبيد

23 ـ من مقابلة منير خطار

24 ـ من مقابلة ناصيف السبعلي، ت: 05/02/2017

25 ـ المصدر السابق

 26 ـ من مقابلة الياس الديري

27 ـ من مقابلة الأمين رضى كبريت

28 ـ من مقابلة أنطون أكزم

29 ـ رسالة إلى اليسار من السجن بتاريخ 24-1-1967

30 ـ المصدر السابق

31 ـ المصدر السابق

32 ـ المصدر السابق

33 ـ المصدر السابق

34 ـ المصدر السابق

35 ـ المصدر السابق

36 ـ المصدر السابق

37 ـ “راشيل”نشرت في جريدة الزوابع، 30/11/ 1957

38 ـ بشير عبيد، مقالات ومواقف، ص: 264 و265

39 ـ من مقابلة وليد زيتوني

40 ـ بشير عبيد، مقالات ومواقف، ص: 146

41 ـ المصدر السابق

42 ـ المصدر السابق

43 ـ جبران جريج، من الجعبة، طبعة أولى، 1986 ص: 8

44 ـ جريدة البناء، 17 شباط، 2015

45 ـ من مقابلة الأمين رضا كبريت

46 ـ من رسالة بشير إلى أليسار

47 ـ المصدر السابق

48 ـ جريدة الشمس، 24 أيلول 1966

49 ـ شوقي خيرالله، سراديب النور، طبعة أولى، آذار1994، ص 88

50 ـ ملحق جريدة النهار، 31 آذار 1968

51 ـ جريدة الشمس، 1966، دراسة نشرت على حلقات خلال شهر تشرين الأول تحت عنوان رئيس “نذير الشويري يرد على كمال الدين رفعت”. ستكون في عداد ملاحق هذا الكتاب

 

الفصل السادس: مواجهة تنين الغدر…

سلَّمَ سلامته لمركز الحزب… والمرابطون احتشدوا

ضُحى يوم الخامس من تشرين الثاني عام 1980، زار بشير عبيد مركز الحزب الكائن في شارع فردان وهناك التقى بعض المسؤولين، وقبل مغادرته ظهراً دعا جوزف سبعلي لتناول طعام الغداء معه، فاعتذر الأخير بحجة ارتباطه بعمل هام.

قصد بشير بيته، الكائن في الطابق الرابع من مبنى يقع في أحد الشوارع المتفرعة عن  ساحة ساقية الجنزير، وقد اعتاد وهو يصعد الدرج، أن يقرع باب بيت شقيقته عفيفة الكائن في الطابق الأول من المبنى ذاته، وفي ذلك اليوم طلب منها أن تدعو منى زوجة مروان فارس جاره الجديد في السكن، لتشاركهم طعام الغداء، ثم كلف مرافقه وسائق سيارته الرفيق رجا عبد السلام بالذهاب “إلى المكتب كي يتفقد وصول رسالة على جهاز التلكس، كما يذكر رجا نفسه. بعد خروجه بالسيارة، حدث بينه وبين مواطن آخر إشكال على أفضلية المرور، ما لبث أن تطور الإشكال إلى تبادل إطلاق الرصاص، فأصيبت سيارة بشير بثلاث طلقات وأصيب المواطن إصابة قاتلة، عاد بعدها رجا إلى المنزل ليطلع بشير على ما حدث.” 1

عندها أمره بشير بالتوجه فوراً إلى مركز الحزب، ثم اتصل بعمدة الدفاع وأطلع المعنيين على الموقف، وبأن مرافقه رجا في طريقه إلى المركز لاتخاذ الإجراءات اللازمة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إحدى شقق الطابق الخامس من المبنى، يشغلها أمن فتح، وشغلها في ذلك الوقت محمد خير وزياد الحلو المتهمان باغتيال رئيس الوزراء الأردني الأسبق وصفي التل، وفي بناية مجاورة كانت تسكن جورجينا رزق، أرملة أبو حسن سلامة، وكل هؤلاء يحرص أمن حركة فتح على تأمين سلامتهم على مدار الساعة. 2

كما أن مسافة قصيرة تفصل بين بيت بشير ومركز الحزب في شارع فردان، وبينه وبين قاعدة عسكرية للحزب موقعها في منطقة الروشة (الشل)، وبينه وبين مكتب منفذية بيروت قرب فندق البرستول.

 عُرف بشير بحرصه الأمني، “فهو يتفقد بدقة محيط البيت الذي سيقطنه، ولطالما تنقل بين المناطق بحكم مسؤولياته، ويوم كان القائد الحزبي العسكري لمنطقة الجبل خلال حرب السنتين (1975 ـ 1976)، رفض عدة منازل عُرضت عليه لأسباب أمنية.” 3

وقد اختار السكن في المبنى الذي استشهد على درجه، لأنه محاط بالمواقع الحزبية التي تعج بعشرات الرفقاء المدربين، وبمكاتب أمن حركة فتح وأخرى تابعة للحركة الوطنية اللبنانية، وفوق كل ذلك تقع المنطقة بمجملها تحت حماية قوات الردع العربية (الشامية).

ذات يوم حدثه أحد أصدقائه عن مخاوفه من هذه المنطقة في ظل الانقسام الطائفي، فجلجلت ضحكة بشير كالعادة، وأكد مطمئنا أنه يعيش وسط أهله من القوميين والحلفاء، وقد أحضر أخته وعائلتها للسكن في المبنى الذي يقيم فيه، حتى لا يتعرض أولادها لخطر التنقل على حواجز المسلحين بين بيت شباب وجامعاتهم وأعمالهم في بيروت الغربية.

بشير ابن النهضة والمتمسك بضرورة تسليم الأمور كلها للإدارة الحزبية، أرسل سائقه إلى مركز الحزب، وسلم أمره في ذلك اليوم إلى قيادة الحزب، وانصرف يكمل نهاره كالمعتاد.

تجمع الناس حول جثة الرجل الملقاة في الشارع والذي توفي متأثراً بإصابته بعد الإشكال بينه وبين مرافق بشير،  وكان من بينهم من عرف صاحبها، وهو من آل فتحة والد شباب أعضاء في حركة “المرابطون”، فأُجرِيَ اتصال من موقع الحادث بمكتب “المرابطون” الرئيس في الطريق الجديدة، وأُخْبِرَ نائب رئيس الحركة الدكتور سمير صباغ  بالأمر. في الحال، قال صباغ: “اتصلت بمكتبنا الكائن في منطقة تلة الخياط وطلبت من مسؤول المكتب أبو نديم، المعروف بشدة خوفه، أن يصطحب عنصراً أو عنصرين ويتوجه إلى ساقية الجنزير لاستطلاع الأمر، فأخذ معه شريكه في المكتب أبو خالد المصري الملقب بالسنغال، والمعروف بالصفاقة وقلة الحياء، وعندما وصلا إلى موقع الجثة اتصل بي أبو نديم وأخبرني أن منير فتحة قتل، وهو على الأرض ومغطى بالصحف، سألته وأين القاتل؟ فأخبرني أنه دخل إلى إحدى البنايات (البناية التي يقطنها بشير)، على ما شهد المحيطون بالجثة، فأمرته أن يتولى أمر مراقبته ولا يدعه يخرج حتى أتصل بالردع.

اتصلت، من فوري، بالعقيد نور الدين مساعد محمد غانم مسؤول المخابرات السورية في بيروت، وأطلعته على ما حدث، وأعربت له عن قلقي من رد فعل أولاد القتيل وهم من “مرابطون” ورجوته أن يرسل قوة بأسرع وقت لتسيطر على الموقف، وقد مرّ ما يزيد عن ساعة ولم يحضر أحد من السوريين، وتكاثر الفضوليون والمسلحون، وكان بعض المنتظمين من شباب “المرابطون” عند باب البناية.

تزايدت أعداد المسلحين حول المبنى، وسدوا مدخله، مانعين الدخول إليه أو الخروج منه، وبدأوا بإطلاق الرصاص في الهواء أولاً مهددين ومتوعدين، ومطالبين بتسليمهم قاتل فتحة، فحاول بشير مخاطبتهم ومحاورتهم، ولكنهم لم يستمعوا إليه، ووجهوا بنادقهم نحو شرفة بيته، وتبادل معهم إطلاق النار، كما علمت فيما بعد.

 واصلت متابعة ما يجري على الأرض، وإذ بالأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي يتصل بي، بناء على اتصال تلقاه من (رئيس الحزب) إنعام رعد، وقال لي: “انتبه يا سمير، بشير عبيد في بيته وهو مطوق من قبل مسلحيكم، وطلب مني إنعام أن أتصل بك لسحب المسلحين، الموضوع كبير، لا تتأخر دبّر طريقة واسحب الشباب من أمام بيته.” عندها أدركت خطورة الموقف، بشير عبيد هو المحاصر والردع لم يأت بعد! عاودت الاتصال بالردع مراراً وبعدها أقفلوا الهاتف ولم أتلق منهم رداً حاسماً، إذ ذاك طلبت رئيس المجلس العسكري في “المرابطون” أبو عمر النويري، وحذرته من خطورة الوضع وطلبت منه إرسال قوة لتسيطر على الموقف.

وفي هذه الأثناء وصل كمال خير بك إلى مدخل البناية، اعترضه المسلحون فعرفهم عن نفسه وقال إن لديه ولداً يعاني من عجز في قدميه عليه الاطمئنان عنه، وعندما عرفوا من هو تركوه يدخل.” 4

 

 … وصل صديق العمر وغاب رفقاء الدرب

أما من جهة معرفة الحزب بالحادثة، يذكر وكيل عميد الدفاع في تلك المرحلة، الرفيق أسعد حردان (الأمين لاحقاً) أن: “بشير دخل مكتب عمدة الدفاع قبيل ظهر ذلك اليوم، وتناول فنجان قهوة، ثم تحدث عن ضجيج مزعج يصدر من مكتب في المبنى الذي يقطنه، وطلب التدخل لوقف ذلك، وحوالي الظهر غادر المركز.” 5

لا يذكر حردان بشكل دقيق لمن كان ذلك المكتب، لكن أحد مرافقي بشير أكد مصدر الإزعاج كان “من الشقة الكائنة فوق بيت بشير مباشرة، التابعة لأمن فتح (المعروف حينها بأمن 17) والتي يقطنها محمد خير وزياد الحلو، اللذان كانا يستقبلان ليليا العديد من شباب أمن الـ 17، وتدور حلقات السكر والعربدة وتعاطي المخدرات حتى مطلع الفجر، مما تسبب بإزعاج جميع سكان المبنى وخصوصا عائلة بشير.” 6

بعد أن خرج بشير من المركز بفترة وجيزة، سمع وكيل الدفاع صوت بعض الطلقات النارية القريبة، ليتلقى بعد دقائق اتصالاً، قيل له إن الأمين بشير يريد التحدث إلى عمدة الدفاع، فتلقى المكالمة، حيث أخبره بشير بحادثة مرافقه مع أحد المواطنين وبأنه أرسله إلى المركز لإجراء اللازم. سأله الوكيل: هل يلزم شيء؟ أجاب: لا شكراً.” 7

يعتقد حردان جازماً، كما قال، أن: “بشير كان مسترخياً، وهو لم يعلم من الذي أصيب، وهل قتل أم لا. ولو شعر بخطورة الأمر لخرج من المبنى أو لطلب حماية فورية أو غير ذلك، لكني تواصلت فوراً مع منفذ عام بيروت، الذي أرسل دورية راجلة غير مسلحة، لم تجد الدورية أي تحركات غير عادية في محيط الأمين بشير، وصعد مسؤولها إلى بيت بشير وطلب التحدث إليه، فقيل له أنه يستحم، عندها عادت الدورية أدراجها وأعطت تقريراً ينص على أن الامور عادية. لكن على ما يبدو، كان أحد أبناء القتيل منير فتحة مسؤول الطوارئ في “المرابطون”، فتوجه إلى مركزهم، وأحضر عدداً من المحمولات والمقاتلين، وقصدوا منطقة ساقية الجنزير، طوقوا البناء الذي يسكن بشير إحدى شققه، وبدأوا بإطلاق النار بشكل كثيف. ولا علم لي إن كان بشير اتصل بالمركز في هذه الأثناء أو مع من تحدث. لكنه عاود، بعد مدة من الوقت، الاتصال بعمدة الدفاع وكان متوتراً، وقال إنه يتعرض لهجوم مسلح.” 8

في هذه الأثناء “كان كمال يتناول طعام الغداء في المنزل، وهو على عجلة من أمره لارتباطه بموعد الساعة الواحدة والنصف في شارع الحمراء”، كما تروي زوجته خزاكى القاصوف، “وفجأة سمع صوت تبادل إطلاق نار، سارع إلى شرفة المنزل التي تطل على ساحة ساقية الجنزير ومتفرعاتها، فرأى أن المعركة تدور على مقربة من البناء الذي يقطنه بشير، عندها سارع بالمغادرة إلى هناك، ولم يستجب لنداءاتي. بعد قليل أوصت ابننا هشام إلى المدرسة (الكوليج بروتيستانت المجاورة للمنطقة)، وقصدت مصفف الشعر، استعداداً لحفل عشاء كان سيقام في منزلنا لعدد من أصدقاء كمال.” 9

وتتابع: “بعد ما يقارب نصف ساعة وصل ناطور البناية التي نقطن فيها إلى صالون الحلاقة، وأبلغني أن المبنى الذي دخله الدكتور كمال يتعرض لإطلاق نار شديد. أصبت بالرعب، وحاولت الاتصال من هاتف الصالون ببيت بشير لكن الخط  كان مشغولاً طوال الوقت، خرجت من فوري أركض في الشارع حائرة بأمري، وصودف في تلك اللحظة مرور الأمين رضا كبريت متوجهاً إلى بيت جورجينا رزق، أخبرته بالأمر ورافقته إلى الداخل، واتصلت بمركز الحزب حيث أخبروني أنهم يجرون اتصالاتهم لتطويق الموضوع، ولكن زادت حدة المعركة، فقررت أن أحضر ابني هشام من المدرسة في الكوليج بروتستانت المجاورة، رافقتني جورجينا وأخذنا هشام إلى بيت أختي في شارع الحمراء بسيارة جورجينا، وعدنا إلى منزل الأخيرة نتابع الاتصال، ولما يئسنا من وصول النجدة، اتصلت جورجينا مرة واثنتين وخمس مرات وأكثر بمكتب “أبو عمار”، وعلى الرغم من شرحنا لحراجة الموقف، كان الرد وفي كل مرة أن “أبو عمار” يحضر اجتماعاً ولا يمكن التواصل معه، عندها اتصلت بمسؤول في القوات السورية من آل خير بك ( قريب كمال) فقيل لي إنه  مأذون.” 10

انتشر خبر مهاجمة بيت بشير، واجتاز الحواجز بين منطقتي بيروت الغربية والشرقية، وتناهى إلى آذان متتبعي أخبار إذاعة صوت لبنان، ومنهم دكتور في الجامعة الأميركية صديق لعائلة أسعد شقيق بشير، الذي اتصل بهالة زوجة أسعد وأخبرها أنه سمع من الإذاعة أن شخصا من آل عبيد يقطن في ساقية الجنزير، يتعرض الآن لهجوم مسلح، تقول هالة: “حاولت الاتصال مراراً بمنزل بشير فلم يحالفني الحظ، اتصلت بمنفذ عام بيروت داوود باز فأجابني مُطَمْئِناً: “لا لا ما في شي من خمس دقائق تواصلت مع بشير”. حاولت من جديد التواصل مع بيت سلفي من دون فائدة، نزلت إلى الشارع أسأل القوميين الموجودين أمام قاعدة رأس بيروت المجاورة لبيتنا، ولم يكن أحد على علم بما يحصل، عاودت محاولة الاتصال من هاتف القاعدة ببيت بشير ولم أوفق أيضاً، تواصلت مجدداً مع باز الذي عاد وأخبرني أنه تواصل مع بشير منذ خمس دقائق وما في شي.” 11

بعد أن وصل المسلحون إلى داخل المبنى واقتربوا من الطابق الذي يسكنه بشير، عاود بشير الاتصال بمركز الحزب، وطلب التحدث إلى الأمين محمود عبد الخالق، الذي يروي: “بعد أن تواصل مع رئيس الحزب إنعام رعد، وعميد الدفاع محمد سليم، طلب التواصل معي هذه المرة وسألني: هل أنت متأكد من أن هناك مجموعة ستصل لفك الحصار عنا فالمسلحون أصبحوا أمام الباب؟ أجبته: سمعت أن عمدة الدفاع كلفت خضر بو راشد بأخذ مجموعة والتوجه إلى منزلك فوراً.” 12

إذن تواصل بشير مع معظم المعنيين، وهذا ما يؤكده رئيس شعبة العمليات الرفيق محي الدين جبر الملقب بالمطران حيث قال: “اتصل بشير بمكتب العميد محمد سليم وكان وكيله أسعد حردان مسؤول الدوام في تلك اللحظة، ولأن مكتبي مواجه لمكتب وكيل الدفاع سمعته يرد على الهاتف، ولم أعرف من هو المتصل وما هي القضية، وقد سمعت فيما بعد أن بشير اتصل بأكثر من مسؤول في المركز، ولم أكن على علم بما يجري.” 13

والسؤال المطروح، كيف لا يعلم رئيس شعبة العمليات بما يجري على الأرض على مدى ما يزيد عن ساعتين؟ أولم يسمع صوت إطلاق النار المتواصل والمكان قريب من مركز الحزب؟  أجاب: “كان أمراً عادياً خلال سنوات الحرب أن يطلق الرصاص وتدور اشتباكات بين الفرقاء، ثم يطوق الموضوع، وقد علمت بالأمر خلال الاتصال بين وكيل الدفاع وناظر تدريب بيروت خضر أبو راشد، قبل حدوث الجريمة بنصف ساعة تقريباً، ولم أكن مطلعاً على أي تفاصيل سابقة، بل علمت في ما بعد كل تفاصيل ما حدث، وأن بشير اتصل عشرات المرات، وكان غاضباً في آخر اتصال له وأمطر المتلقين بالسباب.

لا صلاحيات لي على الحرس المركزي، ولا على خضر أبو راشد، وليس بإمكاني التدخل لا من قريب ولا من بعيد، ولو علمت بالتفاصيل لنزلت ولو منفرداً، ولما تركت بشير يواجه قدره وحيداً. وفي التحقيق الذي أجري في ما بعد قلت، لم يكن هناك من داع للاتصال بخضر، بل كان على المركز أن يتصرف.” 14

 كيف تصرف وكيل عميد الدفاع بعد أن أعلمه بشير بالخطر المحدق به؟ يقول حردان: “عندها أرسلت الرفيق أبو الهدى إلى القاعدة، حيث جهز مجموعة وحاول التقدم من الروشة باتجاه الساقية لكنهم صُدّوا بإطلاق نار، بعدها حاولت مجموعة ثانية بقيادة خضر أبو راشد من دون نتيجة، أرسلت مجموعة من المركز لتتفقد بيت بشير، فلم تستطع الوصول، وقالت إن البيت محاصر وهناك رصاص قنص وإطلاق نار، عندها أرسلت رئيس شعبة العمليات (المطران) إلى القاعدة، ثم لحقت به، حاولنا خرق الحصار أكثر من مرة،  ولم نتمكن من غزارة النيران، في هذه الأثناء مرت آلية BTR سورية، فصعدت إليها بين الجنود السوريين وفي يدي جهاز لاسلكي من دون أي سلاح، ولما وصلت الآلية إلى الموقع، لم يكن هناك سوى مسلح واحد من “المرابطون” أمام البناية، لكن كانت هناك مجموعات متمترسة حولها، صعدت درج المبنى فوجدت حيطان الطوابق كلها مهشمة بمئات الطلقات، ما يدل على اقتحام البناية طابقاً طابقاً، ثم وجدت جثة بشير في مدخل إحدى الشقق وظننتها شقته، لأن بابها مفتوح والجثة نصفها في الداخل ونصفها في الخارج، ورأيت كومة من الرصاص الفارغ إلى جانبها لجهة الداخل، اتصلت بمحمد سليم (عميد الدفاع) على الجهاز وأخبرته بما حدث، وطلبت إرسال سيارة إسعاف، أخبرني أن هناك جثة أخرى، فقلت لم أجد سوى واحدة، بعدها خرجت ونظرت حولي، لأجد على مصعد الدرج في الطابق الأعلى، جثة كمال.” 15

 

ما الذي حدث داخل المبنى وفي محيطه قبل وقوع الجريمة؟

 مع بداية الإشكال، تقول عفيفة: “سمعت  صوت طلقات نارية، فطلبت من ابنتي نهى إداخل قنينة غاز كانت مركونة أمام الباب، وبعد برهة أخبرتني أن رجا مرافق بشير صعد الدرج مسرعاً،  تبعته على الفور وعلمت بالحادث، وقد طلب منه بشير أن يذهب حالاً إلى مركز الحزب في شارع فردان، وطمأنني، فنزلت إلى بيتي، ولكن يبدو أن الأمر كان مدبراً، إذ طُوّقت البناية وأُطلق عليها رصاص غزير وقذائف، وبدأ بشير اتصالاته الهاتفية بمركز الحزب، وجاءه الرد بأنهم يحاولون حلها سياسياً، وطلبوا منه أن يطمئن، وبعد أن مر وقت طويل أطل بشير من شرفة المنزل وخاطب المسلحين طالبا منهم الهدوء، وأنه سينزل للحديث معهم، فأوقفوا الرصاص وانتظروه، نزل برفقة الأمين كمال خير بك.” 16

أصيب سكان المبنى بالرعب الشديد، عندما بدأ توافد المسلحين واشتد إطلاق النار، إلا أن جارة بشير (أم طارق الطبش) القاطنة في الطابق الثاني، والتي تربطها وعائلتها صداقة بعائلة بشير تقول: “شعرت بخطورة المسألة، فصعدت أترجى بشير أن يحتاط، وأن يجد لنفسه سبيلا آمناً، ونصحته بمحاولة الخروج من المبنى، لكنه طمأنني أن الأمور ستنحل قريباً، وأخبرتني زوجته أنهم اتصلوا عدة مرات بمركز الحزب وفي كل مرة كان يأتي الرد مؤكدا بأن مجموعة من المقاتلين توجهت لفك الحصار، وبأن المركز يجري اتصالات لتطويق الحادث، وزودتني برقم هاتف وطلبت مني أن أتصل وأطلب رئيس الحزب إنعام رعد وأخبره بتعقيدات الوضع ومخاطره، طلبت الرقم وأخبرت المجيب بما كُلِّفتُ به، فرد علي أحدهم ولا أعرف إذا كان الرئيس، وأخبرته أن الخطر محدق ببشير، وأن المسلحين يتكاثرون، وهم باتوا داخل المبنى، وجاءني الجواب: جايين جايين، وبعدها لم يأت أحد على الإطلاق، وراح  المسلحون يقرعون أبواب الشقق بحثاً عن السائق، في هذا الوقت صعدت منى زوجة مروان فارس، التي كانت تقيم في الطابق الأول، ومعها أهلها إلى بيتي واختبأ الجميع في غرفة النوم، قرع المسلحون الباب، وعندما فتحت أعلمتهم أني وحدي في المنزل، عندها عرفني أحد المسلحين فقال لرفاقه: اتركوا هذه الشقة فهي لأقربائنا، وبعد أن يئس هؤلاء من الوصول إلى مبتغاهم حاوروا بشير وطالبوه بالخروج من بيته وهم يقولون له عليك الأمان.”  17

تكاثر المسلحون واشتد إطلاق الرصاص، ووصلت أصداؤه إلى منزل الأمينة أليسار أنطون سعاده ( المقيمة في نقطة وسطية بين منزل بشير ومكتب المنفذية ومركز الحزب الرئيس) التي قالت: ” كنت أنتظر زيارة من كمال خير بك وزوجته قبيل الظهر، بناء على موعد سابق، لتهنئتي بولادة ابنتي جوليا، وبما أني أعرف من كمال أن هاتف منزله معطل، اتصلت ببيت بشير للاطمئنان والسؤال عن سبب الرصاص، رد كمال على المكالمة،  وطلب مني الاتصال السريع بالمركز وحثهم على الإسراع بإرسال مجموعة، لفك الحصار عن المبنى وردع المسلحين، وشدد على الأمر، لأن الذخيرة شارفت على الانتهاء.

اتصلت بالرئيس رعد وأعلمته بما قاله الأمين كمال، وأن الخطر بات قرب باب المنزل، مطالبة بالنجدة السريعة، فطمأنني أن الاتصالات جارية لتطويق الموضوع.” 18

كيف أكمل الدكتور صباغ رواية الحادث من جهته؟ قال: “وصل رئيس المجلس العسكري في “المرابطون” أبو عمر النويري متأخراً، وكانت الجريمة قد وقعت. ويبدو أنه كان بين الذين عند الباب شخص مختَرق، صعد الشباب إلى بيت بشير وقرعوا الباب، فاستحلفهم الرجل بشرف سمير صباغ وابراهيم قليلات وعبد الناصر أن يلتزموا عدم إطلاق النار بحال فتح الباب، فأعطوه وعداً بذلك، خرج كمال خير بك أولاً فقتلوه على الفور، عندئذٍ شتمهم بشير وقال “شو عملتو!” فما كان منهم إلا أن أردوه قتيلاً على الفور، وفي طريقهم للخروج من المبنى صادفوا ناهية على درج البناية تصرخ خالي خالي، أوقفوها وقال لها أحد المسلحين لا تخافي تعالي معنا، واقتادوها إلى قرب بيت رشيد الصلح، وهناك طلبوا منها الترجل من السيارة وأطلقوا عليها الرصاص لأنها عرفتهم، على ما يبدو، وبعد “ما خربت الدنيا” جاء الردع.” 19

وتقول أم طارق: “عندما خرج الرجلان سمعت إطلاق الرصاص ليتبين لي في ما بعد، أن بشير قتل عند مدخل إحدى شقق الطابق الثالث، بينما قتل خير بك بين الثالث والرابع على درج البناية، في هذه الأثناء كانت عفيفة شقيقة بشير مختبئة في شقتها مع أولادها، ولما أدركت ناهية ما حدث خرجت تشتم المسلحين ولحقت بهم إلى خارج البناية وهي تصرخ خالي خالي وتعاود شتمهم. عندما هدأ الرصاص خرجت لأستطلع الأمر فلاحظت أن بشير ما زال على قيد الحياة، خرجت إلى الشرفة وناديت جنوداً سوريين كانوا في الشارع وطلبت منهم أن ينقلوه إلى المستشفى ولكنهم لم يلبوا ندائي، عندها رجوت سائق سيارة تاكسي كان ماراً في الشارع أن يحضر لإسعافه ولكنه لم يستجب لندائي أيضاً، وبعد دقائق فارق بشير الحياة، ثم حضر السوريون، ولا أعرف من كان معهم، وجاءت سيارة إسعاف وأخذت الجثمانَيْن.” 20

أما عفيفة فتؤكد أن بشير توفي على الفور: “وكان جثمانه أمام منزل الجارة التي حاولت إدخاله لكنه كان قد فارق الحياة، وجزء من أحشائه أمامه، فحاولت إرجاعها إلى مكانها، بينما خرجت ناهية راكضة لتتصل بمنزل خالها أسعد، لنجدها مقتولة لاحقاً.” 21

كانت هالة عبيد حائرة في أمرها، تتصل تارة بالمنفذ باز ويطمئنها، وتحاول الاتصال ببيت بشير والخط مشغول.( تبين في ما بعد أن خط هاتف بيت بشير تعطل قبيل انتهاء الاشتباك)، نزلت قاصدة مكتب الحزب المجاور، وعاودت الاتصال ولم تتمكن من التحدث إلى أحد في بيت بشير فاتصلت بالمنفذية مجدداً لتسمع الجواب المطمئن نفسه من المنفذ العام، عادت إلى بيتها علّها تتلقى أي اتصال من بيت بشير، وبقيت على هذه الحال ما يزيد على الساعتين، وبينما هي في بيتها سمعت قرعاً عنيفاً على الباب، ففتحت لتفاجأ بتريز وابنة خالتها ديانا، (ابنتيّْ أُخْتَيْ  بشير) وعلى ثيابهما آثار دماء، وصرختا معاً قتل خالو بشير… كما سألتني تريز عن شقيقتها ناهية.

لم أنتبه بداية للسؤال فقد أصبت بحال من الذهول أقرب إلى الجنون، حاولت تمالك أعصابي، وتوجهت من فوري إلى المنفذية، وهناك تأكدت من الأمر، صممت على الذهاب إلى بيت بشير، وحاول المنفذ ثنيي عن ذلك بحجة أن هناك معارك، لكنني تشبثت بموقفي، فأرسل معي شاباً صغيراً ومعه قطعة سلاح، وعندما اقتربنا من محيط الساقية، وسمعنا طلقات نارية طلب مني الشاب أن يعود إلى المنفذية، وافقت على الفور، وسرت وحيدة في الشارع المقفر الخالي حتى من المارة، وصوت الرصاص الذي سمعته قادم من طرف الشارع المقابل، وصلت إلى المبنى الذي يقطنه بشير، فوجدت عند مدخله دبابتين سوريتين، حاول جنودهما منعي من الدخول، فعرفتهم بنفسي وبصلتي بالعائلة، عندها تركوني أدخل.

          صعدت الدرج ولاحظت الدماء السائلة فتحاشيتها، لأفاجأ أن بشير قد استشهد وجثمانه ملقى أماب باب شقة في الطابق الثالث، وجثمان الأمين كمال على الدرج بين الطابق الثالث والرابع، أسرعت إلى البيت ووجدت بابه مفتوحاً على مصراعيه، ونجاة جالسة على كرسي وقد جمدت نظراتها في الفراغ فظننتها ميتة.  وحالما اقتربت منها ولمستها التفتت، سألتها: ماذا أقول، أجابت لا أريد أن يقول لي أحد شيئاً، فسألتها عن ابنها زياد، الذي ما إن سمع صوتي حتى جاء من غرفة النوم، سألتها هل اتصلت بالمركز فأخبرتني أنهم اتصلوا عدة مرات، ولم يأت أحد، ورحت أبحث عن عفيفة. ولم أجد لها أثراً.

 تركت الأمر على حاله وعدت إلى منزلي، لأنتظر عودة زوجي أسعد من عمله في البقاع، قبل ذلك مررت على مكتب المنفذية، وهناك صرخت في وجه المنفذ معاتبة كيف تقول أنك كنت على تواصل مع بشير كل خمس دقائق، وأخبرته عن كل ما شاهدته هناك، وأني لا أعلم شيئاً عن عفيفة وأولادها، وخرجت من دون أن أرد على نداءاته.” 22

 وصلت إلى منطقة رأس بيروت فوجدت القوميين مجتمعين أمام القاعدة بحالة غليان، وقد علموا بالقصة من وسائل الإعلام ومن بعض عناصر الأحزاب.

          عندها احترت في ما يمكنني فعله، وأنا في تلك الحالة، وصل جوزف السبعلي، الذي سمع الخبر من إذاعة مونتي كارلو، فسألني هل ما سمعه من الإذاعة صحيحاً، رويت له ما حدث، وتوجهنا معا إلى الجامعة الأميركية للبحث عن ناهية ظناً مني أنها ربما أصيبت بطلق ناري وهي تحاول الوصول إلى منزلنا، سألت في قسم الطوارئ ولكنها لم تصل إلى هناك، فتوجهت مع جوزف إلى براد الموتى لأجد جثماني بشير وكمال اللذين نقلا إلى هناك، وإلى جانبهما جثمان ناهية.” 23

 

من اتصل ومن لم يصل؟! ومن قيَّم وحَزِنْ

اتصلت قيادة الحزب بمعظم مسؤولي الردع والفلسطينيين والحركة الوطنية، يقول الأمين محمود عبد الخالق: “اتصلنا بكل من  محمد غانم (رئيس جهاز المخابرات السورية في لبنان) و”أبو الهول وأبو أياد من حركة فتح”، لكن “أبو عمار” غاب عن السمع، لقد حدث غياب عن السمع سوري فلسطيني مقصود، وكل من أجاب على الاتصالات قال أنه يتابع الموضوع، ويعدنا بالحل السريع  والجميع يماطلون. لقد كانت مهمة منع الاحتكاك بين القوى الموجودة على أرض بيروت موكلة للسوري والفلسطيني، والقوة الرئيسة في ساحة ساقية الجنزير كانت لحركة فتح، التي لها عدة مكاتب هناك، لكن الحساب الخاطئ كان الاتكال على الفلسطيني والسوري لوقف ما يحدث على الأرض، وحسب رأيي أن المجموعة التي دخلت على بشير كانت مكلفة بمهمة تهدف تصفية بشير وكمال وقتلت ناهية خطأ.” 24

لكن الرفيق أنطون العلم (الأمين فيما بعد) الذي كان مسؤولاً عسكرياً في منطقة رأس بيروت قال: “القوميون أمثالي لم يكونوا على علم بما يجري، وبما أن بشير اتصل بالمركز عدة مرات وتواصل مع قيادة الحزب، كان يفترض أن تؤخذ الأمور بجدية أكثر، في الوقت الذي كان فيه بشير وكمال يقاومان المهاجمين، واستمرا في المقاومة إلى أن نفدت ذخيرتهما، ولم يقتلا غدراً بل واجها المعتدين، ولو قيضت لهما بعض المساعدة، لا أقول اقتحام، بل لو أطلق الرصاص في الفضاء من قاعدة الروشة أو المركز أو المنفذية لشعر المهاجمون بالخوف ولكانت الأوضاع تغيرت، لكن المهاجمين أخذوا راحتهم وتصرفوا وكأنهم وحدهم على الأرض.” 25

وتروي الرفيقة زهرة حمود: ” كنت عائدة من عملي في الشويفات، مررت بساحة الساقية فوجدت جثة مغطاة بالصحف وحولها ناس سألت ماذا حدث، قيل اشتبك القوميون مع المرابطون، رفعت الجريدة عن وجه الجثة وشكرت الله إنه ليس رفيقنا، وقصدت بيتي. بعد ما يقارب الربع ساعة بدأ إطلاق الرصاص، لم أهتم بادئ الأمر، بعد قليل صار أكثر كثافة. كان بيتي في الطابق الخامس وبيت رفيقنا جورج معلوف في السابع، وبيت الأمين غسان زكريا في الطابق الأول، نزل جورج وقال يبدو أن هناك اشتباك في ساحة الساقية أخبرته بما شاهدت ونزلنا إلى مدخل المبنى، التقينا بزوجة الأمين غسان فأخبرتنا أنها سمعت بأن بيت بشير عبيد مطوق. ركضنا جورج وأنا باتجاه الساقية فوجدنا عددا كبيراً من المسلحين منعونا من التقدم، ركضنا إلى مكتب المنفذية، فأخبرنا المنفذ العام داوود باز بأسى أن بشير مطوق ولم يعد معه ذخيرة. قلنا معاً: نحنا مناخذلو ذخيرة. أجاب هناك مجموعة ستتوجه إلى منزله. عدت وحدي أحاول الدخول مجدداً ومنعت. ذهبت باتجاه الكوليج بروتيستانت وحاوت الدخول من هناك. وجدت سيارة للحزب عليها أحد الرفقاء، أخبرني استحالة دخولي بسبب رصاص القنص. وبينما أنا أعدو من مكان إلى آخر، هدأت المعركة، وعدت باتجاه منزلي، فوجدت زوجة غسان عند المدخل. طلبت مني الدخول إلى منزلها لأمر هام، وهناك أخبرتني أنها سمعت بأن بشير وكمال قتلا. انهارت أعصابي وبدأت بالصراخ وحاولت الخروج فاستبقتني قليلاً لتهدأ الأمور، وبعد أن تمكنت من مغادرتها رحت أركض باتجاه منزل بشير. وجدت السوريين في ساحة الساقية وأمام بوابة البنانية التي يقطنها. والتقيت بمجموعة من القوميين أذكر منهم أنطون العلم، سألته ما الذي جرى وأين بشير وكمال؟ أجاب إصعدي إلى منزل بشير. على الدرج رأيت الدماء وصلت إلى الطابق الرابع، كان باب المدخل مفتوحاً على مصراعية وخشبه متشظي، ونجاة جالسة إلى كرسي وحولها عدة نسوة لا أذكر أحداً منهن. قالت أهلأً بحبيبة بشير. راح بشير وراح كمال. لم أجبها ولم أدخل. خرجت على الفور وذهبت إلى بيتي وبقيت فيه من ساعة الحادثة حتى صباح الأحد يوم الدفن”.

تم التواصل عبر المركز مع القيادة الفلسطينية، ولكن ذلك لم يمنع من حصول بعض الاتصالات الشخصية، ففي مقابلة مع المستشار السابق لياسر عرفات بسام أبو شريف قال: “في ذلك اليوم اتصلت بي هاتفياً زوجتي أمل (خوري)، وأخبرتني أنها تلقت اتصالاً من خزامى زوجة كمال خير بك لتعلمها وهي تنتحب، أن بيت بشير مطوق بالمسلحين، وكمال أسرع لاستكشاف ما يجري وهناك إطلاق نار كثيف في المحلة، عندها  اتصلت على الفور بمكتب أبو عمار الذي أمر أمن الـ 17 التابع لحركة فتح أن يرسل دورية، توجهت دورية أمن فلسطينية إلى مكان الاشتباك، وأخبرني مسؤول الدورية في ما بعد، أنهم وصلوا إلى حاجز يقف عنده مسلحون مما هب ودب تحت شعارات لبنانية مختلفة، فتقدم منه أحدهم ويبدو أنه مسؤول، وقال له ارجعوا من دون أن تزيدوا القصة توتراً، وأبعدهم بلطف، بحجة عدم إثارة حساسية “لبناني وفلسطيني”، مؤكداً أن الأمر بسيط وسيُحل بعد قليل، فعادت الدورية من حيث أتت.

كان المسلحون ينتشرون في أماكن عديدة من بيروت الغربية بشكل فوضوي، وكان لمنطقة تلة الخياط ومنطقة ساقية الجنزير نصيب كبير من تلك الأجواء، ففيهما انتشر مسلحون ينضوون تحت أسماء مختلفة، وانتحل بعضهم أسماء تنظيمات قومية وناصرية من دون أن يكون بينهم وبين تلك التنظيمات رابط تنظيمي أو قيادي، شكلت هذه الأجواء “السائبة” إطارا مثالياً “للإسرائيليين” ومخابراتهم، وسهلت تحرك العملاء بسلطة السلاح الذي كانوا يدَّعون أنه وطني، وكم من مرة فرضوا حواجز في تلك المناطق تحت حجة المحافظة على الأمن وهم في الحقيقة كانوا يراقبون تحرك القيادات.

استشهد بشير عبيد وكمال خير بك باستخدام “إسرائيل” فوضى السلاح، وعدم وجود ضوابط صارمة تحكم حركة السلاح في بيروت، وخسرت القوى الوطنية والقومية رجليْن من خيرة الرجال ومناضليْن من خيرة المناضلين… خسرت قائديْن من قادة المقاومة ومعسكر المصممين على مواجهة “إسرائيل” وقتالها.”  27

بينما شعر أمين عام الجبهة الشعبية القيادة العامة أحمد جبريل بالحرقة والألم لعدم تمكنه من نجدة بشير، وقال: “يوم اغتيال بشير كنت في الجنوب، ولو كنت في بيروت لأرسلت على الفور قوة لمساندته وحمايته، ولما تركته يواجه الموت وحيداً مع رفيقه. لقد صدمني خبر استشهاده هو والأخ كمال خير بك الذي كان احتكاكي به قليلاً، فهو كان على علاقة نضالية بالدكتور وديع حداد، وصديقاً حميماً لبشير يرسل لي معه السلامات.

وعندما سألت عن سبب ما حدث قيل لي أن هناك دم سُفِكْ، وما هو هذا الدم الذي دفع ثمنه رجال من قامة قيادية كبشير عبيد وكمال خير بك؟ إذ لطالما كان يحدث صراع بين القوى ويحل بإنشاء لجنة تحقق في الأمر.

 لكن لعل صلابة المواجهة في مواقف بشير وقربه منا ومن الخط النضالي عموماً، ساهم في تسهيل الجريمة، وأبو عمار كان يكره كل من هو قريب منا، فهل حَذَرُه من قيام تحالف بين الحزب القومي والجبهة الشعبية – القيادة العامة، داخل الساحة اللبنانية، جعله يستخف بالحدث؟ أو ما هو السبب؟ لم أتمكن بكل صراحة من فهم الدوافع الحقيقة، إلا أنها نوع من التآمر في وضح النهار على بشير وكمال، بعيد كل البعد عن كونه حدث ثأري، أو حادث فردي عابر.

بشير خسارة كبيرة لا تعوض، خسره حزبه والقضية القومية عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً، هو الذي عرف بحماسته وشجاعته واندفاعه من أجل نصرة الحق القومي. كما أن كمال خسارة لكل ذلك وللقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.” 28

أخذت الحركة الوطنية اللبنانية  فكان موقفاً ملتبساً من الحادث، كما سيأتي فيما بعد، فقد أسر بعض قادتها بأذن الدكتور سمير صباغ عن استعدادهم لنصرة المرابطون، بينما يقول القيادي الشيوعي موريس نهرا أنه: “يجب أن لا تقرأ هذه الجريمة خارج المنطق السياسي، قد يحتج بعض الأشخاص بأن الحادثة فردية، ولكن القضية ليست كذلك، فهي مرتبطة بالمشروع الكبير الذي كانت تنتهجه الحركة الوطنية اللبنانية، والتي كانت مستهدفة، فاغتيال كمال جنبلاط لم يكن حدثاً فردياً، بل كان السبب سياسياً، وهذا يعني استهداف المشروع الوطني، وقد جرت بعض الحوادث المرتبطة بهذا السياق الصراعي، وليست بحادثة فردية مهما قيل، بل هي مرتبطة بالصراع السياسي الذي كان سائداً في البلد خصوصاً وفي المنطقة عموماً، والمخابرات “الإسرائيلية” لم تكن، يومها، خارج ما كان قائماً، ومن يقرأ المرحلة يتذكر كم مرة حاولوا غزو لبنان، أو جاءت عناصر الكوماندوس “الإسرائيلي” إلى قلب بيروت واغتالت قيادات فلسطينية في بيوتها، فالاتجاه “الإسرائيلي” الذي لم يستطع استهداف الحركة الوطنية بقواعدها الشعبية، عمد إلى اغتيال القيادات لضرب قوة الحركة عبر القضاء على معنوياتها بهذا الاغتيال، ومهما قيل فإن اغتيال بشير وكمال شكلا خدمة للمشروع “الإسرائيلي”. وإن كانت قد حدثت، أحياناً، تناقضات ثانوية ضمن الساحة الواحدة، ولكنها عندما تصل إلى أماكن مشابهة لا تخدم أي طرف من الأطراف، تصب في خدمة العدو المشترك، وهذا ما ينطبق على عملية اغتيال بشير عبيد وكمال خير بك.” 29

جاء تقييم النائب السابق نجاح واكيم  ليؤكد على  أن “اغتيال الشهيدين بشير عبيد وكمال خير بك لم يكن ردة فعل على حادثة مفتعلة وقعت آنذاك، فلقد تبين بعد حين وبخاصة عند الاجتياح “الإسرائيلي” للبنان، أن مسؤولين تولوا مواقع مرموقة في عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية، كانوا يعملون لدى المخابرات “الإسرائيلية” ، ومعروف أيضا أن الشهيدين كمال خير بك وبشير عبيد كانت لهما أياد بيضاء، وكانا مؤثرين جداً في العمل المقاوم ضد الصهاينة، ضد الاحتلال في فلسطين، لذلك لا شك عندي في أن المخابرات “الإسرائيلية” هي التي كانت تقف وراء عملية الاغتيال تلك، بسبب دور هذين البطلين في المقاومة من أجل فلسطين، ونُفّذت عملية الاغتيال بوساطة عملاء للمخابرات “الإسرائيلية” الذين كانوا يعششون في عدد من المنظمات الفلسطينية واللبنانية” 30

وورد في مقابلة الأمين حافظ الصايغ أن: ” أن الحزب أهمل متابعة موضوع اغتيال بشير، وربما نتج ذلك عن الضغوط التي كانت قائمة في تلك المرحلة، وليس المطلوب رداً ثأرياً، بل كان يجب أن يكون الرد ردعياً وحماية للموقع الوطني، لقد شكل مقتل الشهيدين بشير وكمال والشهيدة ناهية إساءة كبرى للقضية وللحزب، كما أساء لكل الوضع الوطني في حينه، وكان على الحزب أن يواجه بجدية أكثر مما فعل، ولكن لا شك في أنه حصل خلل إداري، وإهمال في معالجة الأمر والاستنفار السريع لمنع حدوث الجريمة، وبالتالي لردع ذيولها.” 31

 

الليل الطويل للمحاسبة أم لعرض العضلات؟

انتهى نهار الخامس من تشرين الثاني من سنة 1980، وبدأ ليل طويل أنارته آلام لم يسبق لها مثيل، فقد لبى القوميون نداء الواجب، وتوافدوا إلى بيروت من المنفذيات القريبة والبعيدة، ووصل المستنفرون من منفذية الغرب يتقدمهم ناظر التدريب رياض عيد الذي وجد أن الطرق على مداخل العاصمة لجهة الأونيسكو والرملة البيضاء شبه مقطوعة بالقناصة المنتشرين على أسطح الأبنية العالية، لكنه تمكن من الوصول إلى مركز الحزب، ويضيف: “خلال المعركة التي وقعت ليلتها توليت محور الهجوم من ناحية الروشة دخولاً إلى ساقية الجنزير، ولما وصلت إلى مركز “المرابطون” في الساقية كان محاطاً بأمن فتح، فاتصلت بالمركز، وجاءت الأوامر بعدم الاصطدام مع الفلسطينيين.

استطاع الحزب أن يسيطر على بيروت ويطوق مداخلها خلال أربع ساعات، حتى أن أحمد جبريل قال يومها: “لقد بات لدينا حزب خطير في الإعداد والتجهيز، وكنا نعتقد أن “إسرائيل” هي الوحيدة التي لديها جيش احتياطي يمكن أن ينتقل من منطقة إلى أخرى في ظروف زمنية قصيرة، لقد تجاوز دور القوميين ذلك، واستطاعوا تطويق بيروت والوصول من الجنوب والجبل خلال ساعة أو ساعتين وهذا إعجاز عسكري قل نظيره في الأحزاب وفي القوى وفي الجيوش.” إلا أني (أي رياض) أرى أن هناك إهمالاً وتقصيراً وجبناً في عملية إنقاذ الأمين بشير.” 32

قاد “المطران”، كما قال: “عملية إنزال الحواجز في الشوارع، ولو أن هذه الحواجز نزلت في الوقت المناسب لتمكنا من إلقاء القبض على الفاعلين، وتحديدا أبو خالد السنغال المتهم الرئيس بإطلاق النار على كل من بشير وكمال.

تدفق القوميون من مختلف المناطق بأعداد كبيرة إلى بيروت وبعد معارك عديدة، أقفلت المدينة، وهذا ما دفع بالفلسطينيين إلى الاتصال بمركز الحزب وتشكيل لجنة، وعندها انتدبني إنعام رعد لأكون ممثل الحزب فيها، إلى جانب أبو ماهر اليماني من الجبهة الشعبية وطارق أبو رجب من حركة فتح، وكانت مهمة اللجنة ضبط الفوضى التي عمت شوارع المدينة، ووقف إطلاق النار، وعلى الرغم من حضور مئات المقاتلين القوميين، لم يتخذ قرار سياسي بمهاجمة “المرابطون”، كان المطلوب “عرض عضلات” لا أكثر، وهذا كلام لا يقال للعسكر، بل قيل لهم أنتم أتيتم لحماية مقرات الحزب، ولم يُطرح مرة واحدة موضوع الاقتصاص من قتلة بشير وكمال وناهية، وعندما طرحته أبعدوني، وهي المرة الوحيدة الجدية التي بُحث فيها بهذا الأمر، وكان  العديد من القوميين غيري قد طرحوا الفكرة وأُسْكِتوا، كان المركز يغلي، والقوميون في حال جنون ولكن، (وبعد آخ طويلة): لقد أحضرنا القوميين للدفاع عن مقراتنا، وقد تهيأ لنا أن الحزب بشكل عام هو المستهدف.” 33

 

تَمَلُّص “المرابطون” من الجريمة… ولجنة أمنية بعد فوات الأوان

وقع “المرابطون” في أزمة عملوا ما بوسعهم للخروج منها، وهذا ما سعى له الدكتور سمير صباغ بصفته المسؤول الأول عن جماعته مع غياب ابراهيم قليلات بداعي السفر إلى ليبيا. يتابع صباغ روايته: “على أثر الحادث وُجهت الدعوة لاجتماع عاجل للحركة الوطنية، وفي الاجتماع بادرني وليد جنبلاط بالسؤال من هم الغرباء عن بيروت؟ سألته من قال ذلك؟ أجاب بيانكم، نظرت حولي فلم يكن في الاجتماع أحد غيري وغير محمد قباني من بيروت (الذي أصبح نائب المدينة) والباقون كلهم غرباء عنها، ونحن الاثنان لا يمكننا أن نقرر شيئاً، فقلت لا بد أن هناك خطأ ما، عندها اتصلنا بابراهيم (قليلات) الذي قال أنا لم أقل هذا الكلام، قلت غرباء عن الوطن، والذي دس هذا الكلام هو وليد عيدو، (الذي تبين أنه جاسوس)، وابراهيم قال عن القوميين أنهم غرباء عن الوطن لأنهم حالفوا كميل شمعون ضدنا في مرحلة سابقة.(1958)

في هذا الوقت احتل القوميون منطقة رأس بيروت وهاجموا مكاتبنا وقواتنا على الأرض، وكانت الأمور سائرة باتجاه حدوث مجازر، وخرجت جريدة السفير صباح اليوم التالي بعنوان السلاح الوطني في خطر، وبعد اجتماع الحركة الوطنية، ونحن على الدرج، استوقفني محسن ابراهيم وجورج حاوي، وقالا لا يمكن أن ندعكم تسقطون في شارع الحمرا، ما تريدونه من سلاح ومعونة نحن حاضرون، قلت لا نريد مساعدة من أحد، وكان مكتبنا في الحمرا يقاوم حتى الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، عندها اتصل بي عصام عرقجي الذي كان محاصراً داخل المكتب، وقال هذا آخر اتصال تتلقاه مني لقد وصلوا إلينا ولم يبق إلا حائط واحد بيننا وبينهم، اتصلت فوراً ب “أبو عمار” الذي وعدني بإرسال الكفاح المسلح، وقد أرسل إلى مكتبنا هناك مجموعة من أمن 17 أخرجت عصام.” (يبدو ان انقاذ عصام عرقجي هو أهم لأبو عمار من انقاذ بشير عبيد وكمال خير بك!)

ويضيف الصباغ: “لم يبق أمامنا إلا أن ننهي الموضوع مع القوميين، فقصدت المجلس السياسي للحركة الوطنية وقلت لهم نحن لم نأخذ قراراً بالقتل، نحن ندرك خطورة الأمر، سيقضى على “المرابطون” إذا كنتم تعتقدون أنهم اتخذوا قراراً بالقتل، والحركة الوطنية تحتاج وجود “المرابطون” على أرض بيروت، وبناء عليه أنا بصفتي نائب رئيس “المرابطون” سأتصل بإنعام رعد وأقول له سأضع نفسي رهينة عندكم حتى ينجلي الأمر وتتأكدوا أننا لم نأخذ قراراً بهذا الأمر، فاتصل محسن ابراهيم بإنعام وأخبره الموضوع، وكان جواب إنعام لا ننصحه بذلك، فتقرر عندها تشكيل لجنة تحقيق، وتشكلت برئاسة ممثل للفلسطينيين نسيت اسمه ونبيل العلم عن الحزب القومي وحكمت العيد من منظمة العمل الشيوعي وسمير صباغ من “المرابطون”.  (تألفت اللجنة من الرائد نور الدين عن قوات الردع، أبو الهول وأبو ماهر عن المقاومة الفلسطينية، توفيق سلطان وحكمت العيد عن الحركة الوطنية، مصطفى ديراني عن “أمل” الأمين نبيل العلم عن الحزب، الدكتور سمير صباغ عن “المرابطون”. كما جاء في مجلة الحزب وسيأتي ذكر هذه اللجنة في مكان آخر)

اجتمعت اللجنة وتقرر استدعاء كل عناصر “المرابطون” الذين كانوا حاضرين ساعة الحادثة، جاء ما يقارب الثلاثين عنصراً، أي كل الذين كانوا في ساحة الساقية، (وهم بعد الحادثة تسابقوا إلى المكتب وكل واحد منهم يقول أنا الذي قتلت بشير عبيد، بصراخ وصل إلى آخر الدنيا) وساعة التحقيق تظاهروا جميعهم بالمرض وعدم قدرتهم على الكلام، وكلهم أنكروا علاقتهم بالجريمة، وخلال التحقيق تبين لنا أن هناك شخص مخترق اسمه أبو خالد السنغال، واتفق الجميع على أنه هو القاتل.

لكن نبيل العلم القيادي المهم والذي جاء من قبل الحزب إلى لجنة التحقيق، لم يكن بذلك الدهاء الذي مكنه لاحقا من  تخليص لبنان من بشير الجميل، بل كان مربكاً، وارتكب خلال التحقيق العديد من الأخطاء، ومن أهم أخطائه أنه قال: كانت لدينا معلومات قبل عدة أيام أن بشير عبيد سيقتل، أمسكت هذه عليه وسألته: طالما أنه كان عندكم علم لماذا لم تحتاطوا للأمر فبيت بشير يبعد مئات الأمتار عن مركز الحزب الرئيسي، وعن قاعدتكم العسكرية في الروشة (الشل) وعن مكتبكم في منطقة الصنوبرة، فلو تحرك جيب واحد من عندكم وعلى متنه خمسة مسلحين وأطلقوا النار في الهواء لهرب كل من كان هناك، أنتم قوة منظمة، والذين على الأرض فوضويون، لماذا لم تحضروا؟ عندها لاذ نبيل بالصمت، وبعدها تبين لي أن إنعام رعد جبُن، وكان خائفاً، وقال أنه احترم العمل الجبهوي، واتكل على الردع. إذا احترمت العمل الجبهوي وشريكك في الجبهة كان مجرماً أو فوضوياً أو مُخْتَرقاً ألا تسعى إلى تخليص شخص من قيادة حزبك؟ ولو تحركتم من واحد من مراكزكم، لما حدث ما حدث، وما هذا العمل الجبهوي العظيم الذي تحترمه، وما هذا الردع العظيم الذي تتكل عليه، وتترك قيادياً من حزبك يلاقي قدره وحيداً كرمى لعين العمل الجبهوي واحتراماً للردع؟ تأسفت عليهم، على بشير وكمال وناهية، وعلى إنعام أيضاً.” 34

استطرد الدكتور صباغ قائلا: “حاولت مع جورج حاوي ومحسن ابراهيم معالجة ذيول الحادث، ليتأكد الحزب القومي ان لا علاقة لنا بالموضوع، وخصوصا أنا، لكن إنعام رعد استمر بمقاطعتي.

          في تلك الآونة، استدعى الرئيس حافظ الأسد أحزاب الحركة الوطنية إلى اجتماع، وخلال اللقاء، وبعد أن أنهى الأسد حديثه، قال إنعام قبل أن نتكلم يجب أن تعلموا أن عندنا ثلاثة قتلى والقاتل معنا، فسأله الأسد من القاتل هذا غير معقول؟ فأشار بإصبعه إلي وقال سمير صباغ، عندها رفعت يدي وقلت: والله يا سيادة الرئيس صحيح نحن خُنَّا الجبهة، ولكننا لم نتخذ قرارا بقتل أحد، فإذا كنتم ستوجهون اللوم لنا بأن حركتنا فوضوية، أو أنها مُخْتَرقَة أنا أوافق، أما اتهامنا باتخاذ القرار فهو اتهام ظالم، وأنا أعلمت الردع فور وقوع الحادث وهم تأخروا عن الحضور، فقال الأسد “ما يهمك اجلس،” وقال لإنعام “عم يقول أنهم مخترقين خلص شو بدك بهالحكي.” وتابعنا الاجتماع عادياً مع الأسد. لكن إنعام رفض التصالح معي. ” 35

 

استقالة… وقرار يناقض ما قيل

بعد وقوع الجريمة قدم رئيس الحزب إنعام رعد استقالته إلى المجلس الأعلى الذي رفضها بالإجماع، وقد أصدر ذلك المجلس قراراً عممته عمدة الداخلية بتاريخ 6/2/1981 حمل العدد 11/49 وروى ما جرى في ذلك اليوم.  36

وينص القرار على ما يلي:

“من خلال دراسة التقرير المقدم من لجنة التحقيق المكلفة بالنظر في ملابسات كارثة ساقية الجنزير وتحديد المسؤوليات فيها، ومن خلال مناقشات المجلس الأعلى يومي 31/1/1981 و1/2/1981 و2/2/1981، خلص المجلس الأعلى إلى ما يلي:

في الوقائع:

أولاً: – اعتمد الحزب، في تعاطيه داخل المناطق الوطنية، ومع مختلف الأطراف القائمة فيها، قاعدة حل الإشكالات الأمنية التي تقع له، في إطار تجنّب المجابهات الصدامية المسلحة. ذلك أن توجه الحزب الأساسي يقوم على اعتبار المواجهة هي مع العدو “الإسرائيلي” وحليفة الخصم الانعزالي الطائفي، وعلى اعتبار أن مقتضيات هذه المواجهة وفعاليتها ترتكز على حفظ ورعاية العلاقات الرفاقية والتعاونية مع الأطراف العاملة في المناطق الوطنية ومع أطراف الحركة الوطنية بالذات، فكان الحزب، عند كل اشكال أمني يقع له، داخل المناطق الوطنية، يعتمد الحل السياسي في تجنب مواجهة صدامية مسلحة.

وقد استتبع هذا التوجه، بالضرورة، عدم اعتماد قوة مركزية ضاربة في بيروت بالذات حيث اقتصر وجود الحزب المسلح، على مدى السنوات الخمس الماضية، على فصيل مركزي واحد مع سلاح متوسط وخفيف محدود. وقبل وقوع جريمة ساقية الجنزير بثلاثة أيام، كان الحزب، في ضوء إعادة نظر في وضعه الأمني المركزي، اتخذ قراراً بتفريغ فصيل مركزي آخر في بيروت، ولم يكن الأمر أنجز عند وقوع الجريمة.

كانت سياسة الحزب الدفاعية في بيروت لتطويق أي اشكال أمني يتعرض له، على ضوء هذا، تقوم على استخدام عنصر المبادرة السريعة، بالقوة المحدودة التي يملكها، لتحقيق نجاحه في ضبط أمنه.

ثانياً: – عند وقوع مقتل منير فتحة، تلقى عميد الدفاع مخابرة من الأمين بشير عبيد، يعلمه فيها أن سائقه صرع أحد الأشخاص في المحلة، وأنه لا يعرف شيئاً عن شخصية القتيل، ويطلب من المركز معالجة الأمر، وأنه سيوفد السائق إلى المركز كما يطلب تزويده بحرس بديل.

ولقد وضح للمجلس الأعلى أن عميد الدفاع بادر، فور تلقيه المخابرة، إلى إعطاء الأمر التالي لعمدته (وكيل عميد الدفاع) “قتل سائق الأمين بشير أحد الأشخاص أمام بيته. اتصلوا بالقاعدة والمنفذية كي ترسل كل منهما دورية إلى بيت الأمين بشير لمعالجة الموقف”؟ ثم توجه العميد فوراً إلى مكتب الرئيس لإعلامه بالموضوع.

يعني ذلك أن عميد الدفاع تعاطى على الفور بمقتضيات سياسية الحزب الدفاعية الأمنية في بيروت، في حرص على توظيف عامل المبادرة السريعة لتطويق الإشكال الأمني.

وقام وكيل العميد على الفور، بتنفيذ الأمر، فاتصل على التوالي بالقاعدة ثم بالمنفذية يطلب أن توفد كل منهما دورية إلى منزل الأمين بشير لمعالجة الموقف ملفتاً القاعدة، أن يتم، مع تحريك الدورية، استطلاع، تلافياً لأي محذور كما كان حدث في السابق.

كانت الأوامر المركزية واضحة ولكن خللاً في التنفيذ أضاع عامل المبادرة السريعة فعطّل الغرض الأمني المطلوب.

كيف تم تنفيذ الأوامر:

أولا: – من حيث الوقت وصلت دورية المنفذية وكذلك استطلاع القاعدة إلى مكان الحادث قبل أن يقفل المرابطون الطرق إلى منزل الأمين بشير عبيد، أي أنهما وصلتا فعلاً بين الواحدة، وقت تبليغ الأمين بشير لعميد الدفاع بالحادث، وبين الواحدة والثلث، وقت ابتدأ مسلحو المرابطون بالتوافد إلى المنطقة وأمام المنزل.

ذلك أن دورية المنفذية وصلت إلى المكان وشاهدت جثة القتيل وكشفت عليها، كما أنها أثناء وجودها في المكان أخذت تشاهد بداية توافد لبعض الأفراد المسلحين.

أما استطلاع القاعدة فقد وصل إلى منزل الأمين بشير وصعد اليه وتبادل الموفد الرفيق عباس الحاج حسن الحديث مع الأمين بشير وعاد إلى القاعدة دون أن يعترضه أحد.

ثانياً: – كانت فسحة الوقت كافية، كما هو واضح، لتنفيذ أوامر عمدة الدفاع وتحقيق المبادرة السريعة، ولكن الخلل يمكن رده إلى الوقائع التالية:

أ. لم تتوجه دورية بيروت إلى منزل الأمين بشير كما كان مفترضاً في أوامر العمدة، بل اكتفت بالكشف على الجثة، ثم أنها حين وجدت بعض الأفراد المسلحين يتوافدون، واشتمّت النقمة على القوميين قرر المسؤول عنها أن ينسحب بها باتجاه القاعدة، بالرغم من أن أحد أفراد الدورية أعلم المسؤول أنه اتصل بالمنفذ العام يطلعه على الوضع وأن المنفذ العام أمره بالاشتباك.

ب. قامت القاعدة، في تنفيذها لأوامر وكيل الدفاع وملاحظاته بخصوص الاستطلاع، بفصل المهمة الاستطلاعية عن مهمة تحريك الدورية فصلاً ميدانياً كاملاً، فقد كلفت بالاستطلاع رفيقاً واحداً للذهاب مشياً على الأقدام ذهاباً وإياباً، وجمدت تحريك الدورية بانتظار عودته، وفي هذا ما فيه من إضاعة للوقت.

ج. بالرغم من أن منفذ عام بيروت بادر فوراً إلى إيفاد كل حرس المنفذية لديه، مما يكشف عن الأهمية الأمنية التي استوعبها من أمر عمدة الدفاع له، وعن الجو الذي صدرت فيه هذه الأوامر، فإن الدورية ذهبت دون الجاهزية السلاحية الكافية لا في السلاح ولا في الذخيرة، الأمر الذي قد يكون أسهم في جعل مسؤولها يتصرف بالتوجه إلى القاعدة وإسقاط أمر المنفذ العام الذي نُقِل اليه بالاشتباك.

لقد شكلت هذه الحلقات، في ترابطها، الثغرة الأمنية التي أضاعت فرصة المبادرة السريعة، وهي الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها الحزب، على ضوء ترتيباته الأمنية في بيروت، للنجاح في تطويق أي إشكال أمني يتعرض له في المناطق الوطنية.

ثالثاً: – منذ اللحظة الأولى، التي عرفت فيها القيادة المركزية أن للقتيل فتحة صلة بـ “المرابطون”، بادرت بشخص الرئيس وعضوي المجلس الأعلى محمود عبد الخالق ونبيل العلم وبشخص منفذ عام بيروت بناء على توجيهات المركز، بإجراء سلسلة من الاتصالات السياسية بالفرقاء كافة ولتطويق الحادث سياسياً وأمنياً.

لقد تم الاتصال بـ “المرابطون” ثلاث مرات وكذلك بأمن (فتح) وبقوات الردع العربية وبالأستاذ جورج حاوي (الحركة الوطنية) وبقيادة قوات الردع (العميد سامي الخطيب).

في كل هذه الاتصالات أبلغت الجهات كافة، منذ الواحدة والربع وحتى الثانية، طبيعة الحادث الفردي الذي وقع، وخطورة تجمّع “المرابطون” حول بيت الأمين بشير ثم إقدامهم على اطلاق النار باتجاه البيت ومحاولتهم اقتحامه، كما أعْلِمَ الجميع أن السائق القاتل لمنير فتحة، هو في مركز الحزب، وأن المركز على استعداد لتسليمه فوراً، وكان الطلب الملحّ، على كل هذه الجهات، هو في التدخل السريع الفوري لفكّ الاشتباك عند بيت الأمين بشير وصيانة منزل الأمين بشير ومن فيه، وتلافي كل المضاعفات الخطيرة التي ينطوي عليها استمرار محاولة المسلحين الاعتداء على منزل الأمين بشير.

رابعاً: – حين أَعْلَمَ الأمين بشير رئيس الحزب، في اتصاله الثالث بالمركز، في حوالي الواحدة والنصف أن أحداً لم يصل إلى نجدته بعد، وأن منزله يتعرض لإطلاق النار، وان جموعاً من المسلحين تطوّقه، أعطى رئيس الحزب أمره بتحريك كل القوة المركزية على الفور، مع الأمر بالاشتباك والاقتحام مهما كلف الأمر، وقد تلقى الرفيق خضر أبو راشد الأمر من الرئيس مباشرة، في اتصال هاتفي به إلى القاعدة. كما قامت عمدة الدفاع بإيفاد كل من آمر شعبة العمليات ووكيل الدفاع لنفس الغرض.

عند الثانية إلا ثلثا توجهت القوة المركزية من القاعدة باتجاه منزل الأمين بشير، حتى اذا لم ينجح تمويهها (الاستطلاعي) في المرة الأولى وعادت دوريتها المسلحة، حشدت القوة المركزية قواها، واشتبكت مع قوات “المرابطون” التي كانت قد أقامت الحواجز على مداخل الطرق ونشرت رماتها على أسطح البنايات الأمر الذي أدى إلى إخفاق القوة الحزبية المحدودة في تنفيذ أمر الاقتحام.

خامساً: – من مظاهر الخلل في التنفيذ أن القوة المركزية اعتبرت أن نجاحها في اقتحام بنايتين والتمركز على أسطح فيهما، كافياً لأن تبعث إلى المركز ببرقية تقول فيها، “طوقنا المطوّقين وبناية المعني في أمان”، مما أشاع في المركز حالة من الارتياح بالنسبة لحماية الأمين بشير دون أن ينجم عن هذه الحالة أي تراخي في متابعة الاتصالات السياسية لفك الاشتباك.

سادساً: – وصلت قوات الردع وبرفقتها وكيل عميد الدفاع على متن احدى المصفحات، قبل دقائق من استشهاد الأمينين بشير وكمال حتى إذا تم دخولها البناية كان الأمر قد انقضى قبل دقائق معدودة.

إن المجلس الأعلى، على ضوء هذه الوقائع وفي تدقيقه لكل ما حدث، وعلى ضوء تقرير لحنة التحقيق والشهادات ومطالعة السلطة التنفيذية يسجل ما يلي:

أولاً: – ليس (هناك) من تقصير ولا إهمال ولا تفريط في كل ما قامت به السلطة التنفيذية وعمدة الدفاع بالذات، من ضن السياسة الأمنية المعتمدة لبيروت، ومن ضمن الظروف الموضوعية القائمة.

ثانياً: – ان ضياع ثلث الساعة الأولى دون تحقيق المبادرة السريعة التي هي وسيلة الحزب الأولى، إن لم نقل الوحيدة، في ضبط كل إشكال أمني في بيروت وتطويقه، يسأل عنه مستوى التنفيذ: إن المجلس الأعلى يدعو السلطة التنفيذية إلى التحقيق في عوامل وأسباب هذا الخلل الذي اعترى تنفيذ أوامرها، ومعالجة الأمر بما يستحق من محاسبة وحزم.

ثالثاً: – يسجل المجلس الأعلى أن حصول الجريمة على مقربة من المركز، زاد من الصدمة المعنوية الكبيرة التي هزت الحزب باغتيال قائدين هما الأمين بشير عبيد والأمين كمال خير بك والرفيقة ناهية بجاني.

رابعاً: – ان حصول ما حصل، فضلا عن كشفه للخلل في مستوى التنفيذ، يكشف خللاً اساسياً أمنياً في سياسة الحزب الدفاعية وفي بنيته الدفاعية كما في توجهاته الأمنية، الأمر الذي يستوجب إعادة نظر شاملة في السياسة الدفاعية ان لجهة سد الثغرات أو لجهة الحيطة في المناطق الوطنية على ضوء إمكان تطور الإشكالات الأمنية التي تحدث إلى جرائم تستهدف الحزب وقياداته خصوصاً وأن الحزب، في المناطق الوطنية، هو، أساس الحاجز القومي الاجتماعي في وجه المشروع الكتائبي الطوائفي، مما يعني أن عملية إيجاد وتشجيع الردائف الطائفية للمشروع الكتائبي هي العملية التي لا غنى عنها لإنجاح المؤامرة، تفرض تحطيم الحاجز القومي الاجتماعي إن بإنهاكه بسلسلة من الضربات أو بتسعير الأجواء والصدامات الطائفية ضده في المناطق الوطنية بالذات.

إن المجلس الأعلى يسجل أن القيادة المركزية، رئيساً وعمداً، وبما في ذلك رئيس وعدد من أعضاء المجلس الأعلى، كانت ترافق الحادث، في المركز، منذ حصوله وكانت تتابع كل الإجراءات والتطورات بما فيها الاستنفار الذي حصل والصدامات التي وقعت وأوامر وقف إطلاق النار، وفي هذا الصدد تبين للمجلس الأعلى ما يلي:

أولاً: – الاستنفار في المناطق والتحشيد في بيروت، تم على ضوء توقعات الصدام بعد الجريمة.

ثانياً: – اكتملت، في حدود العاشرة مساء، قوة قومية اجتماعية ضاربة في بيروت في حدود 600 مقاتلاً.

ثالثاً: – تبادل إطلاق النار الكثيف حصل حوالي الخامسة مساء وما بعد ذلك.

رابعاً: – منذ السابعة مساء تحركت القيادات السياسية: أبو عمار ووليد جنبلاط إلى مركز الحزب حيث انعقد اجتماع للقيادة المشتركة لتقرير التدابير التي تمنع تطور الاشتباك وتوقفه، ومنذ الثامنة مساء أخذ الكفاح الفلسطيني المسلح، تنفيذا لهذه القرارات، بالتمركز في مراكز “المرابطون” في رأس بيروت كخطوة أولى لإغلاقها.

خامساً: – لم تنقطع الاتصالات السياسية مع مركز الحزب من قبل المقاومة والردع للضغط باتجاه وقف إطلاق النار.

سادساً: – دمّر القوميون الاجتماعيون مركز “المرابطون” في البافيون، وعمد “المرابطون” إلى الجلاء عن مركزي اللبّان والجفينور فضلاً عن أنهم تخلّوا عن مركزهم في زقاق البلاط حيث جلب القوميون علم (المرابطون) الذي كان فيه.

سابعاً: – في كل هذه المراكز تمركز الكفاح الفلسطيني المسلح بعد أن أخلاها “المرابطون”. غير أن عناصر “المرابطون” بوصفهم من أبناء الحيّ الذي فيه المركز عادت اليه فيما بعد.

ثامناً: – كان اتجاه القيادة المركزية هو في تطهير المنطقة من كل مكاتب “المرابطون” ولكن تدخل الكفاح المسلح حال دون مضيّ المركز في تنفيذ المهمة، ولقد كان الأمر المركزي هو بإسقاط كل مراكز “المرابطون” بالحصار والقصف وبخاصة مركز ساقية الجنزير ولكن مع تجنب الاقتحام والالتحام تفادياً للمضاعفات السياسية التي قد تؤدي اليها عمليات الاقتحام والإبادة.

تاسعاً: – كان الردع يضغط لعدم اسقاط الأمن الردعي في المناطق الوطنية، كما سقط أمن الجيش اللبناني في عين الرمانة، كما أن “أبو عمار” يواصل ضغوطه علينا على أساس أن رصاص القوميين الاجتماعيين يتوجه اليهم من خلال تمركزهم في مراكز “المرابطون”.

عاشراً: – القيادة المركزية التي تابعت الأوضاع في المركز بمن فيهم رئيس وأكثرية أعضاء المجلس الأعلى شاركت في القرارات وفي قرار وقف النار بالذات.

إن المجلس الأعلى يجد أن ما حصل بالنسبة لوقف إطلاق النار لم يصب معنويات الحزب بالأذى، فقد حافظ الحزب على معنوياته، في قراره هذا، لدى كل المراجع الدولية والعربية والمحلية بعد ان ثبت للجميع أنه كان قادراً فعفّ، صيانة للساحة الوطنية من أن تتفجر في مسلسل من الصراعات، ما ينعكس هذا كله على أمن الحزب بالذات فضلاً عما يلحق بالمسيرة الوطنية والقومية من أذى بالغ.

غير أن هذا لا ينفي أن كل ما حصل بما في ذلك قرار وقف إطلاق النار، ترك المرارة والأسى في نفوس القوميين الاجتماعيين قيادات وأعضاء.” 37

 

تسجيل التقصير … ولو متأخراً أربع سنوات

قدم رئيس الحزب الأمين إنعام رعد تقرير الرئاسة أمام المؤتمر القومي الاجتماعي الذي عقد في بولونيا عام 1984، وتحدث فيها عن تنفيذ الخطة الحزبية والظروف المحيطة بالحزب في السنتين 1980 ـ 1982.

وقد سيطرت جريمة اغتيال بشير وكمال وناهية على بداية تقريره. وفي معرض حديثه عن الخطة الحزبية التي وضعت لتلك المرحلة، أشار إلى أنها “قد لحظت الأولوية في التحالفات مع دمشق، وقد تسرب هذا الأمر إلى أمن فتح الذي أخذ يلهج به سلبياً. وكان هذا التوجه مثار جدل مع بعض الرفقاء القياديين الذين رأوا أن التحالف مع الثورة أضمن من التحالف مع النظام. وكان رأي القيادة أن منظمة التحرير الفلسطينية تحولت إلى نظام، وإلى نظام يميني محافظ.

على الرغم من هذه الظلال فقد حافظ الحزب على على العلاقة النضالية المشتركة في الجنوب، وعلى تنسيقه وعلاقاته مع المقاومة الفلسطينية، ومع حركة فتح بالذات، لكن ذلك لم يمنع من تطور الأحداث لاحقاً، فاعتبرت قيادة فتح أن الحزب منحاز للشام وليبيا، أي للتحالف المناقض لها.

واجَهْنا بعد شهر واحد من إقرار الخطة الحزبية، وقبل الشروع في تنفيذها إرباكاً أمنياً فاجعاً باغتيال الشهيدين بشير عبيد وكمال خير بك والشهيدة ناهية بجاني، على أيدي جماعة من “المرابطون” إثر حادث بين منير فتحة وسائق الشهيد بشير عبيد، تطور فوراً إلى تنظيم هجوم غادر على منزل الشهيد بشير عبيد واغتياله مع الشهيد كمال خير بك.

   إنّ الحادث المفجع حصل بينما الحزب يعّد نفسه للمواجهة في الجبل والجنوب، مطمئناً نسبياً إلى وجوده الأمني في المناطق الوطنية. (…)

كان (الحادث) مفاجئاً، ورفع أمره إلى المجلس الأعلى الموقر الذي تولّى التحقيق فيه وأصدر تقييمه وحكمه. وكان رئيس الحزب قد قدم استقالته على أثر الحادث فرفضها المجلس الأعلى.

إلا أننا لا نستطيع، بالمسؤولية المعنوية، وبالصدق أمام مؤتمركم وأمام تاريخ الحزب، إلاّ أن نسجّل التقصير، في عدم تدارك الحادث وإنقاذ الأمنيين، على السلطة التنفيذية بكامل أجهزتها أياً كانت المبررات والتعليلات والحيثيات.

(…) بعد هذا الحادث، والذي أثبت ضرورة وجود قوة طوارئ ضاربة مهما كانت صغيرة في كل منطقة مهددة أمنياً، وعدم الاعتماد على الاستنفار بعد الحادث، كما جرى، توافد مئات القوميين الاجتماعيين بلغ عددهم نحو 700 إلى بيروت تلبية للاستنفار المركزي. وسيطر الحزب عملياً على معظم بيروت الغربية، وجرى ضرب بعض مراكز “المرابطون”. ولكن قرار الحسم ضدهم لم يتخذ بعد تدخل قيادة المقاومة وقيادة الردع من جهة، وبعد القرار المركزي بعدم دخول حرب الزواريب مع جماعة طائفية، (…) لقد واجه الحزب حملة (معادية) تحت شعار “الطارئون” وغير ذلك، تمكن من التغلب عليها بتنسيقه وإنشائه العلاقات مع مختلف المراجع والفئات البيروتية، خاصة أنه هو المعتدى عليه. ولا بدّ من التسجيل أنّ أحداً من حلفائنا، باستثناء القيادة العامة، لم يحسم لمصلحة الحزب بل أكثر من ذلك فقد استُقبل قليلات بعد الحادث بقليل في ليبيا، ونال المساعدات والدعم الكثير. كما أنه كان يُستقبل في دمشق مع مراعاة خاصة للحزب. وعلمنا لاحقاً أنّ عدة أحزاب وطنية كانت قد اتفقت، في حال حسم الحزب (المعركة في مواجهة “المرابطون”)، فستتصدى له دفاعاً عنهم (من أجل ما وصفوه بالتوازن).

لقد تصرفنا إزاء هذه الجريمة وبشاعتها وبشاعة الاستغلال الطائفي الإقليمي لها، بالتصدي لهذا الجانب المعنوي الخطير، وتسجيل الاستنكار على ما حصل بموقف معنوي كان مقاطعة اجتماعات الحركة الوطنية حتى أصدرت بياناً بإدانة النعرة الطائفية الإقليمية التحريضية التي رافقتها. وقد استمرت مقاطعتنا نحو ثلاثة أشهر. مع الانقطاع عن نشاطات أوسع لمؤتمر الشعب العربي.” 38

 

موقف ملتزم بالنهضة لعائلة الشهيدين بشير وناهية

على الرغم من فداحة الخسارة التي لحقت بأهل الشهداء أولاً وبالحزب ثانياً، فقد استمر الجميع بانتظار نتيجة تحقيق الحزب حول ملابسات الجريمة، والتزمت عائلة بشير، اقتداء منها بسلوكه، تنتظر قرار مؤسسات الحزب العليا، لكن صبرهها نفذ من طول الانتظار، فأقدمت مديرة مديرية رأس بيروت الثانية الرفيقة هالة عبيد (زوجة أسعد شقيق بشير) على رفع الرسالة التالية إلى المجلس الأعلى بعد شهر على الجريمة: 39

“حضرة رئيس المجلس الأعلى الجزيل الاحترام.

تحية سورية قومية اجتماعية.

بعد اطلاعنا على تفاصيل الاتصالات منذ اللحظة الأولى لاتصال الأمين الشهيد بشير عبيد، هذا الاتصال الذي تكرر منه ومن الشهيد كمال خير بك، واستمر من الساعة الثانية عشرة والنصف ظهراً، لغاية الثالثة إلاّ ربع بعد الظهر، أي قبل الاستشهاد بدقائق معدودة، وما جرى بعدها من الساعة الثالثة إلى غاية الساعة السابعة من صباح اليوم الثاني، حيث تركت زوجة الشهيد بشير وابن الشهيد كمال، وعائلة الشهيدة ناهية من دون أي مساعدة أو محاولة لإنقاذها، نتيجة (ذلك) تأكد لنا أن هناك “تقصير فاضح” من قبل المركز، .. خصوصا من “جهاز عمدة الدفاع” ـ كامل الجهاز- وبصورة خاصة من قبل “عميد الدفاع”، الذي كان طَلَبُ الأمين الشهيد بشير عبيد منه واضحاً محدداً من الاتصال الأول، هذا التقصير الذي أدى إلى وقوع المجزرة التي نعتبرها “وصمة عار” تنال الحزب، كل الحزب.

إنّ هذا التقصير لا يمكن أن يكون مجهول الفاعل والمسؤول عنه من مختلف جوانبه منذ الاتصال الأول لغاية لحظة الاستشهاد، ولغاية الساعة السابعة من صباح اليوم التالي.

بعد الاتصال الأول ولغاية لحظة الاستشهاد، وأجوبة المركز، تطمينات… تطمينات… تطمينات… وطلب تهدئة الأعصاب، ووعود… ووعود… ووعود… بأن الإنقاذ سيحصل. ورغم كل ذلك وقعت الكارثة…

على ماذا كانت تعتمد هذه التطمينات؟ ومن المسؤول عن إقناع القيادة بها؟؟

بالنسبة لنا كانت الأمور واضحة أمامنا، ومسؤولية الحزب من كل ما حصل… كانت أيضاً واضحة ومؤكدة … لنا، نحن الذين عانينا المأساة منذ اللحظة الأولى، وقد قمنا بالاتصالات وأعطينا المعلومات الدقيقة لحظة بلحظة، وقد كنا على وشك اتخاذ موقف من الحزب لنعلنه للجميع، أقله رفض دفن الشهداء أو قبول التعاطي مع الحزب أو مشاركته في الشؤون المتعلقة بالشهداء وعائلاتهم، قبل أن يقدم المركز على تحديد المسؤوليات واتخاذ العقوبات. لأن مسؤولية الذين ارتكبوا المجزرة لا تهمنا بمقدار مسؤولية المسؤولين الذين تقاعصوا وتخلوا عن مسؤولياتهم، وعن الحسّ القومي الاجتماعي وعن الوجدانية القومية الاجتماعية، ممّا أدى إلى وقوع الكارثة. ولكننا محافظة منّا على كرامة الحزب ودماء الشهداء ونزولاً عند إرادة قيادة الحزب، تخلينا عن كل شيء والتزمنا التزاماً كلياً بما قرره الحزب، بعد وعود قاطعة جازمة بأن قيادة الحزب لن تتهاون مع الذين يتحملون مسؤولية المجزرة من داخل الحزب، بصورة خاصة ومن خارج الحزب بصورة عامة.

وها هو يمّر شهر على المجزرة ولم نسمع خلاله بأن مسؤولاً ما احترم نفسه وقدم استقالته أو أنّ قراراً ما قد صدر بإقالته أو إعفاء أو تجميد مسؤولية مسؤول بانتظار نتائج التحقيق.

شهر كامل ونحن نسمع بأن لجنة التحقيق قد تألفت من المجلس الأعلى الموقر، ولغاية الآن، لم يصدر عنها أي قرار وعلى الرغم من معرفة القيادة ما يدور بالصف حول المجزرة، وبالجو القاتم الذي يعيش الحزب فيه. نحن نعتقد بأن لجنة التحقيق الحزبية شكلت من أجل مصلحة الحزب، ولإراحة الصف وتوضيح الحقائق والقضاء على أجواء البلبلة والاتهامات، والإشعاعات، وكان بإمكانها أن تنهي التحقيق في مسألة بمثل هذه الخطورة مهما كلفها من جهد وسهر وتعب، وذلك خلال أيام قليلة.

لم نكن نتصور أنّ الحزب سيتخلى حتى عن دماء الشهداء بمثل هذه السهولة، ويعود إلى الحركة الوطنية قبل إنزال العقوبات بمرتكبي الجريمة من داخل الحزب وخارجه. وهذا ما كنّا نسمعه على لسان أكثر من مسؤول، وبعض هذا ورد في البيان الداخلي. فنحن نعرف كيف نتعامل مع الذين نفذوا الجريمة من خارج الحزب، نحن نثق بأن عشرات الرفقاء مستعدون لهذا الواجب في الوقت والمكان المناسب… ولكن إنّ ما يؤلمنا ويخيفنا هو أنّ يصح شعور عشرات الرفقاء بأن التعامل مع المسؤولين عن الكارثة من ضمن الحزب. يجب أن يكون أيضاً في سوية التعامل مع الذين هم من خارج الحزب.

هذا الشعور، ولَّده عندنا التقصير في بت الأمور في السرعة المطلوبة لتوضيح الحقائق، حتى لا نترك الأمور للتفسيرات والتقييمات الشخصية.

أنني إذ أكتب ما أكتبه بهذه الصراحة المتناهية وهذا الوضوح الكبير لأنني أرى أن من واجبي أن أضع قيادة الحزب بصدق وإخلاص أمام حقيقة مشاعرنا الداخلية ومشاعر عشرات الرفقاء.

وفي النهاية، وبعد أن رفعت استقالتي من مسؤولية مدير مديرية راس بيروت الثانية، جئت برسالتي هذه انسجاماً مع نفسي ومع مشاعري، وحتى مع ما قد أشترك في الإقدام عليه من اعلان الحقائق وتحميل المسؤوليات، أطلب تعليق عضويتي في الحزب معلنة استمرار إيماني بعقيدة سعاده، خاصة وأنّ شهراً كاملاً قد انقضى من دون أن يحضر أحد من قبل لجنة المجس الأعلى الموقر لأخذ معلوماتنا، نحن الذين كما ورد، رافقنا المجزرة منذ اللحظة الأولى.

المديرية في 7/ 12/80                                        دوموا للحق والجهاد

                                                                       ولتحي سورية وليحي سعاده

                                                                             الرفيقة   هالة   عبيد”

 

جورجينا رزق تصلح ذات البين

يتابع سمير صباغ روايته عن مرحلة ما بعد الحادث: “إنعام واصل مقاطعتي لما يزيد على شهرين، إلى أن كنا يوماً في ليبيا، وأرسلنا معمر القذافي إلى لبنان بطائرة خاصة، وكنا عائدين ليلاً ونتوجس خيفة من الصواريخ فقلت لإنعام: ها نحن بين الموت والحياة وستستمر بمقاطعتي؟ فصالحني على الفور.

بعد حوالي ستة أشهر فتحت خطاً مع القوميين، عن طريق جورجينا رزق، التي طلبت منها أن تساعدني في إنهاء القطيعة، فقالت نحن نعلم أن لا علاقة لك بالموضوع، وسعت إلى الصلحة، وتمكنت من مصالحتنا وعادت العلاقة طبيعية بين “المرابطون” والقومي.” 37

وهنا أود التنويه بأنه ليس بالإمكان الجزم أن هناك اختراق، لكن الحدث أكبر من ردة فعل على قتل منير فتحة، وعندما أقول أننا مختَرقون لا يمكني أن أحدد الاختراق لصالح من كان، أهو محلي أم خارجي، لكن لا شك أن هذا الاختراق كان يهدف إلى ضرب الحركة الوطنية، وربما يكون قتل بشير عفوياً، أما قتل كمال خير بك قد يكون غير عفوي، وهنا يوصل الاختراق إلى حد اتهام “إسرائيل”، التي كانت تعرف حجمه الحقيقي في العمل المقاوم.” 40

 

المراجع

1 ـ من مقابلة رجا عبد السلام

2 ـ من مقابلة سميح الصايغ

3 ـ من مقابلة الأمين غسان الغريب

4 ـ من مقابلة الدكتور سمير صباغ، ت:13/12/2016

5 ـ من مقابلة الأمين أسعد حردان، ت: 20/7/2017

6 ـ من مقابلة سميح الصايغ ت: 4/12/2016

7 ـ من مقابلة الأمين أسعد حردان

8 ـ المصدر السابق

9 ـ من مقابلة خزامى قاصوف

10 ـ المصدر السابق

11 ـ من مقابلة هالة عبيد

12 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

13 ـ من مقابلة محي الدين جبر (المطران) ت: 5/1/2017

14 ـ المصدر السابق

15ـ من مقابلة الأمين أسعد حردان

16ـ من مقابلة عفيفة عبيد

17 ـ من مقابلة الجارة أم طارق الطبش، ت: 08/02/2017

18 ـ من مقابلة الامينة اليسار سعاده، ت: 07/02/2017

19 ـ من مقابلة الدكتور سمير صباغ

20 ـ من مقابلة الجارة أم طارق

21 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

22 ـ من مقابلة هالة عبيد

23 ـ المصدر السابق

24 ـ من مقابلة الأمين محمود عبد الخالق

25 ـ من مقابلة الأمين أنطون العلم بتاريخ 24/1/2017

27 ـ من مقابلة بسام أبو شريف

28 ـ من مقابلة أحمد جبريل

29 ـ من مقابلة موريس نهرا

30 ـ من مقابلة النائب السابق نجاح واكيم بتاريخ 15/3/207

31 ـ من مقابلة الأمين حافظ الصايغ

32 ـ من مقابلة رياض عيد

33 ـ من مقابلة محي الدين جبر (المطران)

34 ـ من مقابلة الدكتور سمير صباغ

35 ـ المصدر السابق

36 ـ أشار المجلس الأعلى لرفضه الاستقالة في ذيل القرار الصادر عنه

37 ـ قرار المجلس الأعلى، عُمِّمَ في 06/02/1981،

38 ـ إنعام رعد، الكلمات الأخيرة، ص: 263 و264 و265

39 ـ من أرشيف هالة عبيد

40 ـ من مقابلة الدكتور سمير صباغ

 

 

الفصل السابع: وأخيراً لا كلام يعيد ثلاثة فرسان ترجلوا

 

لا تراب يحتضن الأبطال

استَنْفَرَ القوميون الاجتماعيون أو استُنفِروا لا فرق، فالذي حدث قد حدث، واستشهد أمينان وصبية في لحظة واحدة، وبات الهم كيف نلملم الجراح، وأين يدفن الشهداء.

بشير الذي اعتاد قرع أجراس كنائس بيت شباب عند استشهاد أي قومي اجتماعي، “منع الكتائب يوم إعلان خبر استشهاده قرع جرس أي كنيسة في بلدته حزناً عليه، ومنع أهله من دفنه في مدافن العائلة. حتى ناهية، وأعمامها كتائبيون، اشْتُرِطَ أن تدفن وحيدة ومن دون جناز أو إقامة صلاة عن روحها.” 1

الأمين الدكتور كمال خير بك، والأديب والشاعر ابن القرداحة، اشترطَ عرض رئاسي شامي “أن ينقل جثمانه إلى مسقط رأسه بصمت، وبمرافقة عشرين من أفراد العائلة فقط، على أن تزود السلطات مسبقاً بأسماء الحضور، وأن لا يقام احتفال تأبيني ولا تلقى كلمات رثاء.” 2

هذه الشروط حتمت دفن الشهداء في “المنطقة الوطنية”. يقول الدكتور سمير صباغ: “صباح يوم الدفن حضر إلى منزلي باكراً كل من حسين القوتلي من دار الفتوى والشيخ خليل الميس، ونقلا لي كلاماً، أنه مراعاة للخواطر (خواطر المسلمين) من غير المسموح دفن مسيحيين في مقابر الشهداء، ولماذا لا يدفن بشير وابنة أخته في بلدتهم، وسأل الميس: والثالث من أي طائفة؟ أخبرته أنه علوي من سوريا فرفض رفضاً قاطعاً، وقال من المستحيل دفن علوي عندنا.”

“كما علمت أن ابراهيم (قليلات) اتصل ب “أبو عمار” من الجزائر رافضاً دفنهم في مدافن بيروت، فهؤلاء قوميون غرباء، حسب رأيه، عندها اقترحنا مقبرة الفلسطينيين فرفض أيضاً، وبعدها دبرها أبو عمار وقال في مار الياس بطينا (وهذا طبعاً لم يحدث). ودفنوا فيما بعد في مقبرة الشهداء الفلسطينيين.” 3

كما تذكر خزامى قاصوف أن: “علي خير بك حمل برقية تعزية من الرئيس حافظ الأسد وفيها أن كمال ابن القرداحة وسيدفن في بلدته، على أن يُلْتَزمْ بالشروط، رفضت عرض دفن كمال في القرداحة بهذه الطريقة، واستنكرت هذا الطلب، لأن أهلي وحدهم أكثر من عشرين شخصاً، وهذا كمال خير بك المناضل الكبير هل يعقل هذا الطلب؟ وفي هذه الأثناء دخل أبو عمار معزياً، (وهو على خلاف مع حافظ الأسد)، فتقدمت منه وجلست إلى جانبه وأخبرته أن كمال طالما أوصى أن يدفن إلى جانب فؤاد الشمالي في مدافن الشهداء، فقال لها الآن تطلبين ذلك والأمر يحتاج إلى ترتيب، وقد حدد موعد الدفن فقالت له يؤجل حتى تجري الترتيبات اللازمة، وعاتبته لأنه لم يجب على الاتصالات العديدة، فاحتج أنه كان في اجتماع، وحاول التملص لصعوبة تأمين ثلاثة مدافن فأصريت على موقفي، على أن يعاد بناء مدفن فؤاد لتكون المدافن الأربعة مشابهة، وأعطيته الأبيات الشعرية التي كتبها كمال لفؤاد حتى توضع على ضريحه:

“لا تقولوا مات صوت الشاعر الحر الغريب

قبل أن ينتشر في الأرض حريقه

لا تقولوا مات لم يكمل طريقه

ها رفاقي حملوا عني الصليب”

 وهكذا كان بنيت الأضرحة الأربعة متشابهة ووضع شعر كمال على مدفن فؤاد.” 4

 

قالوا كلهم والنتيجة واحدة… اغتيل الثلاثة

صدر عن عمدة الإذاعة:

“حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف من بعد ظهر اليوم كان الرفيق سائق سيارة عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي الأمين بشير عبيد يمر بالسيارة في إحدى طرقات العاصمة دون أن يكون فيها الأمين عبيد، حين اعترضتها سيارة لم يعرف السائق من بداخلها وحاول سائقها إرغامه على التراجع إلى الخلف، فلما لم يمتثل له نزل من سيارته وشهر سلاحه وأطلق عليه رصاصتين اخترقتا السيارة، مما حدا بالرفيق سائق سيارة الأمين بشير عبيد إلى الدفاع عن نفسه مستخدماً سلاحه بدوره وأثناء تبادل اطلاق النار قتل سائق السيارة المعتدي الذي تبيّن فيما بعد أنه أحد عناصر المرابطون ويدعى منير فتحة .

وعلى الأثر وما إن علمت قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي بالحادث اتصلت فوراً بقيادة المرابطون وعلى وجه التخصيص بالسيدين سمير صباغ وحسن حبال وأبلغتهما أنّ الرفيق الذي حصل معه الحادث قد أعتقل من قبل الحزب وأنه تمّ الاتصال بقوات الردع لتسليمه اليها أو للجنة الأمنية العليا وفق ما ترتئيه، وأبدى رئيس الحزب ومسؤولوه في الاتصالات المتكررة التي أجروها بالمرابطون أسفهم للحادث. ومناشدتهم لقيادة المرابطون بالعمل على تطويقه وحصره منعاً لأية مضاعفات مؤذية للساحة الوطنية، ولعلاقات الطرفين، في هذا الظرف الدقيق.

ولكن مسؤولي المرابطون تجاهلوا كل هذه الاتصالات لتدارك مضاعفات الحادث وحصر ذيوله فقامت مجموعات من المرابطون بتطويق منزل الأمين بشير عبيد وأمطرته بوابل من الرصاص والقذائف ثم اقتحمته فاستسلم لها الأمينان بشير عبيد وكمال خير بك فقام المرابطون بتصفيتهما على مشهد ممن في البيت من نساء وأطفال. ولم يكتف مسلحو المرابطون بذلك بل أقدموا على إطلاق النار على ابنة شقيقة الأمين بشير عبيد ناهية بجاني فاستشهدت فوراً. كما أقدم المرابطون على اقتحام المكتب العسكري للحركة الوطنية مقابل جامع عبد الناصر حيث أسروا رفيقين من القوة المشتركة هما سمير عبد الصمد وعلي مشورب وأطلقوا النار عليهما فأصابوهما إصابات بليغة نقلا على أثرها وبعد تدخل قيادات الحركة الوطنية والأمين العام التنفيذي للمجلس السياسي للحركة الوطنية إلى مستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية بحالة الخطر الشديد.

إنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي يدين هذه الجريمة النكراء وأسلوب التعامل البربري الذي أودى بحياة الشهيدين الأمينين بشير عبيد وكمال خير بك ويعتبر ما حصل وصمة عار في جبين الجبهة التي ارتكبت هذه الجريمة الشنعاء بحق مناضلين كبيرين صرفا حياتهما في النضال القومي والوطني من أجل فلسطين والثورة الفلسطينية ومن أجل لبنان وطني موحد وديمقراطي ومن أجل القضية القومية في صفوف حزبهما الذي نذر نفسه لقضية هذه الأمة وفي ساحات النضال الفلسطيني المختلفة دون حساب أو منة ولم يكونا يتوقعان أن تهدر حياتهما على غير يد عدوهما الوحيد، العدو الصهيوني وحلفائه الداخليين الطائفيين.

كما يعتبر الحزب إقدام المسلحين على قتل ابنة شقيقة الأمين بشير عبيد الشهيدة ناهية بجاني ينم بما فيه الكفاية عن الدرك الذي وصلت اليه هذه الجماعة المسلحة.” 5

 

…وعن “قيادة قوات الردع العربية”:

“حوالي الساعة 13 من تاريخ 5/ 11/ 1980، ولخلاف على أفضلية المرور تلاسن شخصان كلاهما ينتمي لحزب من الأحزاب المحلية. فأطلقت النار وقتل أحدهما المدعو منير فتحة. بينما توارى القاتل الذي ينتمي لتنظيم آخر، فتسلمته قياداته الحزبية تمهيداً لتسليمه للمراجع المسؤولة والمعنية، الاّ أن ذوي القتيل أسرعوا في مهاجمة المبنى الذي اعتقدوا أنّ القاتل لجأ اليه. وذلك قبل تدخل القيادات الحزبية المعنية وأطلقوا على المنزل قذيفة صاروخية أدت إلى مقتل كل من السيدين بشير عبيد وكمال خير بك، وهما عضوان قياديان معروفان ويقطنان في إحدى شقق المبنى.

وبانتشار الخبرين الأول والثاني اللذين تلاحقا ضمن فترة وجيزة جداً، لم تتح خلالها فرصة للتدخل لأي من القوى الرسمية والقيادات المعنية، الشيء الذي أدى إلى استنفار في مكاتب الحزبين الذين ينتمي اليها المشتبكون، توتر الجو في المنطقة فتدخلت قوات الردع العربية وسيرت الدوريات الكثيفة والمؤللة، كما حثت القيادات المعنية على ضبط عناصرها والعمل على معالجة الموقف بمسؤولية وحكمة، وقد لاقت قيادة قوات الردع العربية تجاوباً كبيراً من المعنيين، وبدأت الحالة بالعودة إلى وضعها الطبيعي اعتباراً من الساعة 19 ولم تزل الدوريات مستمرة في مهمامها والقيادة عاكفة على انهاء الحادث وذيوله.” 6

 

 

…ورد الحزب:

“تعليقاً على بيان قوات الردع العربية أوضحت مصادر الحزب السوري القومي الاجتماعي أنّ لا صحة إطلاقاً بأنّ الشهداء المذكورين قد قضوا نتيجة قذيفة صاروخية أطلقها “المرابطون” على منزل الشهيد عبيد، لأن التشريح الطبي أثبت أنّ وفاة كل من الشهداء حصلت نتيجة إطلاق الرصاص عليهم من مسافة قريبة تدل عليها أثار الحروق على جسدهم. (…) هذا يدل دلالة كافية عن الاسلوب الذي اتبع في تصفية الشهيدين خير بك وعبيد وابنة شقيقة الأخير.” 7

 

…وقالت “وفا” الفلسطينية:

عند الواحدة بعد منتصف ليل الأربعاء – الخميس وزعت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا المعلومات الآتية: “على إثر الحادث المؤسف الذي وقع اليوم واستشهد بنتيجته المناضلان بشير عبيد عضو المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وأحد أبرز الوجوه الوطنية المناضلة على الساحة اللبنانية، مع رفيقه المناضل كمال خير بك، وكان هذا بعد أن سقط الوجه النقابي المناضل منير فتحة.

اجتمعت القيادة اللبنانية الفلسطينية المشتركة بحضور الأخ أبو عمار، والرفيق وليد جنبلاط رئيس المجلس السياسي المركزي للحركة الوطنية، والأخوة قادة الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية.

وبعد الاجتماع قام المجتمعون بزيارة مقر الحزب السوري القومي الاجتماعي واجتمعوا برئيسه الرفيق إنعام رعد والرفاق قادة الحزب.  ثم انتقلوا إلى منزل الرفيق وليد جنبلاط حيث عقد اجتماع حضره الأخ سمير صباغ نائب رئيس مجلس قيادة حركة الناصريين المستقلين “المرابطون” وعدد من الأخوة قيادة الحركة.

واتفق في الاجتماع على أن تتولى اللجنة الأمنية العليا معالجة الموضوع بين الطرفين وبعد ذلك قام الأخ أبو عمار يرافقه الأخ “أبو الوليد” “والأخ أبو الزعيم” بزيارة الرئيس صائب سلام في منزله لمتابعة الموضوع. وقد استمرت الاتصالات مع قيادة قوات الردع العربية والمسؤولين في الحكومة، ونتيجة هذه الجهود قامت قوات الردع بإنزال قواتها إلى مناطق التوتر حيث تمت السيطرة على الموقف.” 8

 

… و “صباح الخير ـ البناء”: هكذا استشهد رفقاؤنا برصاص “الأخوة” اقتحموا المنزل بوابل من الرصاص واقتادوا الأمينين وصفوهما.

أوردت مجلة الحزب الخبر على الشكل التالي:

 لم يكونوا على الجبهة المواجهة للعدو “الإسرائيلي” حين صرعتهم زخات الرصاص المجرم.

ولم يكونوا على ذرى صنين يواجهون الفريق المتصهين الذي كشف عن وجهه وأعلن ولاءه للعدو. ومع ذلك، وعلى الرغم من ذلك سقط بشير عبيد وكمال خير بك وناهية بجاني صرعى برصاص وبسلاح أعطي لهؤلاء من أجل أن يحموا به الشعب ويدافعوا عن قضيته، ويصونوا كرامته.

ومهما تفذلكت وسائل الإعلام في صياغة وهمية مشوهة لرواية الجريمة، فإن الرأي العام لم يستطع أن يتقبل هولها، وفظاعتها. كيف يريدون أن يحتلوا الشوارع إذا كانوا بسياراتهم ويفوزوا بأفضلية المرور، كيف يعمدون إلى اقتحام المنازل واغتيال من فيها؟ كيف توجه بنادقهم إلى الذين وجهوا البنادق لصدور العدو في فلسطين وفي كل زاوية من هذا العالم؟ كيف؟ كيف يفعلون هذا؟ لعل المبرر الوحيد الذي اختبئوا خلفه عند صياغة خبر الجريمة أن تعرفوا على بشير عبيد بأنه كان عميد الدفاع في الحزب أثناء الثورة الانقلابية سنة 1961 – 1962 . ترى ما هو السبب الحقيقي. أم انه الاختباء خلف الأصابع؟ هذه هي الإفادة الأولى والفورية للمجرمين. أما ماذا حصل بعد ذلك وكيف جرت محاولات التمويه، فهذه هي الوقائع.

حوالي الساعة الثانية عشر والنصف ظهراً من يوم الاربعاء الواقع فيه 5 تشرين الثاني الجاري وأثر حادثة فردية بين الرفيق سائق سيارة الشهيد الأمين بشير عبيد والمدعو منير فتحة على إحدى طرقات منطقة ساقية الجنزير والتي سردت عمدة الإذاعة في الحزب السوري القومي الاجتماعي تفاصيلها في بيان صدر عقب الحادث، عمد فريق من “المرابطون” إلى القيام بعملية اقتحام مجرمة على منزل الأمين بشير عبيد والأمين كمال خير بك وناهية ابنة شقيقة الأمين بشير، أما تفاصيل الحادث فهي كالتالي: كان الأمين بشير عبيد في منزله يستحم وإذا بأصوات الرشاشات تدوي في الشارع باتجاه منزله فهرعت زوجته ونادته لتطلعه على ما يجري في الخارج. أخذ العجب من الأمين بشير مأخذه لأنه لم يكن يدري من الأمر شيئاً، فخرج من الحمام وارتدى ثيابه بسرعة وإذا به يتأكد بنفسه من صحة ما يجري.

وكانت مجموعة كبيرة من “المرابطون” بأسلحتها الرشاشة والثقيلة قد طوقت البناية حتى مدخلها الرئيسي مطلقة النار باتجاه الشقة الرابعة حيث منزل المغدور الشهيد بشير عبيد. لم يأبه الأمين بشير بالأمر بادئ ذي بدء، ظناً منه بأن المهاجمين أياً كانوا سيتوقفون عن إطلاق النار في حال تعرفهم إلى صاحب المنزل ولم يدر في خلده أنّ المهاجمين هم جناة يضمرون الشر بالمناضلين الأبرياء.

وبعد مضي ربع ساعة تقريباً على إطلاق النار في اتجاه البناية من الشارع والمدخل صعد المسلحون إلى مدخل الطابق الرابع وأخذوا يطلقون النار عشوائياً باتجاه باب المنزل.

في هذه الأثناء دب الذعر في قلوب سكان البنايات المجاورة كلها، وكان أن جاء الأمين كمال خير بك الذي يسكن في جوار الأمين بشير ليعاين ويستكشف ما يجري هناك وكان أن قدر له دخول منزل الأمين بشير على رغم كثافة النيران، فوجد الأمين بشير وعائلته في حيرة من أمر ما يجري دون أن يعلم أحد منهم السبب.

هذا وكان المسلحون الذين رابطوا على مدخل المنزل قد أبلغوا من هم في الداخل بأنهم جاؤوا ليتسلموا قاتل منير فتحة، إلاّ أن بشير عبيد أجابهم بأنه ليس عنده، وإنه ذهب إلى مكان ما حيث سيصار فوراً إلى تسليمه للعدالة من أجل التحقيق. وأخذ بشير عبيد يشرح لهم، أنه مقاتل مثلهم في سبيل قضية كبرى وأن الشهداء اللذين يتساقطون من هنا وهناك هم شهداء قضية واحدة وهدف واحد.

إنّ هذا الكلام كله لم ينفع فقد أصّر المسلحون على دخول المنزل فأطلقوا باتجاه الباب ثلاث قذائف بي 7 كافية لأن تنقلهم إلى الداخل مع أسلحتهم. عندها الأمين بشير كما ارتأى ذلك مع الأمين كمال بأن الخروج للمسلحين هو عمل منطقي إذ يكفي للمسلحين أن يتعرفوا على من هم في المنزل لكي ينصرفوا إلى حيث أتوا. وكان المسلحون قد قالوا للأمين بشير بالحرف الواحد “سلم نفسك تسلم، إننا نقسم بشرفنا … سنحافظ عليكم محافظتنا على نفسنا وأهلنا”.

وأمر المسلحون كلا من الأمينين بالخروج وأيديهما على الرؤوس ففعلاً بعد أن سلما سلاحهما فاقتادهما المسلحون على الدرج إلى أمام الشقة الواقعة في الطابق الثالث وهناك أطلقوا النار على الأمين كمال خير بك في رأسه وصدره فسقط على الأرض شهيداً، عدنها انتهرهم الأمين بشير عبيد وطالبهم بوعدهم والقسم إلاً أنهم ارتدوا عليه وأطلقوا عدة رصاصات استقرت في رأسه وصدره وبطنه، فسقط هو الآخر شهيداً إلى جانب صديقه ورفيقه. 9

 

كيف قتلوا الفتاة؟

في هذا الوقت كانت عائلة بشير عبيد قد لجأت إلى منزل أحد الجيران في البناية وكانت ابن شقيقته قد نزلت الدرج لترى ماذا حدث فاذا بها تروع بمنظر الجثتين المتضرجتين بالدماء، فصرخت ونزلت إلى أسفل البناية، وفجأة تلقفها المسلحون وجروها إلى مكان ما تبين بعد أنه مقابل فندق الكونتيننتال حيث أجهزوا عليها ونقلت من هناك جثة هامدة إلى مستشفى الجامعة الاميركية.

وفهم أن المسلحين كانوا قد أعطوا أسماءهم وصفتهم الحزبية عند هجومهم على المنزل كما فهم أيضاً أنّ القتيل منير فتحة لا علاقة له اطلاقاّ “بالمرابطون” وأنّ “المرابطون” قد انتصروا له لأسباب غير معروفة حتى الآن.” 10

 

…وافتتح رئيس الحزب إنعام رعد المجلة:

يصعب الكلام حين تكون الفاجعة أكبر من أن يعبر عنها بالكلام، وقد كان محسوباً كل حساب إلاً هذا الحساب. كان محسوباً أن تقتل رصاص انعزالية أو صهيونية الأمين الشهيد بشير عبيد وهو يقود معركة الجبل في حزبنا، أو يناضل على مدى ثلاثين عاماً في قيادات حزبنا، في مؤسساته من القاعدة حتى المؤسسة العليا.

وكان محسوباً أن تقتل رصاصة الأمين كمال خير بك وهو يضرب الأهداف الصهيونية والإمبريالية بالكفاح المسلح الذي بات علماً من أعلامه ورمزاً من رموزه، يضيء الشعلة في أشّد ساعات الظلام القومية ليبعث في المناضلين رجاء الطريق الوحيد إلى التحرير، طريق الكفاح المسلح.

ولو أنّ الشهيدين استشهدا في المواقع التي وهباها حياتهما لكان العزاء بهما أكبر، ولكان يوم مأتمهما هو عرس الشهادة التي ما اختلجت نبضة في حياتهما إلاّ من أجله.

لكن الفجيعة بالبطلين الشهيدين أكبر من أن يعبر عنها لأنه حيث أخطأ الرصاص الانعزالي ابن بيت شباب المناضل بشموخ الجبل ضدّ أخطبوط الفيتو الانعزالي، مؤمناً بوحدة شعبه وأرضه، رافعاً راية القومية الاجتماعية في وجه سرطان الطائفية، فإن رصاصاً آخر اصابه فاستشهد على غير ما كان يتمنى وبرصاص غير الذين واجههم بصدره على مدى السنين مشرعاً ذلك الصدر الأسمر بكل مخاطر بابتسامته الحلوة وصبره على المكاره سجناً واضطهاد تشريداً ونضالاً وكل ذلك لمجدك يا سوريا دون ملل.

إنّ الرصاص الذي مزق صدرك يا رفيقي الأمين بشير كاد يمزق، لولا الإيمان الذي زرعه في نفوسنا جميعاً أنطون سعاده، ذلك الرجاء الذي حملته في نفسك دون أن يدانيه شك بأن شعبنا كله أصيل وبأن الانعزاليين هم ظاهرة الشذوذ عن هذه الأصالة وبأن الجبل لن يكون للانعزاليين بل هو للوطنيين والقوميين، وأنّ هؤلاء ان اضطهدهم فيتو الانعزال وحاول تشريدهم واقتلاعهم فهم مغروسون في أرض هذا الوطن في كل رحابه، كما تغرس الفكرة المضيئة في الوجدان، أو كما يلمع الخاطر الألمعي في عقل متفوق.

أن يستشهد الأمين بشير عبيد في المنطقة الوطنية وبأيدي مجرمة أساءت لعنفوان القيّم التي ناضل بشير عبيد من أجلها بكل صدق حتى الاستشهاد، فتلك ليست خسارة رفيق قائد وأمين مناضل فحسب، بل هي طعنة موجهة لمصداقية الموقع الوطني وهي ربح مجاني أعطي لمشروع الكتائب في بناء دويلتهم على حساب المصلحة الوطنية والقومية. لقد كاد يغطي استشهاد بشيرنا القومي الاجتماعي على النحو الذي حصل فيه والملابسات التي أحاطته والأيدي التي غدرت به بشاعة جريمة بشير الجميل في عين الرمانة وفي استكمال حلقات الفيتو الانعزالي.

ولعل هذا المطلوب من ارتكاب مثل هذه الجريمة التي تأتي في وتيرة مستهجنة من الأحداث التي تحبل بها مناطق الفيتو الانعزالي ولكن ولادتها تكون دوماً عندنا.

وأن يستشهد الأمين كمال خير بك على النحو الذي استشهد به بأيدي قتلة مجرمين بعد أن عاد إلى حياته الطبيعية مطمئناً إلى المنطقة الوطنية وأمنها، وهو الذي عجز الأمن الصهيوني والامبريالي عن اصطياده، يوم كان يزعزع الأمن المعادي بضربات النضال الجسور المتحدي، فتلك مفارقة تقص كالسكين في الوجدان وتلسع كالسوط الذين تسببوا باغتياله وهو جريح ينزف، بل كل وطني يحمل شرف المواطنة وشرف هذه الأرض التي أحبها كمال خير بك شاعراً فغناها قصائده ومناضلاً صاغ من أجلها ملاحم نضاله وقومياً اجتماعياً آمن بها حتى الموت.

يا رفيقي الشهيدين الأمينين، قبلكم استشهد الكثيرون من حزبكم العظيم فكنا نقيم لهم الأعراس أما أنتما فلأول مرة تزيد على غصة الفراق غصة الظروف التي أحاطت باغتيالكما والتي تحمل حزبكما معاناة حميمية في مجموعة معادلات ومجموعة أولويات. هذا الحزب الذي لم يكن له قبل استشهادكما إلاّ وضوح المعادلات والأولويات.

فالمعادلة الأولى التي يواجهها حزبكم وهو الذي كان أميناً في مسيرة الخمس سنوات الملحمية النضالية الأخيرة لكل أصول وموجبات التحالف والذي غلب الموقف الجبهوي على كل التناقضات في وجه المؤامرة هي أن يسأل: ترى هل تستطيع المؤامرة أن تنفذ عبر هذا الموقف بالذات؛ وكيف يمكن التصدي لها لمنع زعزعتها؟ هذا الرهان الذي كان جزءاً أساسياً من خطة الحزب في المرحلة الأخيرة.

والمعادلة الثانية هي: هل نستطيع كحركة وطنية أن نكون بالممارسة لا بالكلام البديل الحقيقي عن مشروع الجبهة الانعزالية ومشروع الكتائب المتصهين؟

وهل يمكن للبديل إلاّ أن يحمل مثالاً يكون رجاء للناس، وهل أن استشهاد الأمينين بشير وكمال يمكن أن ينسجم مع هذا المثال الوطني والقومي البديل عن المشروع الإنعزالي!

أما الأوليات فلوقفة التدقيق هذه، التي لا يمكن متابعة المسيرة إن لم تطرح كل هذه التساؤلات ولا نكتفي بطرحها بل تقدم الأجوبة الصريحة المسؤولة عنها كلها.

لقد كان دوماً إيماننا أن العمل الجبهوي لم يقتصر على البرنامج الإصلاحي المرحلي للحركة الوطنية، بل تخطاه إلى أخوة في الخندق القومي والتقدمي، هي بالممارسة تخطت النص المكتوب.

فإذا ما انقلب النص إلى طموحات تنقضها الممارسات كان ذلك مصدراً للخلل الكبير.

وإذا أصبح اللقاء الجبهوي الذي حملنا رايته على مدى السنوات الصعبة وقبلنا في ظله – ونحن نواجه المؤامرة – أن يسقط لنا مئات الشهداء وأن تحترق مناطقنا وتدمر لتسلم القضية ولينقذ شرف الوطن واعتبرنا ذلك كله انتصاراً في صميم الشعب وفي صميم وجدانه فماذا نقول متى شاب هذا العمل الجبهوي الذي استحق كل هذا العطاء مثل هذا الخلل الكبير الذي لا يمكن تجاوزه بالكلام الجميل بل بالفعل الذي يمسح أثار الجريمة النكراء، وبالممارسة المسؤولة التي تطوي وصمة العار التي تظلل الجباه بدل أن يكللها سواد الحزن الذي يرتفع في المآتم ولكن يخترق بريق الشهادة.

وداعاً يا بشير الذي لم تباعدنا أيام النضال الطويلة لا في السجن وقد كنا متجاورين ولا في قيادة هذا الحزب وقد كنا متفاعلين، واذكرك في ليلة غطاها القصف من كل جانب، وكنا نعود من طريق الحرش عبر شاتيلا، كيف كنت تقهقه وأنت تروي ما يضحك وبركان الحرب منفجر حولنا، وأذكرك تروي الشعر الذي لم تنشره لتعبر عن أحاسيس شفافة كانت تغطيها أحياناً عبسة ذلك الجبلي الذي قد من سنديانة عتيقة في الجبل.

وداعاً يا كمال، يا قدموس، وقد كنت تحلم حلم الشعراء وتتجاوزهم إلى حلم المستقبل الكبير، فاذا قصيدتك التي صغتها ملحمة أين منها كل ملاحم الشعر، تلك التي تبارت قصائدها لا أبياتاً من الشعر بل عمليات في عمق العدو تخطه ملاحم البطولة لشعبنا ومفاخر النضال القومي لحزبنا.

ويا رفقائي، لقد كتب علينا أن نحمل الآلام الكبرى، لا لننوء تحت وطأتها بل لتحفزنا لمزيد من النضال.”   11

يوم التشييع

الرجل الكبير لا ينتهي بمأتم. ولن ينتهي بطلان ووردة…

قدمت مجلة الحزب صباح الخير ـ البناء لخبر يوم التشييع على الشكل التالي:

بيروت الوطنية، لبت دعوة الحزب السوري القومي الاجتماعي والحركة الوطنية وشاركت في تشييع شهداء الحزب الأمينين الشهيدين بشير عبيد وكمال خير بك والشهيدة ناهية بجاني.

فمنذ الصباح، بدأت الوفود الحزبية والشعبية تتوافد إلى باحة مستشفى الجامعة الأميركية للمشاركة في نقل الشهداء الثلاثة. وقد اصطف القوميون الاجتماعيون صفوفاً نظامية متأهبون لتأدية التحية للشهداء، وكانت قوات الردع العربية تقوم بالحراسة تنفيذاً لقرارات اللجنة الأمنية العليا.

في الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر السبت في 8 تشرين أول 1980، وصل رئيس الحزب الأمين انعام رعد وآل الشهداء، فأدى القوميون الاجتماعيون تحية السلاح.

وسار موكب التشييع من مستشفى الجامعة الأمريكية إلى كنيسة الوردية في شارع الحمراء، حيث أقيمت الصلاة عن روح الشهيد عبيد والشهيدة ناهية. وقد ترأس الصلاة الأب فيليب نجم وحضر القداس الاحتفالي النائبان فؤاد لحود وألبير مخيبر، ووفد يمثل مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد ترأسه المدير العام للإفتاء الدكتور حسين القوتلي مع وفد من المشايخ والعلماء.

كما حضر قادة الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية الأخوة والرفاق: أبو إياد، جورج حاوي، محسن ابراهيم، أبو ماهر اليماني، بسام أبو الشريف، طلال ناجي، فضل شرور (أبو فراس)، عبد الرحيم مراد، حكمت العيد، سعدالله مزرعاني، هاني فاخوري، عمر حرب، محمد قباني، عصام نعمان ، فؤاد شبقلو، توفيق الصفدي، محيي الدين آغا، وضابطان من قوات الردع العربية هما الرائدين نور الدين وبهيج محمد محو، وممثلون عن اتحادات الكتاب اللبنانيين والفلسطينيين والشاميين واتحاد الكتاب العرب، ورجال الفكر والإعلام  والصحافة والهيئات النقابية والشعبية والشخصيات السياسية والرسمية والحزبية ، وحشد كبير من المواطنين قدر بحوالي سبعة آلاف شخص. 12

  والأمين انعام رعد بكى وأبكى!:

رفقائي في قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي

رفقائي أعضاء الحزب السوري القومي الاجتماعي

رفاقي في قيادة الحركة الوطنية اللبنانية

رفاقي وأخوتي قيادة المقاومة الفلسطينية

يا آل الشهيدين

يا جمال وجلال وهلال

يا أسعد، يا عفيفة يا أخت الرجال

يا جوزيف

يا نجاة ويا خزامى

خمسمائة شهيد ونيف من رفقائنا سقطوا في السنوات الخمس هذه. كنا نقيم لهم الأعراس والأفراح ونهلل.

ولكني اليوم بالدمعة في عيني والغصة في حنجرتي، أبكوا معي أيها القوميون الاجتماعيون. أبكوا، لأن بشيراً لم يسقط وهو يقود معركة الجبل ضد الانعزاليين، أبكوا معي لأن كمالاً لم يسقط وهو يدمر أهداف الصهيونيين.

أبكوا لأن ناهية شردت من بيت شباب، ناهية الشريدة لأنها تصدت للانعزاليين، ناهية الشهيدة في المنطقة الوطنية.

أبكوا معي، أبكوا بالأمس منعوا دق أجراس الحزن في بيت شباب، منعوا الحزن عليك يا ناهية، واليوم أنت شهيدة يا شريدة بيت شباب.

ماذا أقول لك يا رفيقي الأمين بشير؟  يا رفيق المسيرة الطويلة، يا أخي وحبيبي، ماذا أقول لك وصوتك يلعلع بالابتسامة والاعتزاز، وأنت تخرج من يد الجلادين من سجن المير بشير؟  ماذا أقول لك أيها القائد الذي لم تهتز لك قناة يوم تصديت للنظام على رأس قوة حزبك، التي أرادت النظام الجديد الذي يسقط نظام الطائفية والإقطاع في لبنان، على هدى الثورة القومية الاجتماعية الأولى التي أعلنها القائد سعاده.

ماذا أقول لك يا رفيق القرنة في السجن الطويل؟ ماذا أقول لك يا رئيس مجلسنا الأعلى في أحلك الظروف وأصعبها؟ ماذا أقول لك أيها المناضل يا قائد معركة الجبل في حزبنا؟ وعينك على الشوير، وعينك على بيت شباب تتصدى للمشروع الانعزالي بصدرك الذي مزقه رصاص المجرمين في المنطقة الوطنية.

وماذا أقول يا كمال؟ يا قدموس، يا شاعراً في مطلع الستينات وأديباً ومفكراً وجامعياً متفوقاً. ترك العلم لأنه آمن بقول سعاده. بأن الحق القومي لا يكون إذا لم ندحره في معارك الفصل والمصير.

ماذا أقول لك وأمن الصهاينة لم يستطع أن ينال منك. تتحدى الامبرياليين والصهاينة في قلب أوروبا. تدمر أهدافهم وتعود مطمئناً إلى أمن المناطق الوطنية لتستشهد هنا.

ماذا أقول لحزبنا؟ حزب الرجال والشجعان والأبطال.

ماذا أقول؟ أأقول أن العجز كبلنا ونحن الذين يدنا طالت الصهاينة في عقر دارهم؟ ماذا أقول لهم، أأقول لهم أنً رهاننا على العمل الجبهوي كان سبب الخسارة يا بشير؟ أأقول ذلك وأنا أحد نواب رئيس الحركة الوطنية اللبنانية ومن مؤسسي مجلسها السياسي المركزي. ماذا أقول؟ أأكفر بالعمل الجبهوي وقد كنت في الحزب من بُناتِه وأعطيناه كل شيء ونعطيه كل شيء.

يا رفيقيّ، يا رفيقتي الشهيدة.

لقد قال البعض بأن غضب القوميين الاجتماعيين كان كبيراً، لكن ثقوا أن هذا الغضب حجم وحجم وضبط وضبط من القيادة ومن الصفوف معاً، لأن خسارة بشير وكمال وناهية كانت أكبر، أكبر كثيراً من الغضب. لقد حجم لأن وعي القوميين الاجتماعيين وقيادتهم امتدت إلى ناحيتين: إلى الأمن القومي الذي نحرص عليه، ولأننا ما أردنا إلا أن تأخذ قوات الردع العربية مكانها لحفظ هذا الأمن. ولأننا منذ الأساس لم نقم، وكنا دوما ضد الأمن الذاتي، ولأننا، من ناحية ثانية، أدركنا اللغم الذي يريد تفجير المنطقة الوطنية. هذا اللغم الذي يمتد إلى المناطق الوطنية، كما انفجرت في منطقة السيطرة الانعزالية، أردنا أن نعطل اللغم ولو بأجساد شهدائنا، هذا هو الذي ضبط القوميين الاجتماعيين: الأمن القومي ونزع فتيل التفجير والمؤامرة، ولا شيء غير هذا الوعي العالي جداً ضبط القوميين الاجتماعيين، الذين استهولوا الجريمة النكراء.

أقول ما تعرفون جميعاً بأن الفتنة أشدّ هولاً من القتل، ولقد بلغنا القتل يقع على قائدين من كبار قادتنا، ولكننا لن نقبل الفتنة، لا، وأشكرك يا أخي أبا إياد لأنك نددت بأبواق الفتنة التي تعبث، أشكرك يا أخي، أشكرك والثورة الفلسطينية لم تكن يوماً طائفية ولا إقليمية، هي ثورة طليعية للقضية القومية كلها وإلا لا معنى لها. وهي ثورة أرادت أن تقيم فلسطين الديمقراطية العلمانية وليس فلسطين زواريب الطائفية. أشكرك لأنك أدركت ما نعاني. واللذين قالوا بأننا غرباء، نعم، نعم نحن غرباء عن كل فيتو طائفي. نعم، نعم ناهية غريبة عن بيت شباب المحتلة من الكتائب، فلا تجعلوها غريبة في المناطق الوطنية، حركة الشهيد القائد كمال جنبلاط، حركة البرنامج المرحلي الإصلاحي، حركة العلمانية حركة اسقاط الطائفية.

نعم، نعم لهذا حزب انطون سعاده العلماني القومي الاجتماعي انضم إلى هذا العمل الجبهوي المشترك ولم ينضم إلى تجمعات طائفية.

لنا فهمنا للإسلام:

نعم، نعم نحن لنا فهمنا للإسلام، فهمنا الذي عبر عنه انطون سعاده وقال: كلنا مسلمون لرب العالمين، منا من أسلم لله بالقرآن، ومنا من أسلم لله بالانجيل، ومنا من أسلم لله بالحكمة. لقد وحدنا الإسلام وأيد كوننا أمة واحدة ولا يقاتلنا في ديننا وحقنا ووطننا إلاً اليهود،” فإلى اللذين يريدون الإسلام مفرّقاً نقول لهم، الإسلام جامع وموحد وعلى هدي الإسلام الجامع والموحد يتمسك القوميون الاجتماعيون بالإسلام والقضية.

نعم، نعم هذا هو إسلام ابراهيم، إسلام أهل الكتاب، ولا إسلام إلاً هذا الاسلام الذي بشّر به القرآن الكريم.

نعم، نعم نقول لهم ما ذنبنا إذا كنا لم نقتصر على منطقة أو حي، وإذا كان حزبنا قد امتد في الأمة كلها، هذا فخر وليس هذا عيباً.

أقول لكم نحن نرفض المناطق المغلقة، لأننا حزب عقيدة وفكر وحوار، ونحن لا نضيق ذرعاً بأي تنظيم لأننا نؤمن بالصراع الفكري والسياسي والديمقراطي نشأنا حزب عقيدة، نحن لسنا حزباً طارئاً، نحن حزب أصيل، نحن حزب نصف قرن من الجهاد في سبيل الفكر والعقيدة والشعب، وحدة الشعب ووحدة الأرض، ونحن لا يمكن أن نقول أن هذه المنطقة لنا وتلك لغيرنا، ولكننا نقول بأن المناطق والشعب ليست بإرهاب القرار، ولا بإرهاب البندقية، بل الحاجز الحقيقي لا يكون حاجز السلاح، ونحن ضدّ المظاهر المسلحة وضدّ حواجز السلاح، ونحن مع حاجز الثقة، نحن مع حاجز المناقب، نحن مع حاجز إيمان الشعب، هو الذي يشكل الحاجز وهو الذي يشكل الطريق.

الحركة الوطنية حريصون على وحدتها، حريصون على تلاحم صفوفها. ولكن الحركة الوطنية مدعوة أن تقف وقفة تأمل عميقة بعد الذي حصل، فالذي حصل ليس حدثاً عابراً بل هو يستحق هذه الوقفة العميقة والموضوع ليس اغلاق المكاتب، فهذا شكل، نقبل كل ما تقرر مؤسسات العمل الجبهوي، لكننا يجب أن ننطلق لإغلاق الشوائب، لتطهير صفوفنا من الشوائب في المعركة الوطنية. نحن لا نريد ان نثأر كحزب، ولذلك سلمنا اللجنة الأمنية العليا أمر مقاضاة المجرمين، لأننا لم نزل نعطي الفرصة لمؤسسات العمل المشترك. ساعدوا بإنزال العقاب الصارم بالمجرمين، من قبل اللجنة الأمنية العليا لأننا نعطي هذه الفرصة، ومنذ اللحظة الأولى أعطيناها ومستعدون ان نلتزم بها، ولكن ساعدونا على ذلك.

الحركة الوطنية مدعوة أن تكون قاسية وحازمة على الشوائب، على البندقية التي لا تسيس فتسيب، ونحن ضد ذلك كلياً ومع كل تدبير ضد تسييب البندقية. ونحن أيضاً مع حركة كمال جنبلاط العلمانية التقدمية التي لا يمكن أن تحتضن التناقضات الطائفية أو الأقليمية. بهذا نستطيع أن نحفظ وحدة الحركة الوطنية. وأن نحفظ تنزه الحركة الوطنية عن الشوائب. إنً الشهداء الذين سقطوا يهيبون بنا إلى هذه الوقفة المتأملة

وأنتم يا رفقائي، أيها القوميون الاجتماعيون، أدركوا كم كان الجرح بليغاً ولم يزل وسيستمر، وثقوا أنً قيادتكم تعاني أكثر مما تعانون، ثقوا أن قيادتكم في أوج جلجلة الألم. ثقوا أن قيادتكم تشعر بهول العبء الذي تتحمل. وهي تتوجه اليكم بأن تكونوا كما كنتم دائماً، حزب المؤسسات، حزب النظام، حزب القضية القومية، حزب أنطون سعاده الذي دعاكم إلى أن تحملوا هموم القضية لا هموم حزبكم ولا هموم أشخاصكم، والذي دعاكم بالقول المأثور: “وأن أنسى جراح نفسي النازفة لأضمد جراح أمتي البالغة.”

سنبقى في موقع النضال ولن يزعزعنا عن إدراك مسيرة النضال أي شيء. لأننا ندرك أن المؤامرة تريد أن تزعزعنا عن هذا الموقع. لذلك سنعطل فتيلها، ونعطل تفجيرها وسنلتزم أعلى درجات الانضباط. 13

وباسم “الحركة الوطنية اللبنانية” أجاد أمين عام منظمة العمل الشيوعي في لبنان محسن ابراهيم العزاء:

باسم الحركة الوطنية اللبنانية في كل فصائلها واحزابها وتنظيماتها، بكل قياداتها ومقاتليها ومناضليها، نتوجه بتحية الإكبار والاعتزاز والحب والفخر والتقدير إلى الشهيدين الرفيقين المناضلين بشير عبيد وكمال خير بك، ونقول لكم بكل الصدق أنّ القائدين اللذين سقطا ليسا شهيدي الحزب السوري القومي الاجتماعي أكثر مما هما شهيدا الحركة الوطنية اللبنانية كلها أولاً وأساساً، وليس في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية من لا يعرف مدى الخسارة الفادحة التي ألمت بكم وبنا نتيجة استشهاد بشير عبيد الذي عرفناه وزاملناه حين كنا معا في أعالي جبل صنين، قائداًمقاتلاً عنيداً واقفاً وقفة الرجل الشجاع دفاعاً عن وحدة لبنان وعن عروبة لبنان وعن الديمقراطية في لبنان.

وليس بيننا من لا يدرك فداحة الخسارة بفقد الأديب المقاتل الشاعر كمال خير بك الذي استوطن البندقية ووهب نفسه للقضية، لكنكم ونحن معكم مدعوون جميعاً إلى الارتفاع اليوم فوق الجراح، مدعوون اليوم جميعاً إلى أن نقف وقفة محاسبة صارمة لأنفسنا لعل هذه المحنة التي أصابتنا تعطينا من الدروس ما يجعلنا جديرين بقيادة هذا الشعب الذي ما زال يعطي منذ عشر سنوات، يعطي ويعطي بلا حساب وهو لم يبخل ولن يبخل لكنه يرفض كما نرفض أن تهدر الدماء الوطنية مجاناً.

حقائق يجب الا ننساها

أيها الأخوة، أيها الرفاق،

نقف اليوم لنؤكد جملة حقائق، أولى هذه الحقائق:

أننا لا نستطيع أن ننسى لحظة واحدة أن العدو الرئيسي الذي يواجهنا هو المشروع الانعزالي المدعوم “إسرائيلياً” والمجاز أميركياً والذي بدأ يدق بدويلة الكتائب الفاشية باب المعاقل الوطنية والمناطق الوطنية، كما لا نستطيع أن ننسى لحظة واحدة أننا لا يمكن أن ننساق وراء أي تناقضات جانبية، وأنّ وعينا وبصرنا وقلبنا يجب أن يبقى مشدوداً دائماً وأبداً إلى التناقض الرئيسي الذي نحتل نحن فيه موقع الدفاع عن لبنان وعن مصير لبنان. ولا نستطيع أن ننسى لحظة واحدة أنّ العمل الجبهوي المشترك هو طريق خلاصنا جميعاً، وأنّ وحدة الحركة الوطنية اللبنانية قدر مفروض علينا جميعاً شئنا أم أبينا، بها نبقى ومن دونها نفنى ونزول. ثم يجب أن تكون لدينا شجاعة الاعتراف بالخطأ، شجاعة الاعتراف بأن خللاً خطيراً يقوم اليوم بيننا وبين جماهيرنا وأن المسؤول عن هذا الخلل الخطير ليست الجماهير. المسؤول نحن. المسؤول هو القيادات. وأننا إذا لم نبادر إلى معالجة هذا الخلل الخطير فإننا سنفقد موقع القضية الوطنية تحت وطأة تجاوزات يحسبها بعضنا مكاسب ومواقع، لكنها تشكل مقتلاً للعمل الوطني اللبناني كله.

لقد أكدنا خلال الأيام القليلة الماضية أن باستطاعتنا أن نقف وقفة شجاعة فنضبط أنفسنا ومقاتلينا وشارعنا الوطني، ولقد وعدنا بالأمس بأن الحركة الوطنية لن تقف عند هذ الحد، وأنها ستتابع الطريق من أجل تنظيم أوضاع المناطق الوطنية وصون أمن مواطنيها وسلامتهم، من أجل أن تكون هذه المناطق معاقل للأحرار وليس موئلاً لارتكاب المخالفات والتجاوزات. ونؤكد اليوم أننا على هذا الطريق ماضون. ولا يفوتنا أن نقول في هذا المجال كلمة في وجه تلك الأصوات التي ترتفع اليوم وينعق أصحابها من مستغلي هذه المحنة التي نمر بها ليصفونا، ليصفوا الحركة الوطنية بكل فصائلها بأنها دكاكين مسلحين. أن هذا الوصف ليس موجهاً إلى طرف واحد فحسب، أنه موّجه إلينا جميعاً، إلى المرابطين والقوميين، والشيوعيين والاشتراكيين والبعثيين وكل الناصريين. نقول لهم: إذا كنتم تحسبون قسوة جماهيرنا علينا اليوم تعطيكم الفرصة من أجل تطلوا برؤوسكم وتستعيدوا شعاراتكم العفنة، فان جماهيرنا تقسو علينا لأنها تعتبرنا قيادتها ولا تلتفت اليكم لأنها أسقطتكم من الحساب منذ زمن بعيد. نقول لهم ايضاً أنّ التباكي على بيروت، لا يحق لمن هرع بعد مجزرة السبت الأسود كي يرتب موعداً مع بيار الجميل وهو يزحف على بطنه، بينما كان العشرات من المرابطين والقوميين والشيوعيين والاشتراكيين يقاتلون من أجل حماية الجامع العمري الكبير وكنيسة الوردية من أن تدنسها القدم الهمجية.

أيها الأخوة، أيها الرفاق، أيها القوميون الاجتماعيون، نحن واثقون تماماً أنكم لن تكفروا، إنً كل الحملة التي يجري اصطناعها اليوم ضدنا جميعاً، ضدّ كل القوى الوطنية، لن تكفركم كما لن تكفرنا، واثقون من أنكم ستظلون كما كنتم حزباً رئيسياً مقاتلاً في الصفوف الأمامية من الحركة الوطنية. وإليك أيها الرفيق العزيز الصديق الشهيد بشير عبيد، وإليك أيها الأديب الشاعر المقاتل كمال خير بك، تحية الحب والتقدير والتخليد من كل مقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية. 14

 وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” أبو إياد ما قصر بالبكاء:

أخي ورفيقي الاستاذ إنعام رعد، إخواني في قيادة الحزب القومي، إخواني قيادات الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، ماذا أقول في هذا اليوم، من حقنا جميعاً أن ندمع على بشير عبيد وعلى كمال خير بك والشهيدة ناهية. من حقنا جميعاً أن ندمع ونبكيهم في هذا اليوم على الرغم أننا لا نبكي شهداءنا، على الرغم أننا لم نتعود إلاّ أن نستقبل شهداءنا بالزغاريد ولكن في هذا اليوم بالذات، نبكي على أنفسنا، نبكي على ما وصلنا إليه، نبكي لأن بشير عبيد وكمال خير بك وناهية كانوا يتمنون أن يموتوا من أجل القضية التي نذروا أنفسهم لها، كانوا يتمنون أن يستشهدوا من أجل فلسطين، من أجل لبنان العربي الواحد. كانوا يتمنون أن لا يسقطوا برصاص غادر لئيم. إننا نعرف أن الثورة هي الوفاء. ونحن أوفياء. لم نتعلم الغدر ولم نتعلم الجبن ولم نتعلم القتل الجبان. من هنا أقول انه من حقنا أن نبكي اليوم، من حقنا أن نحزن على أنفسنا، أن نبكي أنفسنا وأن نقف وقفة جادة قبل أن ننسى الشهداء، أن نبكيهم حتى نتعلم جميعاً درساً واحداً.

هذا الدرس هو أنّ بشير عبيد وكمال خير بك كانا يتمنيان أن يموتا على أرض المعركة، أن يموتا من أجل القضية، لا أن يموتا في الشوارع. هذه الميتة التي لا يرجوها أحد، ولا يتمناها أحد، كما نعرف معنى أن يموت بشير عبيد على يد بعض الجبناء، وبعض المتحالفين والخارجين عن القانون.

أيها الأخوة والأخوات

ماذا أقول عن الشهداء، ماذا أقول عن بشير عبيد الذي عرفناه، قد فتح قلبه لنا، وفتح عقله لنا من أجل قضيته ومن أجل قضيتنا الواحدة، نزع عنه كل ما له علاقة بالطائفية، ونسمع الآن نعرات طائفية تسمي المناضلين غرباء، لا إن الغريب هو الذي لا يحمل البندقية ولا يحمل السلاح ولا يناضل من أجل قضيته، من أجل وطنه. إنّ الغريب هو الذي لا يحمل البندقية بشرف ويقاتل كما قاتل بشير عبيد إلاّ إذا كان الغريب في مفهوم بعض هؤلاء الذين استغلوا الحادث هو بشير عبيد وكمال خير بك وإنعام رعد فنحن أول هؤلاء الغرباء.

ليسوا غرباء، إنهم أهل هذا الوطن، إنهم أهل بيروت والجبل وأهل العرب. من هنا نحن نقول لهذه الأصوات التي تنبح في كل مكان، محاولة أن تستغل الحادث، نقول لهم أنّ بشير عبيد وكمال خير بك والشهيدة ناهية، الآن ينادون علينا جميعاً ويصرخون فينا جميعاً الوحدة، الوحدة، الوحدة في الحركة الوطنية، الوحدة والتلاحم بين الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية. إنّ دمهم يقول لنا مزيداً من الوحدة حتى لا تخرج علينا هذه الأصوات الكريهة التي تصفكم وتصفنا بأننا غرباء والتي تحاول من خلال المنابر الشريفة، من خلال الجوامع، من خلال استغلال الاسلام، يحاولون أن يدنسوا كل المعاني الطيبة. إننا نسمع صوت بشير عبيد وكمال خير بك، أعداؤنا معروفون، الصهاينة أولاً وعملاء الصهاينة ثانياً وكل ما له علاقة بالصهاينة ثالثاً.15

 

وباسم العائلتين المفجوعتين شكر جوزف سبعلي ووصَّف الشهداء:

كانوا إنساناً واحداً عاشوا معا ناضلوا معاً وكانوا معا حتى لحظة الاستشهاد.

أيها الأخوة والأخوات، أقول باسم الشهيدين وباسم الشهيدة الصغيرة، نحن بحاجة إلى وقفة بشير وكمال، حملا دمهما على كفيهما وهما في العشرين من عمرهما وغنيا فلسطين شعراً وأدباً حتى استشهادهما. وستبقى كلماتهما تهدر في كل جبالنا وسهولنا وتتردد على شفاه أطفالنا فتعلمهم أناشيد العودة وأمثولات في البطولة والكفاح.

حملا القلم بكف والبندقية بالكف الآخر، قاتلا في سبيل القدس وحيفا ويافا والجليل وكل بلادنا الجريحة، يحدوهما الأمل بغدٍ مشرق يطلع من فم البنادق الثائرة.

قاتلا لكي لا يكون لبنان وكراً للتجسس ومرتعاً للتآمر، بل عريناً للرجال وموطناً للشرفاء الأحرار .

قاتلا في سبيل وحدة الحركة الوطنية وكل الوطنيين، وستبقى رفاتهما رمزاً لوحدتنا جميعاً ومشعلاً للتلاحم والتعاون .

كانا سيفاً من سيوف الحق وهما خالدان بخلود الحق في ضمير أمتنا إلى الأبد .

أما ناهية ابنة الاثنين والعشرين ربيعاً، هذه الطاهرة المخلصة لم يعرف الحقد دربه إلى حياتها، فقلبها يطفح بالحنان ولا يتسع إلا للمحبة.

قتلت لأنها ضمت خالها الأمين بشير والشهيد كمال إلى صدرها بعد استشادهما وحاولت لملمة جراحهما بيديها الناعمتين.. وقلبها الطافح بالمحبة.

إنّ قطرات الدم التي سقطت من الشهيدة ناهية من منزلها إلى الروشة حيث وجدت مرمية جثة هامدة، ستبقى منارة تهدي شعبنا إلى طريق الأخاء والمحبة، وتستنهض الهمم لمزيد من التضحية والتضامن.

إنّ الشهداء الثلاثة التحموا في أرض الوطن، فأمتدوا على امتداده وصاروا جزءاً من الوطن.

فنم قرير العين يا بشير فكل أبناء الوطن سيكونون أبناؤك في المستقبل.

ونم قرير العين يا كمال ولا تخف على هشام وزياد لأن الوطن بأسره سيكون لهما.

ونامي قريرة العين يا ناهية، فأنت العروس مجلية في ثوب الزفاف تزوجك الوطن، وستبقين إلى جانبه وتخلدين بخلوده.

إنّ شهداءنا كانوا مناضلين أبطالاً محبين مخلصين لعائلاتهم وأولادهم.

فكان الشهيد بشير مثالاً للأخ المخلص لأخوته والانسان المحب لكل من عرفه من أصدقائه.

وكان كمال مثالاً للأب الحنون العطوف عين على عائلته وطفليه زياد وهشام، وعين على أخوته وأهله الذين أبعدته عنهم ظروف النضال.

أما ناهية فكانت تتدفق حناناً ومحبة ما صحت يوماً إلاّ وعلى لسانها اسماء أخوتها الثلاثة منير وغازي وعوض، الذين هاجروا مع بداية الحرب واستشهدت ولم تشفي غليلها برؤياهم.

كانت تغمر منزل عائلتها بالعطف والتضحية حتى لحظة الشهادة، وكأنما تريد أن تزودها بفيض حنانها لمئة عام بعد الفراق.

إنّ الشهداء الثلاثة هم أكاليل غار سنرفعها فوق منازلنا إلى الأبد.

فباسم آل الشهداء أقدم بتحية شكر لقادة المقاومة الفلسطينية على مشاركتهم لنا في مصابنا، وأملنا أن نسكب دموع الفرح في اعياد النصر الآتي.

وتحية شكر أيضاً لقادة الحركة الوطنية ورجال الدين، كما نشكر كل الذين شاركونا بألمنا، وأملنا أن نبادلهم جميعاً في أيام الفرح والبهجة. 16

هكذا انتهت حياة بشير مع صديق عمره كمال…

كانت علاقة بشير مع شقيقته عفيفة وأفراد عائلتها علاقة الأخ والظل والولد المدلل، أحبته عفيفة حباً يضاهي حب الخنساء لأشقائها، ولم تكتب فيه قصائد الرثاء، وكأنها عزّ عليها أن يكون وحيداً في رحلته إلى العالم الآخر، فأهدته واحدة من قصائد بيتها الجميلة، وهكذا عانقت ابنتها ناهية الصبية المُحِبَّة خالها لتغفو إلى جانبه في نوم أبدي.

“نسي معظم الناس المكان الذي دفن به الشهداء الثلاثة، لكن الثوار لم ينسوا التراب الذي احتضن رفاقهم، ففي “نهار الثلاثاء السادس من تشرين الثاني عام 2001 أحيت حركة «الوفاء للأرض» ذكرى كمال خير بك وبشير عبيد وناهية بجاني، وذلك في مدافن شهداء فلسطين في بيروت، ووضع الحضور أكاليل من الورود على أضرحة الشهداء ومنها إكليل ورد من المناضل الثوري «كارلوس» المعتقل في السجون الفرنسية، مهدى إلى كمال وبشير وناهية.

 لقد قال كمال جنبلاط لبشير: زعيمك تخطى الحدود فقتلوه… وعاد بشير فقال لكمال جنبلاط، أنت ايضاً تخطيت الحدود فقتلوك… وكان سعيد تقي الدين قد قال قبله بغضب لغسان جديد ما معناه أنك تخطيت الحدود فقتلوك… ونحن نقول لبشير وكمال، وانتما أيضاً تخطيتما الحدود، فقتلوكما، لكننا نعاهدكم أننا سنبقى نتخطى الحدود…” 17

 

المراجع

1 ـ من مقابلة عفيفة عبيد

2 ـ من مقابلة خزامى قاصوف

3 ـ من مقابلة الدكتور سمير صباغ

4 ـ من مقابلة خزامى قاصوف

5 ـ مجلة صباح الخير – البناء العدد 271، ت: 8/11/1980

6 ـ المصدر السابق

7 ـ المصدر السابق

9 ـ المصدر السابق

10 ـ المصدر السابق

11 ـ المصدر السابق

12ـ مجلة صباح الخير ـ البناء العدد 272، ت: 15/11/1980

13 ـ المصدر السابق

14ـ المصدر السابق

15ـ المصدر السابق

16 ـ المصدر السابق

17 ـ من كلمة د. ميلاد سبعلي في ندوة جمعية حق وخير وجمال